بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بين نائب عام مبارك ونائب عام مرسي: للثورة خيارات أخرى

جاء حكم محكمة استئناف القاهرة دائرة رجال القضاء ببطلان تعيين النائب العام الحالي طلعت عبدالله بدلا من النائب العام السابق عبدالمجيد محمود ليفتح النقاش من جديد حول تلك القضية التي طرحها الإعلان “غير الدستوري” الذي أصدره الدكتاتور محمد مرسي في أواخر نوفمبر الماضي حول تعيين رئيس الجمهورية للنائب العام وما في ذلك من “تعدي على السلطة القضائية.”

مما لاشك فيه أن إقالة عبدالمجيد محمود نائب عام مبارك كان مطلبا ثوريا للجماهير المصرية في كل ميادين الثورة منذ بدايتها؛ ففي أثناء حكم الدكتاتور مبارك تم تبرئة رجاله الفاسدين من كل التهم الموجهة إليهم من إهمال وقتل في بعض الأحيان بجانب انتهاك حقوق وحريات المواطنين، أما بعد الثورة فافتتاح مهرجان “البراءة للجميع” تم على أيدي نيابته العامة، التي برأت وأخلت سبيل العديد من رموز النظام السابق المشهود لهم بالفساد، كذلك قتلة الثوار الذين لم يتم القصاص منهم حتى اللحظة، ولكن المطلب الثوري لم يكن أبدا ليطرح بديلا باستبدال نائب عام مبارك بنائب عام مرسي.

ما حدث من تعيين مرسي لطلعت عبدالله النائب العام الحالي هو تكرار للحالة السابقة التي قامت ضدها الثورة (مبارك رئيسا – عبدالمجيد محمود نائبا عاما) وما يترتب عليها من عدم الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، مما يجعل القضاء بدلا من أن يكون وسيلة محايدة لتحقيق العدالة، ويجعله أداة في يد السلطة لقمع المعارضة حفاظا على آلة الظلم والاستغلال للنظام، كما يتم حماية رموزه وكوادره من المحاسبة على جرائمهم التي تشمل الفساد والسرقة والقتل ممن طالت أيديهم أموال وأرواح المواطنين.

معركة الثورة في قضية اختيار النائب العام لا يجب أن تكون في المفاضلة بين نائب عام مرسي ونائب عام مبارك بل في فرض قواعد أكثر عدلا لاختيار النائب العام وضمان تمثيله للشعب؛ ففي حين أن البعض يطرح أن يتم اختياره من قبل المجلس الأعلي للقضاء، وهو ما يعد أفضل نسبيا من أن يختاره الرئيس، إلا أن الطرح الأفضل الذي يجب أن نحارب من أجله هو أن يختاره الشعب بالانتخاب؛ فالنائب العام المدافع عن حقوق المواطنين القانونية يجب أن يكون ممثلا حقيقيا للشعب يعلم أنه أتى بإرادة الجماهير ولا مناص له إلا أن يحقق العدالة لها.

خلال الفترة الأخيرة وضح للجميع كيف تكون النيابة العامة والقضاء أداة في يد السلطة لقمع المعارضة؛ فمن تلفيق التهم للثوار واتهامهم بالبلطجة والتهم التقليدية مثل تكدير الأمن العام والاعتداء على أفراد الشرطة وقطع الطريق إلى تلفيق التهم لعمال المصانع الذين يستخدمون حقهم المشروع في الإضراب السلمي مثل عمال مصنع أسمنت بورتلاند في الإسكندرية الذين فض الأمن المركزي اعتصامهم بالقوة بقرار من المحامي العام الأول لنيابات استئناف الإسكندرية وما نتج عنه من تكسير عظامهم ثم حبسهم احتياطيا منذ 17 فبراير 2013 وحتى يومنا هذا، مرورا بالقضية الأشهر وهي قضية الثائر السكندري حسن مصطفى الذي لفق له وكيل النيابة أحمد درويش قضية الاعتداء عليه بالصفع مما تسبب في “إحمرار خدوده” كما يدعي، وهو الإحمرار الذي أتى وكيل النيابة بتقرير طبي يثبته بعد واقعة ادعاء صفعة بخمسة ساعات مع العلم أن وكيل النيابة هذا سبق وأن قام بحبسه قبل الثورة بسبب كشف حسن مصطفى لقضية خالد سعيد ومشاركته في الفعاليات التي قامت لمحاسبة المسئولين عنها.

نفس القضاء الذي ينكل بالثوار وبالعمال المطالبين بحقوقهم هو من يقوم بتبرئة كل رموز الفساد وإخلاء سبيلهم؛ فمن إخلاء سبيل صفوت الشريف إلى فتحي سرور إلى زهير جرانة ومحمد المغربي إلى سامح فهمي وغيرهم من رموز فساد نظام مبارك. وهو نفس القضاء الذي يبرء قتلة الثوار في كل الميادين منذ بدء الثورة، وهي نفس النيابة العامة التي جعلت سجن المجرم مبارك على جرائمه التي قام بها أثناء حكمه من قتل وفساد وتعذيب في أفخم مستشفيات الدولة.

النيابة العامة أيضا التي تعسفت في تقديم الخدمات الطبية اللازمة لعاملي أسمنت بورتلاند محمد بسيوني وفتحي محمد المصابين بكسور متعددة ما بين الفك والذراع واليد حيث قامت بتعقيد إجراءات نقلهما للمستشفى بشكل عجيب ومستفز لكل متابعي تلك القضية، ونفس النيابة التي تخلي سبيل المجرمين من رموز نظام مبارك ولصوصه الكبار بضمان محل إقامتهم نجدها تخلي سبيل المتظاهرين الفقراء بكفالات مالية تعجيزية لهم في ظل ظروفهم المادية القاسية مع تجديد أيام حبس إضافية لعدم امتلاكهم المال اللازم للكفالة .

في ظل المعطيات الحالية يمكن القول أن النيابة العامة والقضاء هما جزء من النظام الفاسد الذي يحكمنا، يشاركانه ظلمه ويدافعان عن مصالحه ويعملان على توطيد أركانه رغم طغيانه بدلا من السعي للعدالة التي لو تحققت يوما لما بقيت دولة الفساد التي نعيش فيها على ظلمها.

ما نحتاجه اليوم هو إقامة نظام قضائي أكثر عدلا يدور في فلك المواطن لا السلطة التي تحكم، يكون عماده تحقيق العدالة، وليس فقط مجرد التطهير وتغيير الأشخاص. وهذا لن يتحقق طالما كانت هناك سلطة لدولة قمعية تختار النائب العام وتعين القضاة وتشرع القوانين وتمارس كل أنواع الظلم الذي يستلزم انحيازا تاما لها من القضاة والقوانين، تلك السلطة التي لا تعني إذن تدخلاتها سوى الحفاظ على ظلم أكبر وفساد واستغلال.