بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

ستون عاماً على حركة الضباط الأحرار:

ذكرى يوليو بين التقديس والتدنيس

 ستون عاما مرت على ثورة يوليو، اليوبيل الذهبي لحركة الضباط الأحرار يأتي فى العام الثاني من ثورة 25 يناير بمظاهر تختلف اختلافاً شديداً عما ألفناه من مظاهر الاحتفالات فى الماضي القريب. فهذه السنة لا تتصدر صور المخلوع وهو يضع أكاليل الزهور على قبر جمال عبد الناصر ولا نقرأ فى مانشيتات الجرائد الحكومية مقتطفات من خطبة السيد الرئيس التى تتحدث فى مفارقة هزلية عن تمسكه بثوابت ثورة يوليو وانحيازه للمواطن محدود الدخل وسط حضور كبير من أعضاء الحزب ولجنة السياسات برموزها من كبار رجال الأعمال الذين التهبت أيديهم من التصفيق لخطبة الرئيس.

تحل علينا ذكرى يوليو هذا العام وسط موجة جديدة عاصفة من موجات الاحتجاج الاجتماعي، في القلب منها كان إضراب عمال غزل المحلة الذى استمر لمدة تسعة أيام وذلك فى أولى شهور تولي الدكتور محمد مرسى مرشح الإخوان المسلمون منصب رئاسة الجمهورية.

وفي خلفية هذه الموجة الاجتماعية نشهد حالة من التشاحن والتلاسن بين طرفي النخبة السياسية، القوى الإسلامية فى قلبها الإخوان المسلمين من جانب والتيارات التي تدعي الليبرالية وتحاول تنظيم كتلة ذات تركيبة معقدة وتطلق على نفسها التيار الثالث من جانب آخر. فيصبح موقف كل طرف من ذكرى ثورة يوليو هذا العام انعكاساً للصراع بين أطراف النخبة الحاكمة المصرية.

فكتلة الأحزاب المدنية تعطي هذا العام تمجيداً عظيماً لثورة يوليو، ومحاولة للحفاظ على بريقها وذكراها من الطمس والذهاب كضحية لثورة يناير، كما يبالغ إعلاميو ومثقفو هذا التيار فى تأصيل فكرة أن عسكر اليوم هم امتداد تاريخي لعسكر 52 الذين أطاحوا بالإخوان من الساحة السياسية وألقوا بهم فى السجون بعد سلسلة من المحاكمات العسكرية الهزلية فى إيحاءات صريحة غير شريفة للعسكر،وهم يتمنون تكرار أحداث 54، وفى أذهانهم أحلام بأن يتم الخلاص من البعبع الإخواني مرة أخرى الذى ويا للأسف، كلسان حالهم، أتى على مقعد الرئاسة بإرادة شعبية حرة.

أما الإخوان المسلمون فلهم عداء تاريخي مع ضباط يوليو، فهم يأتون اليوم ومرشدهم السابق الذى قضى عشرون عاماَ في سجون ناصر والكثير من أسلافهم ذاق مرارة الحبس بل والإعدام فى الخمسينيات والستينات، يكيلون الضربات القوية لذكرى يوليو التي قضت على الحريات والحياة النيابية وهم يتحسسون خطواتهم حتى لا يتكر ماضى الأمس الأسود مع ضباط اليوم.

رغماً عن الموقف المتناقض الظاهر للقوتين، إلا أن الاثنين يشتركان فى عدائهما الشديد لمكتسبات ثورة 52 الاجتماعية، فيكفي الإشارة من بعيد إلى التأميم أو تحديد الملكية الزراعية وزيادة نفقة التعليم المجاني وتوسيع مظلة الرعاية الصحية حتى تنطلق سهام الهجوم اللاذع على تلك التوجهات فى تناغم عظيم بين الطرفين المتصارعين.

