بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بشر بلا ثمن

هذه حوارات أجريت مع عدد من اللاجئين السودانيين الذين كانوا معتصمين أمام مفوضية اللاجئين في المهندسين. بعضها أجري قبل المذبحة للتعرف على قصة لجؤهم وأحوالهم في مصر، والبعض الآخر أجري بعد المذبحة للاستماع إلى شهاداتهم عما جرى.. وسنكتشف بسهولة ونحن نقرأ تلك الشهادات حجم الاضطهاد والعنصرية التي تعرض ويتعرض لها هؤلاء البشر.

قبل المذبحة

*الاسم: أمير.
*السن: 27 سنة.
*الموطن الأصلي في السودان: جبال النوبة.
*الحالة الاجتماعية: غير متزوج ـ كان يعيش مع أهله في السودان ـ له 7 أخوات.
*الرحلة إلى القاهرة: جاء إلي القاهرة مع العديد من اللاجئين يصل عددهم إلي 200 لاجئ.
*سبب اللجوء: الحرب الأهلية في جبال النوبة وعدم استقرار الوضع السياسي وهو بالقاهرة من حوالي 5 سنوات.
*الدراسة: كان طالب في السنة الثالثة بجامعة كردفان ـ كلية الموارد الطبيعية.
*كيفية المجئ إلي القاهرة: بالقطار من كوم بحري إلي وادي حلفا، ومنها بمركب إلي أسوان ثم بالقطار إلي القاهرة، ولم يكن هناك صعوبات عند الدخول إلي مصر.
*الوظيفة: جاء إلي القاهرة ومعه حوالي 3000 دولار، وبحث عن عمل واشتغل لفترة بمصنع شيري تكس، وكان يعمل بالمشتريات، أي يقوم بشراء بعض الأجزاء التي يحتاجها المنتج، وأيضاً كعامل علي أحد الماكينات. وكان يعمل لمدة 12 ساعة بـ350 ج شهرياً، وزملائه المصريين الذين يعملون نفس عمله كانوا يتقاضون من 500 إلي 600 جنيه، فضلاً عن أنه كان يعمل في وظيفتين في نفس الوقت.
*السكن: يعيش بحجرة مشتركة مع بعض السودانيين الآخرين بمنطقة الألف مسكن، والحجرة ليس بها مياه ولا صرف صحي والحمامات مشتركة ويدفعون إيجار 250 جنيه شهرياً يقتسموها فيما بينهم.
*الأسرة: أسرته تعيش حالياً بالخرطوم ويستطيع التواصل معهم ويرسلون إليه أموالاً.
*رأيه في اتفاقيه السلام بين الجبهة والحكومة: أنها اتفاقية فوقية تتجاهل التقاسيم العرقية والنزاع بين القبائل السودانية، وهي اتفاقية وهمية وواقع الحال يخالفها تماما، ومازال الوضع في السودان غير آمن. وأمريكا هي التي ضغطت علي الحكومة والجبهة لتوقيع الاتفاقية لأن لها مصالح عظمي بالسودان، لأن السودان تمتاز بقدر عال من الموارد الطبيعية وبتنوع المناخ بين الشمال والجنوب مما يسمح بزراعة العديد من المحاصيل، هذا فضلاً عن وجود العديد من المعادن وعلي رأسها اليورانيوم والبترول.
*العنصرية: وقد حكي لنا أمير العديد من الوقائع التي تبين مدي التمييز الذي يتعامل به المصريون معهم علي مستوي الحكومة والشعب. وأحد هذه الوقائع يوم صلاة عيد الفطر حيث قام مسجد مصطفي محمود بتغطية الحديقة المعتصمين بها بالفراشة لكي لا يظهر للمصلين حجم اعتصامهم ومنعوا السودانيين المعتصمين من أداء صلاة العيد بالمسجد مما أضطرهم للصلاة داخل الحديقة.

