بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دفاعا عن الأقباط من أجل مصر

بدأت ثورة 23 يوليو من حدث صغير، لم يلتفت أحد إلي مغزاه وقتها، ألا وهو انتخابات نادي الضباط التي أراد الملك فاروق أن يفرض خلالها رجاله على النادي، فقوبلوا بعداء واحتشاد أصبح نواة الأحداث اللاحقة. ثورة أحمد عرابي بدأت بمطالبة الضباط برواتبهم أمام وزارة المالية، وسرعان ما تطورت الأوضاع إلي المواجهة. ولا أحد يدري بمَ قد تنتهي أزمة القضاة وما الذي قد يحركه التضامن الواسع معهم، لأن القضاء والقضاة عند الناس رمز شعبي للعدالة وتجسيدها.

ومع أن الكوارث تتوالى على كافة المستويات وفي كافة الاتجاهات، إلا أن أوضاع الناس وحالاتهم الفكرية قد تدفعهم للوقوف بقوة وراء حادثة تبدو أقل قيمة من غيرها. وعلى سبيل المثال فإن الخصخصة وما جرّته من تشريد العمال، على أهمية المسألة، لم تشكل دافعا لتجمع الناس بقوة. ولم يشكل طرد الفلاحين من أراضيهم مناسبة لانفجار شعبي. ومازال حتى الغلاء لا يمثل دافعا قويا للحركة والغضب. أما ضرب القضاة في الشوارع، فإنه قد يصبح حافزا شديدا لحركة عارمة، لأن ثمة جانبا معنويا في هذه المسألة يتصل بإهانة رمز للعدل شبه مقدس.

المسألة الدينية – من الناحية المعنوية – أشد خطورة بما لا يقاس من موضوع القضاة من حيث قدرة تلك المسألة على تفجير الأوضاع في مصر، لكن إلي الوراء، بحيث يؤدي ذلك التفجير إلي مجرد شظايا متناثرة متنافرة وليس للتجمع والاحتشاد، أي التفجير في اتجاه نسف أي تطور لأي مشروع وطني مشترك، التفجير في اتجاه الطائفية، ومن ثم السقوط في مستنقع الصراع الديني.

أحداث العنف الأخيرة التي تكررت ضد الأقباط في الإسكندرية تنذر بأن احتمال الرجوع للخلف قائم، وأنه ليس احتمالا بعيدا. ولا يستطيع شخص واحد منصف أن ينكر أن أقباط مصر يعانون، بل وعانوا الكثير طيلة تاريخهم. ورغم أن نوايا اليسار المصري كانت حسنة دائما بشأن الموضوع القبطي، وأنه كان في مقدمة القوى التي نادت بالمساواة وحرية الاعتقاد والتعبير وغير ذلك، إلا أنه لم يخض أبدا معركة الدفاع عن مطالب الأقباط التي اتخذت شكلا دينيا.

على سبيل المثال يطالب الأقباط بإلغاء قوانين الخط الهمايوني التي تمنعهم من بناء الكنائس وترميمها إلا بإذن مسبق من رئيس الجمهورية أو المحافظ. فهل يمكن النظر إلي هذا المطلب باعتباره مطلبا دينيا؟ أم أنه يندرج في إطار المساواة في حقوق الاعتقاد وممارسة الشعائر؟ لقد ظلت القوى المستنيرة تنظر فعليا إلي تلك المسألة باعتبارها دفاعا – لا ينبغي عليها أن تتولاه – عن مطالب دينية، لأن الهم الأول لتلك القوى المستنيرة هو الدعاية لمجتمع مستنير عادل، وربما دولة علمانية. فكيف لها أن تتبنى مطالب ذات طابع ديني كتلك المطالب؟ ألا يكون ذلك التبني انزلاقا نحو تأييد اتجاه ديني؟

