بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اضطهاد الأقباط.. وأوهام الوحدة الوطنية

طالعتنا الصحف خلال الشهر الماضي بفكرة شديدة الغرابة حول وطنية حسني مبارك الذي تحدى أمريكا وإسرائيل فمنعت الولايات المتحدة المعونة عن مصر عقابا وتهديدا له. وقد بنيت هذه الفكرة الغريبة، التي تكذبها كل سياسات وتصريحات مبارك التي تبجل أمريكا صباح مساء، على أكذوبة مقاطعة مصر لمؤتمر الدوحة الذي انعقد خلال الشهر الماضي في قطر، والتي أكد على فجاجتها حضور سفير الحكومة المصرية في قطر للمؤتمر مع عدد من رجال الأعمال المصريين. ولكن الأمر الخطير في مسلسل الأكاذيب هذا هو الادعاء بعدم تعرض الأقلية القبطية في مصر للاضطهاد تحت الغطاء الزائف للوحدة الوطنية وذلك لأن قرار الولايات المتحدة بقطع المعونة قد استند على قضية اضطهاد الأقباط. وللحق، فقد اعترف هؤلاء – وطنيون آخر زمن – بوجود “بعض المشكلات” التي يعاني منها الأقباط، ولكن ذلك من وجهة نظرهم لا يعني أن الأقباط أقلية مضطهدة أو حتى أقلية. ورأوا أن الحكومة الأمريكية استغلت هذه المشكلات للضغط على الحكومة المصرية وتأليب الأقباط ضدها أو معاقبتها بسبب ‘وطنيتها’ المزعومة.

وصحيح أن الإمبريالية تاريخيا تلجأ لاستخدام الأقليات في إثارة جو من القلق وعدم الاستقرار في المستعمرات التي تسيطر عليها إمبرياليات منافسة أو دول معادية لها. ولكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك إلا إذا كان واقع الأقليات مهيئا بالفعل لذلك الاستخدام، أي أن تكون الأقليات بالفعل تعاني من الاضطهاد بقدر يسمح لسياستها بالنجاح. وثانيا، أن الإمبريالية لا تلجأ إلى ذلك، كما أشرنا، إلا في مواجهة المنافسين لها أو دول معادية لها. وفي ضوء ذلك يتضح خرافة الأوهام التي يتبناها من ينكرون واقع أن الأقباط أقلية مضطهدة في مصر. فلا توجد إمبريالية أخرى منافسة لسيطرة الولايات المتحدة في مصر، هذا من جانب، ودولة مبارك لا تعادي بل ولم تعترض يوما بجدية على سياسات الولايات المتحدة في مصر أو في المنطقة ككل، من الجانب الآخر. والأدلة على ذلك كثيرة. فأولا تدعي الحكومة المصرية كذبا أنها قاطعت مؤتمر الدوحة بسبب عدم تقدم إسرائيل في عملية السلام وتعنت الحكومة الإسرائيلية، وهذا الادعاء يستند إليه مروجو وطنية النظام في صياغة الوهم الجديد، ويكفي لتفنيد هذا الوهم أن نتذكر أن مؤتمر القاهرة الاقتصادي قد انعقد وشاركت فيه إسرائيل مباشرة بعد مذبحة قانا في الجنوب اللبناني والتي راح ضحيتها عشرات المدنيين اللبنانيين، وبعد أن جمدت الحكومة الاسرائيلية كل المفاوضات حول السلام مع الفلسطينيين. وبالنسبة لأوهام مساندة الحكومة المصرية للشعب العراقي، يكفي أيضا أن نتذكر أن الحكومة المصرية بزعامة مبارك قد شاركت في المذبحة التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق أثناء حرب الخليج الثانية، لا لكي تفني صدام حسين، بل لتقضي كما فعلت على كل مقدرات الشعب العراقي وترده إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية، ولم تكتف الحكومة المصرية بالدعاية فقط لمساندة الولايات المتحدة بل أرسلت جيشها المغوار ليموت شبابه في حرب غير شريفة تقودها قوة عظمى ضد دولة صغيرة. وإذا حاولنا أن نعدد الأدلة والبراهين على تحالف حكومة مبارك مع الولايات المتحدة وولائها لها فلن يكفي لذلك مجلدات لا تتسع لها صفحات المجلة.