*الاسم: شفيقة.
*السن: 26 سنة.
*الحالة الاجتماعية: متزوجة ولديها 4 أولاد أعمارهم: 12 سنة، 10 سنوات، 4 سنوات، 3 سنوات.
*الموطن الأصلي في السودان: الخرطوم وزوجها من دارفور.
*سبب اللجوء: الحرب في دارفور وفقد الصلة بأسرتها في السودان، حيث لم تستطع العثور عليهم حتي الآن.
*الحالة الاجتماعية: متزوجة وزوجها كان يعمل في السودان ميكانيكي سيارات وعمل فترة بالقاهرة بالعديد من ورش السيارات وتركها نتيجة للمعاملة السيئة جداً من أصحاب الورش.
*العمل: تعمل كمعظم السودانيات بالخدمة في البيوت من الثامنة صباحاً حتي الثانية عشر مساءاً بـ 350 جنيهاً شهرياً.
*الأبناء: يعاني 3 من أولادها من أمراض صدرية ومعظم المرتب يذهب إلى العلاج وأولادها لا يدرسون علي الإطلاق لضيق الموارد المالية، حيث تحتاج المدارس التي تقبل تعليم السودانين إلي رسوم تسجيل 125 ج، فإذا أرادت إدخال أطفالها المدرسة سيكلفها هذا حوالي 500 ج وهو مبلغ كبير جداً بالنسبة لميزانيتها المتواضعة.
*السكن: بمنطقة الكيلو 4.5 بعزبة الهجانة، ويعيشون في غرفة واحدة دون أي أثاث، ينامون علي حصيرة كبيرة كلهم، ويشتكون من الصرف الصحي ودورات المياه، لأنها دورات مشتركة وغير نظيفة.

*الاسم: زينب.
*السن: 24 سنة.
*الحالة الاجتماعية: متزوجة ولديها 3 أولاد أعمارهم: 9 سنوات، 6 سنوات، 3.5 سنوات.
*الموطن الأصلي في السودان: جبال النوبة.
*سبب اللجوء: فقدت عائلتها بالكامل: الأب والأم و6 من أخواتها أثناء وجودها في السودان منذ خمس سنوات، ولهذا قررت ترك السودان بسبب الحرب المستمرة بين جميع القبائل ولتدهور الحالة الاقتصادية.
*طريقة الوصول: جاءت إلي مصر ضمن مجموعة كبيرة من السودانيين، واتبعوا نفس الطريق الذي يتبعه الجميع بالقطار من كوم بحري إلي وادي حلفا ومنها بمركب إلي أسوان ثم بالقطار إلي القاهرة.
*الوظيفة: تعمل في الخدمة في البيوت من الثامنة صباحاً وحتي العاشرة مساءاً، وتقول أن معظم السودانيات العاملات بالخدمة بالمنازل يلاقون معاملة سيئة وغير انسانية للغاية من مخدوماتهن، حيث يتعامل معهن الجميع علي أنهن من العبيد، ومن ثم يقبلن بأي أموال ضئيلة مقابل حجم عمل ضخم، وأن السيدات يفضلن السودانيات كخادمات لأنهن عمالة رخيصة جداً.
*العنصرية: المعاكسات في الشارع ظاهرة يومية سواء عن طريق الشتائم والألفاظ الخارجة أو عن طريق التحرش الجنسي في الشارع وفي كافة أنواع المواصلات: المترو، الأتوبيس، وعندما تستجند بالمارة قلما ينجدها أحد.

*الاسم: أميرة.
*السن: 37 سنة.
*الحالة الاجتماعية: متزوجة ولديها 9 أولاد وزوجها مريض بالصرع ولا تستطيع شراء الدواء له لأنه غالي جداً.
*الوظيفة: تعمل خادمة وهو لا يعمل، ومرتبها يكفي بالكاد الحاجات الغذائية لأطفالها.
*الموطن الأصلي في السودان: دارفور.
*العمل بالمخيم: تعمل بالمخيم كداية. وقد أجرت جميع عمليات الولادة التي تمت داخل المخيم وقالت أنها قد أجرت 14 عملية ولادة وفي إحدى هذه الولادات مات طفلين توأم بعد الولادة بـ3 ساعات. هذا فضلاً عن حوالي 7 عمليات إجهاض حدثت لسيدات داخل المخيم.
*الرحلة من السودان: جائت هي وأطفالها وزوجها دفعات. فمنذ حوالي 4 سنوات أتي الزوج بمفرده إلي القاهرة وانقطعت أخباره. ومنذ حوالي سنتين قررت هي وأولادها الذهاب إلي مصر للبحث عن الزوج. فأتت إلي القاهرة مع 6 من الأطفال وتركت الـ3 الآخرين بسبب عدم وجود ما يكفي من الأموال. واستمرت عملية البحث عن الزوج حوالي 10 أشهر إلي أن دلها عليه أحد السودانين في البراجيل. أما باقي الأولاد، فقد جاءوا إلي القاهرة منذ حوالي سنة عندما توافرت لهم أموالاً للسفر.
*محل الإقامة: تقيم أميرة مع زوجها وأولادها العشرة في حجرة بالكيلو 4.5.
*الحالة الصحية للأطفال: كل الأطفال بلا استثناء مرضي نتيجة البرد الشديد بالليل وسوء لتغذية. حيث يتناولون وجبة واحدة يومياً مع عدم وجود حد أدني من الرعاية الصحية ومع سرعة انتشار الأمراض نتيجة الزحام.