أعتقد أن التخوف من هذه المسألة هو الذي عرقل تبني اليسار لمطالب الأقباط بقوة ووضوح، وهو الذي عوّق وضع تلك المطالب في قائمة المطالب النظرية للحركة اليسارية، بل وفي حركة اليسار الفعلية. الكثيرون من المثقفين الأقباط أصدقائي يحدثونني عن أنهم يرفضون النظر إليهم ككتلة واحدة قبطية، منسجمة، ويحدثونني عن أن الأقباط من الداخل، مثلما هي الحال في المجتمع المصري ككل، يشكلون فئات ومواقف فكرية واجتماعية وسياسية وطبقية مختلفة، ومن ثم لا يجوز النظر إليهم كوحدة واحدة باعتبارهم “أقباط”. وهذا صحيح.

ولكن من الصحيح أيضا أن الغالبية العظمى من الأقباط تحتمي بالفكر الديني الخاص بها، والذي يتقاطع مع فهمها لهويتها، وأن لتلك الغالبية مطالبها التي لا يمكن تجاهلها بدعوى “المواقف المختلفة” للفئات القبطية. ويصبح تبني تلك المطالب مسألة ملحة، مع تدهور حالة التماسك الاجتماعي، بدرجة تهدد بالسقوط في مستنقع الصراع الديني. وحين نتبنى تلك المطالب، فإننا بذلك نساعد الأقباط أولا في عدم الوقوع بين براثن الفئات الرجعية القبطية التي لا تستنكف المتاجرة بتلك القضية، ونعطي الأقباط أملا حقيقيا في أن وجودهم ومشكلاتهم هي محط عناية الحركة المستنيرة، كما أننا حين نقوم بذلك فإننا نحرر المواطن القبطي من عبء الشعور بالاضطهاد الديني، لكي يتفرغ فعليا وفكريا لمشكلاته التي تربطه بالآخرين كمواطن.

إننا نتبنى مطالب عمالية مثل المساواة في الأجور داخل منظومة المجتمع الرأسمالي المستغل، ولا يعني ذلك أننا ندافع عن طبيعة المجتمع الاستغلالية. وحين ندعو لتحقيق مطالب الأقباط، أي مساواتهم مع الآخرين في حرية الاعتقاد وممارسة شعائرهم الدينية، فإن ذلك لا يعني أننا ندافع أو نروج لمفهوم ديني. وفي الحقيقة فإن تبني تلك المطالب يشكل حماية لمصر من الطائفية والصراع الديني، الذي قد يجر المجتمع بأكمله سنوات إلي الخلف، ويجر معه إلي الخلف أيضا تطور الشعور الوطني، ويدفن ذلك الشعور في كهوف الطائفية. وأخيرا، قبل كل ذلك وبعده، فإن من الصعوبة بمكان السكوت على الشعور بأن هناك أخوة لي، يسمعون بآذانهم، من فوق منابر جوامعنا كل يوم، أفظع ألوان الجهل والسباب الموجهة إليهم. ومن الصعوبة بمكان الصمت على أن هناك البعض من الأقباط ممن لا يتم تعيينهم في مناصب محددة، فقط لكونهم أقباطا.

إن مظاهر التمييز كثيرة، ولا ينكرها سوى الأعمى. والسؤال هو: هل يمكن لقوى اليسار أن تكتفي بمظاهرات رمزية، كما وقفنا عند دوران شبرا، تعلن فيها وحدة الصليب مع الهلال؟ وتعلن فيها أن الدين لله والوطن للجميع؟ هل يمكن لقوى اليسار أن تكتفي بشجب أحداث الإسكندرية؟ أو تكتفي بإلقاء اللوم على الدولة والحكومة؟ كل هذا مفيد، ومطلوب، ولكن ألم يشبع الأقباط بعد كل اعتداء عليهم من أشكال الاعتذار والتودد؟ والقسم بالله العظيم أن الإنجيل مع القرآن؟ ألم يشبعوا من شعورهم بالعرفان لمجموعات تقف في الشارع معلنة أنها ضد التمييز؟ إن ما يريده الأقباط، وما يحتاجه المجتمع المصري، من أجل تطوره، هو رفع هذا التمييز، وتبني مطالب الأقباط بصراحة وبقوة، وهو ما لا يستطيعون فعله لكي لا يتهموا باستفزاز الطرف الآخر. ولذلك فإن تلك المهمة ملقاة على عاتق القوى اليسارية والمستنيرة بصفتها مهمة تقدمية لأنها أولا: دفاعا عن حق الاعتقاد، ولأن الموضوع الديني مختلط بالموضوع القومي، وبقاء المشكلة الدينية يعرقل تطوير العامل الوطني، وأخيرا لأن على القوى اليسارية أن تتبنى – الآن ولاحقا – كل مطلب يخص حرية الاعتقاد بمختلف أشكاله، من حرية الأقباط إلي حرية البهائيين، لأن الأصل في الإيمان أن أؤمن أنا بما أشاء، وليس أن أمنع أنا الآخرين من الإيمان بما يريدون.

