بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

مع الاعتذار "للوحدة الوطنية"..

اضطهاد الأقباط في مصر

أدت مشكلة الأقباط مع بنك فيصل الإسلامي، ثم الفقرات التي وردت في كتاب محمد عمارة لتحل دمهم وتبيح الاستيلاء على ممتلكاتهم، ثم الجدل حول التعديلات الدستورية الأخيرة وعلاقتها بمبدأ المواطنة إلى فتح ملف أزمة الأقباط في ظل استبداد النظام الحاكم.

اكتسبت مشكلة الأقباط أبعادا جديدة خلال السنوات القليلة الماضية، فقد أصبحت سمة مميزة للواقع المصري، بحيث لا يمر بضعة أشهر –أو ربما بضعة أسابيع— دون أن تشهد هذه الأزمة تفجراً مدوياً، سواء في شكل اندلاع أعمال عنف ضد الأقباط بسبب بناء كنيسة أو حدوث خلاف شخصي بين مسلم وقبطي، أو في شكل فورة غضب وتظاهر داخل الكنائس عند زواج قبطية بمسلم.

بنك فيصل

وعلى عكس الأحداث السابقة التي صحبها كثير من العنف، اتسمت أزمات الأسابيع الماضية بكونها أكثر هدوءا، حيث اتخذت طابعاً فكرياً وقانونياً. كانت أول الإشكاليات التي برزت مؤخراً هي رفض بنك فيصل الإسلامي بيع أسهمه في البورصة لأقباط، وهو ما يخالف قانون البورصة ويخالف أيضاً مبادئ المواطنة التي لا تفرق بين المواطنين في المعاملات الاقتصادية على أساس الدين. وقد أثار هذا الحدث استياء العديد من الأقباط والمثقفين، وأشعل جدلاً على صفحات الجرائد حول أحقية البنك في منع الأقباط من شراء أسهمه.

فتنة التكفير

أما الحدث الأكثر أهمية فهو كتاب “فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية” للدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية. فقد ورد في الكتاب –الذي اختفى من الأسواق فور وقوع الأزمة— فقرات تكفر الأقباط وتهدر دمهم وتبيح الاستيلاء على ممتلكاتهم. وفي حقيقة الأمر، فإن ما ورد في الكتاب ليس بجديد، حيث أن هناك عشرات بل وربما مئات الكتب وشرائط الكاسيت التي تباع في الأسواق، تتبنى نفس الأفكار، كما أن التحريض ضد الأقباط هو سمة ثابتة للعديد من أئمة المساجد الذين لا يحاسبهم أحد. لكن الجديد في كتاب عمارة أنه صدر عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف، أي عن الحكومة المصرية. لذلك فقد اعتبر الاقباط أن هذا الكتاب الذي صدر قبيل الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، هو هدية الدولة لهم بهذه المناسبة.

وكما هو الحال دائما، سارعت الحكومة إلى احتواء الموقف. فإزاء الضجة التي أثارها الكتاب، وقيام المحامي نجيب جبرائيل بالتقدم ببلاغ إلى النائب العام ضد محمد عمارة باعتباره يقوم بـ “ازدراء المسيحيين والمسيحية، والتحريض على الفتنة الطائفية واستباحة دمائهم” أصدرت وزارة الأوقاف بياناً تؤكد فيه على احترام العقيدة المسيحية وتعلن سحب النسخ من الأسواق وإعدامها وطرح طبعة جديدة خلال أيام بعد حذف العبارات التي قد تكون مسيئة “للإخوة الأقباط”، ومراجعة أي كتاب يصدر عنها أياً كانت مكانة المؤلف. ومن جانبه، أرسل عمارة اعتذاراً إلى صحيفة وطني عما ورد في الكتاب، وأدلى بالعديد من التصريحات التي زعم فيها إنه اقتبس الفقيرة المذكورة من الإمام محمد محمود حامد الغزالي سهواً ودون تمحيص.

التعديلات الدستورية

طرحت مسألة التعديلات الدستورية من جديد مسألة المواطنة. فقد أكد مبارك على مبدأ المواطنة في خطابه إلى مجلسي الشعب والشورى بشأن التعديلات الدستورية، ثم قامت صحف الحكومة بالعزف الجماعي على هذه النغمة. وبالرغم من أن تشديد مبارك على مبدأ المواطنة ليس له في حقيقة الأمر أي علاقة باحترام النظام لحقوق المواطنة، وإنما جاء ببساطة في سياق منع المنافس الأساسي المتمثل في الإخوان المسلمين من اكتساب الشرعية السياسية، إلا أن العزف على هذه النغمة فتح الباب أمام مناقشة ملف حقوق الأقباط والعلاقة بين الدين والدولة.

ومن هنا برزت إلى السطح الدعوة إلى تعديل المادة الثانية من الدستور، والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع – وهو التعديل الذي وضعه السادات في عام 1980 . فقد دعا الأنبا مرقص، المتحدث الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية إلي إدخال تعديلات علي المادة الثانية من الدستور وذلك عن طريق حذف “الألف واللام” لتصبح الشريعة الإسلامية “مصدر رئيسي للتشريع” لضمان وجود مصادرأخرى. وبعد هذه التصريحات تمت مهاجمة مواقع مسيحية على شبكة الإنترنت.

والجدير بالذكر أن مبارك حرص خلال تصريحاته على التأكيد على أن المادة الثانية من الدستور ستظل كما هي دون مساس، دون أن يوضح كيف تكون الدولة مدنية ويكون الدين هو المصدر الرئيسي للتشريع، ويتم في نفس الوقت منع تشكيل أحزاب على أساس ديني؟

الطائفية والدولة

التفسير الوحيد لهذه التناقضات التي تحكم علاقة الدين بالدولة، هو أن الدولة تحرص على اللعب بورقة الطائفية طالما كانت هذه الورقة مفيدة لها ولا تسبب انفجارات يصعب احتواؤها. لذلك هي تحرص على الإبقاء على المادة الثانية من أجل المزايدة على تيار الإسلام السياسي والظهور بمظهر المدافع عن الإسلام. وهي لنفس الأسباب –إضافة إلى سمة التعصب الطائفي التي تجمع النظم الاستبدادية— تقوم بالتمييز ضد المسيحيين في بناء دور العبادة وتولي الوظائف الحكومية، القيادية وغير القيادية، وتمنع تدريس حقبة التاريخ القبطي في المدارس، وتتغاضى عن الإهانات التي كثيراً ما يتعرض لها الأقباط في أحيان كثيرة، وللأسف على يد فقراء المسلمين الذين يلجأون لتفريغ القهر والاضطهاد الذي يعانونه فيمن هم أضعف منهم. وبالطبع فالدولة من مصلحتها تغذية روح العداء بين المسلمين والأقباط، حيث يمنع هذا من اتحاد المضطهدين للوقوف في وجه ما يتعرضون له (مسلمون وأقباط) من استغلال وقمع على يد النظام.

لعل الجانب الإيجابي الوحيد في الأحداث الطائفية التي برزت في السنوات الأخيرة هو أن الأقباط أصبح لديهم وعياً متزايداً بحقوقهم كمواطنين مصريين لهم نفس حقوق المسلمين، وأصبحت لديهم الشجاعة للدفاع عن هذه الحقوق ومقاومة ما يتعرضون له من تمييز. غير أنه تظل الحاجة إلى إدراك أن نجاح الأقباط في كفاحهم ضد الديكتاتورية والاستبداد، وأيضا الفقر والاستغلال، لن يتحقق سوى بالتضامن مع فقراء المسلمين الذين يعانون القهر والاضطهاد.