بعد المذبحة

*الاسم: سليمان.
*السن: 12 سنة.
*الدراسة: درس في السودان حتى سنة خمسة ابتدائي ولم يكمل تعليمه بسبب منعه من التعليم في مصر.
*الرحلة إلى مصر: جاء مع أسرته الى مصر من ست سنوات.
*السكن: يسكن في الكيلو 4.5.
*قصة المذبحة: جاء الأمن المصري، وبدأ في زيادة عدد عربات الأمن، وذهبنا إلى الصلاة في جامع مصطفى محمود، ووجدنا الضباط قاموا بغلق الشارع، وزاد عدد الضباط بشكل كبير، وعندما سألناهم قالوا إن فيه ناس مسلمين هيضربوكوا، وبعد شوية لقينا ناس لابسين جلاليب بيضاء وبيتجمعوا عند الجامع، وبعدين الساعة 12 لقينا ضابط بيتكلم في ميكرفون وبيقول يا سودانيين اخلوا الحديقة لأنكم قعدتم كتير، وإذا ما خرجتوش هنتصرف معاكم بالذوق أو بالعافية، وإحنا مرضيناش نخرج وقلنالهم هاتوا جواب من المفوضية وإحنا نخلي الحديقة، فبدأوا يرشونا بمياه باردة جداً، واحنا خفنا واتغطينا بالمشمعات، وفيه طفل عنده خمس سنين مات من المياه الباردة، وبعدين ابتدوا يرشونا بمياه سخنة، وفيه واحد من الضباط قال هجوم، فدخل العساكر وضربونا بالعصيان الكهربية وجرجرونا برة وشتمونا وضربونا بمطاوي وناس كتيرة ماتت، وكان فيه ولد اسمه عبد الشفيق ضربوه في سنانه ووقعت في أيديه، ولبسوني كلبشات في إيديا وحطوني في أتوبيس رقم 65 بعد ما ضربوني بالعصايا على ظهري، ورحنا مستشفى القصر العيني، وبعدين خرجت ورحنا معسكر طرة الجبل، ولقيت عمي هناك في المعسكر، وخرجت معاه، بس هو قاعد عند ناس وأنا قعدت أدور على أبويا وأمي ملقيتهمش، وأنا دلوقتي قاعد في جمعية أبانوس ومعايا أطفال كتير مش لاقيين أهالينا.

*الاسم: صلاح الدين.
*الموطن الأصلي قبل اللجوء: دارفور.
*سبب المجئ: جاء من السودان في 2/12/2004 بسبب الحرب.
*السن: 29 سنة.
*قصة المذبحة: بدأت تتجمع عربات الشرطة، وكانت هناك حركة غير طبيعية، وقالوا لنا إن فيه مظاهرة للإخوان، والرائد هيثم أكد هذا، واتصلنا بالصحفيين سألناهم عن مظاهرة الأخوان قالوا مفيش أي مظاهرة، ومن الساعة 9 إلى 12 مساءاً بدأت تتجمع عربات المطافي والمدرعات والأمن المركزي وشاحنات وأتوبيسات النقل العام بأعداد كبيرة، والساعة 12 تم تطويق النجيلة بالأمن، حوالى 7000 جندي، وأنا وعامر وبحر الدين وعبد الرحيم وناصر وزين العابدين حاولنا نتكلم مع الشرطة وحاولنا التفاوض معهم، وقلنا لهم إحنا مستعدين لفض الاعتصام في وجود أحد موظفي المفوضية، ولكنهم جابوا مكبرات الصوت وقالوا لنا فضوا الاعتصام وإلا سنخلي الحديقة بالقوة، وبدأت الدفعة الأولى برش المياه من أربع اتجاهات، واستمر ده لمدة نصف ساعة، وجاء أحمد عمر من الحركة الشعبية، وحاول اقناعنا بفض الاعتصام، فقلنا له إننا نريد ضمانات من المفوضية. وفي الساعة أربعة ونصف بدأ الأقتحام، وأنا كنت في الباب المقابل لعمارة البنك، وقمنا بوضع النساء والطفال في مكان واحد لحمايتهم، وبدأ العساكر يضربون بالعصيان ونحن نحاول مقاومتهم، ثم دخلت جحافل كثيرة من عساكر الأمن المركزي قاموا بضربنا على رؤوسنا، وبدأت تحدث حالات إغماء وصرخات مكتومة، وأخذوني 4 عساكر إلى الأتوبيس بجوار السفارة القطرية وهم يشتموني شتائم قذرة، وكان في الأتوبيس رجالة وستات وأطفال جرحى، ووصلنا معسكر طرة البلد، وفي الطريق مات أطفال في الأتوبيس، وكان فيه ست حامل ماتت من النزيف، وفي طرة دخلنا حوش كبير، وكنا مبلليين بالمياه ومضروبيين، وكان فينا جرحى، وجابوا دكاترة ووقفونا صف، وكشفوا علينا الأطباء ظاهرياً دون تقديم أي مساعدة، بدأوا تسجيل الأسماء لتسليمها إلى أمن الدولة، ووضعوا الرجال داخل عنبرين وبقيت النساء والأطفال في الحوش، وبدأوا في تصنيف الناس على أساس البطاقات، وتم إطلاق سراح الناس إللي معاهم بطاقات، وكان معي بطاقة صفراء، وخرجنا 11 شخص، وكان معانا 6 أطفال و4 سيدات، ونقلونا إلى حلوان ثم انتقلنا إلى التحرير، وذهبت مع أحد زملائي إلى مسكنه في كوبري الخشب لأنه ليس لدي سكن، وثاني يوم ذهبت الى كنيسة السكاكيني إلى أن أخرجونا من الكنيسة.

