بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

من يعاني من القهر والعنصرية لا يصح أبدا أن يمارسهم ضد من هم أضعف منهم

دفاعا عن اللاجئين السودانيين ضد العنصرية والقهر

أمر مؤلم حقا بالنسبة لأي اشتراكي حقيقي، وبالنسبة لأي شخص ذو نزعة إنسانية، أن يكتشف إلى أي مدى وصلت نزعات العنصرية لدى قطاعات من الجماهير المصرية الكادحة، وإلى أي مدى وصلت نفس تلك النزعات لدى فئات من المناضلين من أجل الديمقراطية والتغيير في مصر. إنها لسبة لإنسانيتنا أن يصل بعض من يعانون الظلم والقهر إلى حد قبول – بل وتبرير – مذبحة ارتكبت بحق نساء وأطفال ورجال عزل كل جريمتهم أنهم يمارسون حقا إنسانيا في الاعتراض – بشكل سلمي – على ظلم بين يتعرضون له.

أنا أتحدث عن السودانيين في مصر (3 ملايين)، وعما حدث لقطاع منهم (اللاجئون المعتصمون بميدان مصطفى محمود) يوم الجمعة 30 ديسمبر 2005.

المسألة الجوهرية هنا ليست ما فعله النظام، فإن ارتكب المجرم معتاد الإجرام جريمة لم يكن في هذا أي غرابة. المسألة الجوهرية أن بعض من تعرضوا لإجرام المجرم، بعض من ذاقوا الظلم والعسف والجور، رأوا فيما فعله هذا المجرم العتيد أمرا مبررا ومنطقيا (وهل هناك منطق في قتل النفس البشرية لمجرد اعتراضها السلمي على ظلم تتعرض له؟).

لقد سمعنا في الأيام الماضية حجج كلاسيكية – يرددها كل من وقعوا في شرك العنصرية في أي مكان في العالم – لتبرير مذبحة اللاجئين السودانيين في ميدان مصطفى محمود. هذه الحجج لا ينبغي أن تمر مرور الكرام. فلابد من الرد عليها، ولابد أن نناضل بلا كلل – نحن المناضلون من أجل العدل والحرية – ضد طوفان العنصرية والتمييز الذي قد يكتسحنا ويحطم حركتنا.

الحقيقة البسيطة التي ينبغي أن نبدأ منها هي الآتية: قتل 25 نفسا بشرية (وفقا لأرقام الحكومة)، وأكثر من 50 نفسا بشرية (وفقا لمعلومات مؤكدة من مصادر مستقلة أخرى). هذه هي نقطة البداية الصحيحة. والسؤال الذي يتوجب طرحه هنا هو: هل هناك أي مبرر لهذا القتل؟

فلنقل أن السودانيين المعتصمين بميدان مصطفى محمود أجرموا. أنا بالقطع لا أرى ذلك أبدا. لكن دعنا – لتوضيح حجم الجرم المرتكب – نقول أنهم أجرموا. ألا يكون العقاب مساويا للجرم؟ هل الجريمة التي ارتكبوها تساوي قتل بلا تمييز لـ50 شخص من ضمنهم عجائز ونساء وأطفال؟ هل “الجرم” يساوي قتل هذا العدد من الأشخاص بلا تمييز وبلا محاكمة أو قضاة أو حق الدفاع عن النفس؟ إذا أجبت بالإيجاب فأنت تحدد موقفك من قضية العدل عامة. إذا أجبت بالإيجاب فأنت توافق على البربرية التامة، وعلى همجية نظام فقد مبرر وجوده.

النظام قرر من جانب واحد أن اللاجئين السودانيين أجرموا. ثم بدون أن يسمع أقوالهم، وبدون أن يتيح لهم حق الدفاع عن النفس – حق المحاكمة العادلة – قتل بلا تمييز عشرات منهم. قتل مثلا أطفال رضع بالقطع لن نختلف أنه لا يوجد قانون على ظهر الأرض يعطي شرعية لقتلهم وفق أي مبرر. هل هذا عدل؟ هل هذه إنسانية؟ قتل نساء وشيوخ طاعنين في السن لا يجدون مأوى يحميهم في عز برد الشتاء. هل يمكن – بأي منطق كان – تبرير هذا؟

لم نسمع أن السودانيين رفعوا سلاحا على النظام أو على أحد. لم نسمع أنهم هاجموا أحدا. على العكس، لقد هوجموا في جنح الظلام، وبكل وحشية. فكيف نعتبر أن هذا الهجوم شرعيا ومبررا؟ إذا وافقنا على هذا الهجوم الحقير، لكنا نبرر منطق الغاب، ولأعطينا للنظام تصريحا بأن يقتلنا جميعا إذا رأى هو – لسبب ما تفتق عنه ذهنه – أننا أجرمنا. يقتلنا بدون محاكمة وبدون تمييز. بدون دفاع وقضاة وإدعاء وأدلة وقرائن.