وعلى الرغم المكتسبات الاجتماعية لثورة يوليو، إلا أنها كانت حركة نخبوية استبدلت فيها مجموعة من الضباط إرادة الجماهير، وفى أول اختبار لها مع الحراك الجماهيري كان للضباط موقف حاسم معادي للطبقة العاملة تجلى في إعدام العاملان “خميس والبقرى” في أغسطس 1952، عقب احتجاج عمال مصنع كفر الدوار للغزل والنسيج.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فجريدة الحرية والعدالة اليوم التى شنت حملة مسمومة ضد إضراب غزل المحلة متهمة قرابة العشرين ألف عامل من المحلة بالعمالة للنظام السابق، كان أيضاً موقف الإخوان المسلمين من أحداث كفر الدوار 1952 الدامية جلياً فى تصريح سيد قطب “إن حركة العمال ورائها أخطبوط الرجعية والاستعمار”.

هذا الصراع الهزلي بين طرفي النخبة السياسية المصرية (الإسلاميون وأصحاب التيار المدني) يقف عند أعتاب الاحتجاجات الاجتماعية، ويتحول إلى تحالف شديد بين رفاق مقربين، فتصريحات البلتاجي التي هاجمت بقوة تظاهرات عمال سيراميكا كليوباترا أمام قصر الرئاسة يستنجدون بالرئيس المنتخب ضد تشريدهم من قبل محمد أبوالعينين ورغم أنه رمز النظام السابق. وتقف آلة الدعاية الإخوانية صامتة بغرابة أمام تشريد خصمهم اللدود ساويرس لتسعة عمال تم فصلهم من مصنع الوطنية للصلب بعد قيادتهم لزملائهم للمطالبة بحقوقهم المنهوبة.

حتى الجمعية التأسيسية التى كانت إحدى مسارح الصراع بين طرفى النخبة، لم تتفق بسلاسة على أمر ما إلا على ضرورة العمل على إصدار تشريع دستوري يقيد حق العامل فى الإضراب لصالح صاحب العمل!!

هذا الصراع الأجوف ينكشف يوماً بعد يوم على أنه صراع على السلطة بعيد كل البعد عن مصالح الجماهير، صراع بين قوة تمسك بتلابيب العسكر وتتمسح بهم لتحميهم من خصومهم الإسلاميين، قوة تريد ديمقراطية على مقاس مصالحها وتعلي من سلطات الدولة العسكرية والقضائية فوق إرادة الجماهير الحرة. وعلى الجانب الآخر قوة تتبنى مشروعاً اقتصادياً أشد يمينية من جمعية رجال أعمال مبارك، يمسك بخيوط صنع القرار بها من يحلم بتحويل مصر إلى شركة استثمارية كبرى تتخطى فيها أرباحه سقفاً ما كان للنظام القديم أن يسمح به – على حد تعبير رجل الأعمال الإخواني الشهير حسن مالك.

إن الضمانة الحقيقية والأساسية لاستمرار الثورة المصرية وتجذيرها هم هؤلاء الذين يناضلون من أجل بدل الوجبة وبدل المخاطر والتثبيت وإقالة الإدارات الفاسدة. إن أولئك الذين يناضلون فى أماكن عملهم من أجل تحسين معيشتهم وظروف عملهم هم من لهم مصلحة مباشرة لاستمرار الثورة المصرية، فهم فى كل خطوة من نضالهم يحصلون على مكاسب صغيرة واحدة تلو الأخرى تزيد من ثقتهم فى إرادتهم على الفعل وتعطي دافعاً لمزيد من المعارك، سيواجهون من يسرقون لقمة عيشهم وبنضالهم فقط يمكن تحطيم الدولة الأمنية المنحازة لرجال الأعمال.

ولا سبيل لاستمرار الطبقة العاملة فى نضالها والفوز بمكاسب دون الانخراط في أشكال تنظيمية لها، فالدولة المصرية التي في طريقها لإعادة تشكيل منظومتها فى ثنائية عسكرية إسلامية منحازة لمصالح رجال الأعمال، يجب أن يناوئها تنظيم للطبقة العاملة المصرية وذلك لن يتأتى إلا بوجود حزب سياسي ثوري لها. هذا هو السبيل الوحيد لاستمرار مسار الثورة المصرية، وحتى لا تتحول إلى مجرد حدث عابر يُكتب تاريخه على نتائج الحائط كثورة يوليو.