*الاسم: عامر.
*السن: 30 سنة.
*الموطن قبل اللجوء: جبال النوبة.
*الدراسة: كان يدرس في كلية التربية قسم جغرافيا وتاريخ بجامعة جوبا.
*سبب اللجوء: كان يمارس نشاط اجتماعي وسياسي. فهو عضو بالجبهة الديمقراطية (تحالف بين الطلاب الديمقراطيين والشيوعيين)، وعضو رابطة أبناء النوبة العالمية بجامعة جوبا، والأمين العام للجمعية السودانية لمكافحة مرض الإيدز والأمراض المنتقلة عن طريق الاتصال الجنسي، وعضو المكتب الإعلامي لرابطة ولاية الخرطوم. ونتيجة لهذا النشاط اعتقل في السودان في 2002. ثم فصل من الجامعة وهو في الفصل الدراسي الثامن ولم يبق له إلا شهران على الامتحانات النهائية. اعتراضاً على هذا الفصل التعسفي رفع عامر قضايا على عمادة شئون الطلاب. إلا أن هذه القضايا كانت السبب في اعتقاله للمرة الثانية في يناير 2003. في الاعتقالين الأول والثاني تعرض عامر لتعذيب وحشي من قبل السلطات السودانية. وخوفاً على حياته، حصل عامر على تأشيرة للقاهرة بمساعدة من أحد المحامين في “الجبهة الديمقراطية”، ليصل إلى القاهرة في 11/9/2003. وفي 28/9/2003 تقدم بطلب لجوء. إلا أن ميعاده أجل مرتين، مرة في 11/3/2004، والثانية في 17/4/2004، دون حتى أن يدخل من باب المفوضية، التي لم يدخلها طوال مدة اقامته في مصر سوى ثلاث مرات: مرة عند التسجيل والمرتين الثانيتين في التفاوض أثناء الاعتصام.
*قصة المذبحة: أعز الناس ماتوا على النجيلة، تم حشري في أتوبيس كله ناس مصابة بجروح واختناق نتيجة لاستنشاق غاز استخدمه الجنود أثناء عملية الفض يؤدي إلى خمول وارتخاء في العضلات، بينما كانوا هم يحتمون منه بواسطة الغطاء الزجاجي لخوذاتهم، بالإضافة إلى استبدال صفوف الجنود المهاجمة بصفوف جديدة طوال الوقت، تم اعتقالي مع ما بين 600 إلى 750 لاجئ آخر في مركز تدريب الكلاب البوليسية الخاص بالأمن المركزي بمنشية ناصر، وضعونا في خيمة كبيرة بلا إسعاف وبلا غطاء، وكان يلقى إلينا الأكل في الهواء مع سيل من السباب العنصري، حتى أن معظمنا كان يأبى تناول هذا الطعام، أما الذهاب لدورة المياة كان لا يتم إلا بطلوع الروح وبمصاحبة جندي أو جنديان حتى مع النساء، كان في المعسكر مجموعة من الأطفال بدون عائل، وكنت مسئول عن أربعة منهم، ولما قررت إدارة المعسكر الافراج عن كل اللاجئين ممن يحملون إثبات شخصية، رفضت مغادرة المعسكر من دون هؤلاء الأطفال، وفعلاً استطعت الخروج بهم، إلا أنه ظل في المعسكر حوالي 250 شخص ممن فقدوا مستنداتهم، وبعد الخروج رحت أنام عند صديق، ثم ذهبت إلى كنيسة السكاكيني، وأنا الآن أتجول في الشوارع كغيري ممن طردوا من الكنيسة.