ثم هناك مسألة القتل الجماعي بدون تمييز. العقاب الجماعي، أي العقاب غير الموجه ضد شخص معين لأنه أجرم جرم معين ثبت ارتكابه له بعد محاكمة عادلة توفرت له فيها كل ضمانات الدفاع، هو ما تفعله إسرائيل في إخواننا الفلسطينيين. فهل نحن سنعطي النظام الحاكم في مصر تصريحا بالقتل الجماعي، هل نحن نريده أن يمارس معنا – أو مع أي كان – سياسة القتل الجماعي الإسرائيلية الحقيرة؟

هذه هي أسئلة حقيقية. وهذه الأسئلة علينا الإجابة عليها.

ثم تعالوا بنا ننظر إلى مسألة طبيعة “الجرم” الذي ارتكبه السودانيين. هناك من يقول أن جريمتهم هي أنهم لا يحبون المصريين، وأنهم أتوا لأنهم يريدون السفر إلى بلدان غربية، أي أن جريمتهم هي أن “مشاعرهم” تجاهنا سلبية، وأن “دوافعهم” انتهازية. أنا ليس لدي دليل على هذا. وفي الأغلب هذه الدعاية دعاية حكومية مغرضة وتضخيم لظواهر جزئية.

ولكن فلنقل أن هذا صحيح. فهل جزاء من لا يحبنا أو من يسعى لهدف لا نرضاه أن نقتله؟ أريد أن أعرف أي قانون عقوبات هذا الذي يرى أن عقوبة المشاعر السلبية القتل؟

ثم من قال أن السودانيين – جميعا – لا يحبوننا؟ أنا أرى أن هذا غير صحيح على وجه الإطلاق. السودانيون – في الأغلب – لا يحبون النظام المصري (وهل يحبه أحد منا؟). السودانيون يكرهون نظام حكم تعقبهم وضيق عليهم ولم يعاملهم معاملة إنسانية يستحقونها. السودانيون يكرهون حسني مبارك الذي قال ذات يوم للبشير في شكل طرفة تستحق الضحك أنه سيبعث له بالسودانيين المقيمين في مصر حتى يعدهم هو نفسه، وذلك بعد أن اختلف النظامان المصري والسوداني على عدد السودانين المقيمين في مصر. حسني مبارك يضحك بشأن حياة ملايين البشر. حسني مبارك يتحكم، كرجل أمن وكإله لا يرد قضاؤه، في مصائر ملايين الرجال والنساء والأطفال الذي يتعقبهم ويضيق عليهم بديكتاتوريته التي تقمعنا نحن الآخرين.

السودانيون أيضا يكرهون العنصريين الذين ينظرون لهم على أنهم سود كالقرود ومن صنف أدنى من البشر. هم يكرهون من يبصقون عليهم في الشارع بصفتهم ليسوا بشرا مثلنا. هل هناك من يقول أنه من غير المنطقي أن يكرهون هذا الصنف من البشر؟ هل المطلوب مني وأنا أعيش في لندن أو باريس أو روما لأني لم أجد عملا في بلدي أو لأني هربت من القمع في بلدي أن أحب من يعتبرونني – لمجرد لون بشرتي – إرهابي وعدو؟

ثم إذا نحن قلنا أن السودانيين لا حق لهم أن يعيشوا في مصر أو يأتوا إليها، أو لا حق لهم أن يكرهوننا، وأن علينا أن نشجع النظام على قتلهم إذا أتوا أو إذا ظهر لنا أن بعضهم يكرهوننا، فلماذا إذن ندين الأنظمة الحاكمة في أوروبا وفي أمريكا على أنها تقمع المسلمين. نعم، علينا أن نقبل بسياسة قمع كل مختلف وكل من لا يحمل الجنسية في كل بلدان العالم. وهكذا نتحول ليس إلى بشر، ولكن إلى حيوانات تنظر لمن لا يحمل جنسيتها بصفته عدو لابد من البصق عليه، وإذا أتى النظام الحاكم وقتله فقد أراحنا واستراح.