إن مطالب الأقباط قديمة ومعروفة، ولكن لا بأس من تكرارها:

أولا – محاربة سيادة ثقافة الكراهية العامة التي تبثها منابرنا يوميا، وضرورة التجريم القانوني لكل مظاهر التحريض على الآخرين.

 ثانيا – تغيير مناهج التعليم وتطويرها في المدارس التي يلقنون فيها التلاميذ أن كلمة مسلم هي الكلمة المناقضة لكلمة مسيحي، بحيث تشتمل المناهج على تدريس المراحل القبطية من تاريخ مصر، وتشتمل على إشاعة روح المواطنة.

 ثالثا – وقف كل أشكال التحيز الديني لأجهزة الدولة، وإلغاء خانة الديانة من البطاقات الشخصية والأوراق الرسمية بحيث يعرف المواطن بجنسيته وليس بديانته.

رابعا – يعاني الأقباط من ضعف التمثيل السياسي لهم، إذ ليس هناك سوى 6 نواب أقباط في مجلس الشعب من أصل 454 نائبا، منهم واحد منتخب وخمسة معينون، ووزيران.

خامسا – وقف التطبيق الفعلي الساري لقرارات “الخط الهمايوني” التي يعود تاريخها للقرن 19، والتي تنص على ضرورة حصول الأقباط على موافقة رئيس الجمهورية أو المحافظ لمجرد ترميم دورة مياه في كنيسة.

سادسا – مساواة الأقباط في الإعلام المصري بالآخرين من حيث ساعات بث البرامج الدينية الخاصة بهم، وأعيادهم، واحتفالاتهم.

سابعا – إعادة أراضي الوقف المسيحية.

ثامنا – وقف كل أشكال التمييز في التعيين في الوظائف، وأثناء الترقية، في كل المجالات وخاصة الشرطة والجيش والجامعات والمعاهد.

هذه في حدود علمي هي مطالب الأقباط العادلة. ويتبقى على كتابنا وصحافتنا أن تلقن الصغار أن “الله الرحمن الرحيم” هو “الله محبة”، وأن تاريخ مصر هو ضفيرة من كفاح وإبداع مشترك لكل أبنائها، كتفا إلي كتف: سلامة موسى وطه حسين، يوسف إدريس ولويس عوض، د. عبد العظيم أنيس وألفريد فرج، وكثيرون ممن استنارت مصر بعلمهم وفضلهم وكفاحهم.

إن ما جرى في الإسكندرية، مرتين على فترات متقاربة، مؤشر خطير لابد أن ننتبه إليه وأن نتصدى له، ولن يكون ذلك إلا بإزاحة الظلم البين عن أخوتنا، هذا لأن ذلك الظلم يهدد الآن بشق مصر وتفتيتها، وهو أمر تسعى إليه أطراف دولية ومحلية كثيرة.

رحم الله الشيخ محمد عبد المطلب الذي خطب في حشد كبير من المسلمين عند الاحتفال برأس السنة القبطية عام 1911 قائلا: كلانا على دين به هو مؤمن.. ولكن خذلان البلاد هو الكفر!