إذا كان السودانيون يكرهوننا، وهذا غير حقيقي في رأيي، فأنا لن ألومهم. ذلك أن من يعاني من الاضطهاد والشعور بالدونية أمام عنصريين يرونه أدنى، لابد أن تتولد لديه مشاعر سلبية. ونحن – الواعون من هذا الشعب – لابد أن نفعل كل ما في وسعنا للنضال ضد تلك النزعات العنصرية التي تولد الكراهية على الجانبين. واجب جماهير المصريين – وهم في موقف أقوى نسبيا – أن يمدوا أيديهم للمضطهدين السودانيين وأن يؤكدوا لهم أنهم إخوة لنا في الإنسانية وفي الكفاح ضد كل ظلم. إذا فعلنا ذلك فسوف ننجح في تحطيم سد الكراهية ضدهم، وسوف ننجح في كسبهم كأخوة لنا في المعركة ضد الظلم والاضطهاد في كل مكان. هكذا ينبغي أن يكون الإنسان. هكذا ينبغي أن تكون أفعال البشر في عالم لن ينصلح حاله إلا إذا نظر كل إنسان لأخيه الإنسان كأخ بغض النظر عن لونه ودينه وجنسه وجنسيته.

بعض مؤيدي قتل السودانيين يقول أن مبرر قتلهم هو أنهم يلوثون ميدانا كبيرا ومنطقة حيوية في مصر: ميدان مصطفى محمود. هل القضية إذن أن هذا الميدان الحضاري لابد ألا يتسخ بهذه الأوساخ البشرية؟ هل المسألة أصبحت أن أحياء الأغنياء لابد ألا تتسخ بهذه المناظر التعيسة؟ هل نطالب على هذا الأساس بأن نضع أسوارا بين أحياء الأغنياء وأحياء الفقراء حتى لا تتألم أعين الأغنياء من المناظر القبيحة؟ وهل إذا اخترق بعض الفقراء الحظر على أحياء الأغنياء نقوم بقتلهم؟ هل نقتل الشحاذين؟ هل نقتل المعوقين؟ هذا منطق يذكرنا بسادية هتلر وحقارة نظم أمريكا اللاتينية التي كونت فرقا من القناصة لاصطياد أطفال الشوارع وقتلهم حتى لا يؤذوا وجه المدينة الحضاري؟!!!

هل تعلمون عن العشوائيات والمقابر والعشش الصفيح المنتشرة في مصر كلها؟ هل المطلوب منا أن نقبل سياسة الحكومة التي تلقي بهؤلاء إلى خلفية المدن حتى لا يشوهون وجهها الحضاري؟ أي حضارة في بلد يعيش ثلاثة أرباع سكانه في فقر وضنك؟ أي حضارة في بلد لا يستطيع أن يوفر وظيفة شريفة لسبعة ملايين عاطل؟ أي حضارة في بلد يتم نهبه صباح مساء؟ هذا هو الدرك الأسفل وليس الحضارة. مصر مليئة بأشباه اللاجئين السودانيين، مليئة ببشر يعيشون في ضنك وبؤس. فهل نصدر ضد هؤلاء قرار إزالة، كما أصدرنا قرار إزالة للسودانيين قبيل كأس الأمم الأفريقية؟ أم أن المقصود هو أن نقتل المشرد الذي لا يحمل جنسية مصرية ونستثني المشرد الذي يحمل الجنسية المصرية؟

البعض يقول أن المشكلة الحقيقية ليست بين النظام والسودانيين، وإنما بين قادة الاعتصام وبين الشعب المصري. بتعبير آخر: لقد أصر قادة الاعتصام على “احتلال” ميدان حيوي وبهذا المعنى أضروا الشعب المصري لا النظام المصري. ومن هنا فهم مشتركين في الخطأ، خاصة أنهم لم يجلوا الميدان بعد أن طلب النظام منهم ذلك حماية للشعب المصري من الضرر. أنا لا أدري حقيقة ما هو أصل هذا المنطق. ما هو الضرر الذي وقع على المصريين من الاعتصام؟ هل الضرر هو المناظر المؤذية للعين؟ وهل لا تتأذى أعيننا من ملايين العاطلين وملايين المشردين وأطفال الشوارع “المصريين”؟ وهل تتأذى أعيننا لأن هؤلاء مظلومون أم لأنهم يشوهون الوجه الحضاري للعاصمة؟ وهل يكون استنفارنا لحل مآسي هؤلاء أم لإجلاءهم عن ميدان “احتلوه”؟

المنطق كله في رأيي مغلوط. والحقيقة أن المؤذي والمقرف حقا هو أن تهرب من القهر لتجد قهرا، فإذا ما اعترضت سلميا تم قتلك بدم بارد.

أما مسألة أن قادة الاعتصام عرضوا نساءهم وأطفالهم للخطر، فهذا في الحقيقة أمر مدهش. هل المقصود أننا نحن أحن من الآباء السودانيين والأمهات السودانيات على أبناءهم؟ يبدو أن البعض لا يعلم أن السودانيين الذين تم ترحيلهم مؤقتا إلى معسكرات الأمن المركزي يرفضون الرحيل لأنهم لا يجدون مكانا يذهبون إليه.

لنعلم جميعا هذا. البشر يغامرون بحياتهم فقط لأنهم لا يجدون بديلا. البشر يغامرون بحياتهم عندما تهون عليهم حياتهم من جراء الظلم وعدم وجود بديل. فهل فكرنا في التضامن معهم حتى لا يجدون نفسهم في هذا الموقف بدلا من إدانتهم؟ هل سألنا أنفسنا لماذا وصلوا إلى هذا القرار؟

أنا أرى أنه ظلم حقيقي أن نأتي اليوم وندين من تم قتله بدم بارد على أنه لم يجد بديلا إلا مواجهة الموت بعد أن ظل لسنوات يحاول الحصول على حقه بطرق أخرى. الأجدر بنا والأكثر إنسانية حقا أن نناضل نحن الآخرين حتى الموت ضد نظام القتل المجاني الذي نعيش في ظله؟ أي مبرر نعطيه للنظام على قتله سيرتد إلى نحورنا قريبا جدا. حبيب العادلي اليوم سعيد بهذه النقاشات. ذلك أنه بدلا من أن نخرج بالآلاف ومئات الآلاف ضد وضد مبارك، نتراشق اليوم بالعبارات والأفكار حول ضرورة عقاب السودانيين على تشويهم لمنظر قاهرة المعز.

ثم دعونا ننظر إلى لب المسألة: اللجوء السياسي. هل نحن ضد اللجوء السياسي؟ هل نحن ضد أن يهرب بشر تعساء من حرب شردتهم وقتلت أقربائهم؟ هل نرى أن هذه جريمة؟ هل كنا سننصح الفلسطينيين بألا يهربوا من المذابح في 48؟ وهل كنا سنطالبهم بأن يتحملوا – داخل حدودهم – مشاكلهم؟ هل نطلب مثلا أن يطرد اللبنانيون اللاجئين الفلسطينيين؟ أم ماذا؟

ثم ما هو رأينا في أهالي مدن القناة الذين دفعوا ثمنا غاليا لمجرد أنه تصادف أنهم يعيشون على الحدود مع الدولة الصهيونية العنصرية الاستعمارية؟ هل كان واجبنا أن نرفض تهجيرهم وتسكينهم في مدن أخرى ومحاولة حمايتهم من القتل وقصف القنابل؟

أنا لا أفهم لماذا هذا العداء للاجئين الذين شردتهم الحرب؟ لماذا هذا العداء لهؤلاء الذين لم يجدوا الواسطة أو المال ليهربوا إلى أوروبا واضطروا أن يلجأوا إلى الجارة مصر؟ هل لو أصبحنا غدا في حال حرب واضطررنا إلى الهرب إلى السودان سنسعد حينما نرى الشعب السوداني يطردنا من بلده؟ ثم هل مصر هي فعلا بلد الكادحين المصريين؟ وهل السودان هي فعلا بلد الكادحين السودانيين؟ هل نحن نمتلك أوطاننا؟ أم أن من يمتلكها هو حفنة المستغلين والسماسرة والفاسدين الذين يتحكمون في مصيرنا ومستقبل أولادنا؟

ثم دعونا نؤكد بعض الحقائق. النظام المصري لم يستقبل السودانيين لسواد عيونهم. النظام المصري يحصل على أموال حتى يستقبلهم. والذي يصرف على السودانيين ليس النظام المصري وإنما الأمم المتحدة. والنظام المصري أعطاهم حق العمل ليس حبا في سواد عيونهم، وإنما لأنهم عمالة رخيصة تدر أرباحا أكبر على الرأسماليين وأصحاب الأعمال. باختصار هي كذبة أنهم يكلفوننا شيئا. وهي أيضا كذبة أنهم يأخذون وظائفنا. فنحن لسنا في بطالة لأن اللاجئين موجودين على أرض مصر. نحن في بطالة لأن النظام يشجع الرأسماليين على نهب أقواتنا ويشجع رجال الدولة الفاسدين على اتباع سياسات تشريد للعمال وطرد للفلاحين. فلو نحن رأينا أن السودانيين هم المشكلة، فسنكون بهذا قد أسدينا للنظام أكبر خدمة. النظام سوف يتمادى في أفعاله بينما نحن نحرض ضد السودانيين، وبدلا من أن نتحد ضد الظالمين في مصر والسودان، سوف نتعارك نحن ونترك الحرامي الحقيقي يثرى على حساب ضعفنا وانقسامنا.

أما بعض من هللوا لمشاهد قتل السودانيين، فقد فعلوا هذا لأنهم – أي اللاجئين – يشربون الخمر في الطريق العام. هل هذا صحيح؟ أم أنها دعاية حكومية؟ لقد شاهدت بعيني صورا لكتب سماوية عديدة وسط أكوام الخراب التي تركها تتار النظام بعد غزوتهم على معسكر اللاجئين في ميدان مصطفى محمود. لماذا لم ير أحد الكتب السماوية ورأى الكل الخمور؟ وهل كان من قتلوا هم من يشربون الخمر؟ أم أن من قتلوا كانوا من يقرأون القرآن والإنجيل؟

ثم هل جربنا أن نعرف شيئا عما يحدث في أوساط أحياءنا العشوائية؟ هل جربنا أن نعرف كم هي نسبة الفقراء والعاطلين المصريين الذين يعاقرون الخمر ويتعاطون المخدرات؟ هل نعلم لماذا يحدث هذا؟ وهل ننصح بأن نقتل ملايين البشر من شاربي الخمور ومتعاطي المخدرات من المصريين؟ أم أن الشيء الصحيح هو أن نحاكم من دفعهم إلى إدمان مسكنات تعطيهم بعض السلوى في عالم قاس خال من الإنسانية؟ ألا نرى أن العدل الحقيقي هو أن نحاكم من أجبر شاب في عمر الزهور على أن يعيش سنوات طويلة في بطالة، فيندفع في طريق الإدمان أو ينحرف ويصبح مجرم؟

إن سارقي قوت هذا الشعب هم من يدفعون الشباب الفقير إلى متاهات الإدمان أو الجريمة ثم يطالبون بتشديد العقوبة عليهم؟ ولم لا يطالبون بتشديد العقوبة على من نهبوهم وحرموهم فرصة العمل الشريف؟ لم لا يطالبون بمحاكمة من يشربون أفخر الخمور على حساب الشعب في فنادق النجوم الخمسة والسبعة؟

القضية ليست أبدا في الخمور. القضية الحقيقية هي في من يقمع من؟ ومن ينهب من؟ ومن يسرق من؟ ومن يضطهد من؟ الحقيقة أن المنظر المؤذي حقا هو منظر من يكدحون أكثر من عشر ساعات يوميا فلا يجدون ما يكفيهم قوت يومهم، المنظر المؤذي حقا هو منظر من يقفون أمام طوابير العيش لساعات طوال فلا يجدون رغيف خبز ليأكلونه، المنظر المؤذي حقا هو منظر الشاب الموفور الصحة الذي لا يجد عملا، المنظر المؤذي حقا هو منظر المرضى الذين لا يجدون سريرا في مستشفى ويموتون لأنهم لا يجدون ثمن العلاج أو تكاليف العملية الجراحية. هذا هو المنظر المؤذي حقا لي. أما أن تتأذى أعين من يعيشون في أبراج المهندسين، فهذا أمر لا يعنيني في شيء. مصر ليست المهندسين، مصر ليست تكا ولا هارديز ولا كنتاكي ولا البنوك أو الشركات التي يمتلئ بها شارع جامعة الدول. مصر هي الحارات والعشش والبيوت المتهالكة. مصر هي منشية ناصر والدويقة وشبرا الخيمة وحلوان والوايلي. هذه هي مصر. هذا إذا كنا نرى أن مصر هي غالبية المصريين، أو كنا نرى أن مصر هي من يبذلون العرق ليبنوا لنا العمائر التي نسكن فيها، وليمهدوا لنا الطرق التي نسير فيها، وليزرعوا الحدائق التي عاش في واحدة منها فقراء سودانيون لمدة ثلاثة أشهر وكان كل ذنبهم أنهم هربوا من الدم والقهر والجوع إلى مصر. استجاروا بمصر فوجدوا مذبحة بشعة في انتظارهم!! فهل هذا عدل؟

تحية نضالية في مطلع عام جديد نتمنى أن يأتي بحقوق كل مظلوم ومضطهد ومقموع،،،