ومن ناحية أخرى يتناسى هؤلاء أن مفهوم الوحدة الوطنية نفسه ابتكار برجوازي يهدف إلى تقسيم جبهة المستغلين على مستوى العالم وصياغة إطار زائف من الوحدة بينهم وبين من يستغلونهم داخل القطر الواحد. ويشكل اضطهاد الأقليات أحد عناصر التقسيم التي تلجأ إليها الطبقات الحاكمة لتسهيل سيطرتها على المستغلين عموما، وبشكل خاص في أوقات الأزمات.

لن نخوض هنا في تفصيلات تاريخية حول اضطهاد الأقباط في مصر، ولكن سنحاول في السطور التالية سرد الخطوط العريضة لهذا الاضطهاد في الواقع المصري اليومي وصياغة الاستنتاجات التي تمكننا من وضع الأساس المنهجي لإمكانية تحرر الأقباط وكل المستغلين من الاضطهاد والاستغلال البرجوازي.

تبلغ نسبة الأقباط حوالي 10% من عدد سكان مصر. وهم مثل كل الأقليات في المجتمعات الرأسمالية يعانون الاضطهاد على عدة مستويات، ويمارس ضدهم الاضطهاد من النظام ممثلا في الدولة أولا، ومن التيارات الإسلامية بكافة فصائلها ثانيا، ومن الغالبية المسلمة ثالثا.

وقد ركز المهتمون بشئون الأقباط على قانون الخط الهمايوني الذي يحكم بناء الكنائس أو ترميمها على أنه المشكلة الوحيدة التي تواجه الأقباط، ومع ذلك تشير الحقائق بوضوح إلى أن الأقباط يعانون مشكلات عديدة في كافة جوانب حياتهم الاجتماعية، تبدأ من التمييز ضدهم في التعليم بوجود مؤسسات تعليمية لا تقبل غير المسلمين، وهي تلك المؤسسة التابعة للأزهر في كافة المستويات حتى الجامعة، رغم أن تكاليفها تتحملها دولة تدعي أنها دولة “الشعب” كله. وليس هذا فقط، بل حتى في الجامعات الأخرى (القاهرة، عين شمس…الخ) توجد كليات قاصرة – أو تقريبا قاصرة – على المسلمين بسبب أسلوبها ومناهجها. وقد اصبحت فرصة الطلاب المسيحيين على مكان في الجامعات كمعيدين شبه معدومة ويتم استبعادهم بشكل شبه علني بغض النظر عن احقيتهم القانونية وبعلم موافقة حكومة ‘الوحدة الوطنية’ الرشيدة.

وحتى في مراحل التعليم السابقة على الجامعة، يجبر المسيحيون على دراسة نصوص وموضوعات لا تتفق مع معتقداتهم، وتوضع المناهج بطريقة تتجاهل تماما وجود الطلاب المسيحيين، بل أنها تعمد كثيرا إلى معاملة المسيحيين كمواطنين من الدرجة الثانية (مثل مفهوم أهل الذمة)، وتصفهم بالكفر، بينما تنتشر الأوهام والخرافات بين أوساط المسلمين عن المسيحيين النابعة من الجهل بهم وبدينهم. ويساهم المعلمون كذلك في توسيع هذه الهوة، فغالبا ما يكون أول سؤال يوجهه المدرس لتلاميذه هو: هل يوجد بينكم مسيحيون؟ ويؤدي كل ذلك إلى إحساس الطلاب المسيحيين بعزلتهم وتميزهم بأنهم يعيشون في جو من التوتر والحساسية، أو أنهم مصابون بمرض ما يجب إخفاؤه عن الآخرين حتى لا ينبذونهم، أو يطاردونهم، وفي حصة تدريس مادة الدين، يخرج الطلاب المسيحيون من الفصول في مشهد درامي أمام زملائهم الذين تستعد عقولهم لتلقي لعنات وخزعبلات القرون الوسطى. وتدور المناقشات حول كفر المسيحيين أو وضعهم كأهل ذمة لهم معاملة خاصة.

ولا يقتصر الأمر على المؤسسة التعليمية وحدها، وإن كانت تلعب دورا أساسيا في هذه العملية. بل أن وسائل الإعلام المختلفة تمارس هي الأخرى دورها في تكريس هذا الاضطهاد. فالبرامج الدينية (برامج الدين الإسلامي) تحتل مساحة كبيرة جدا في التلفزيون، ويكون الافتتاح والختام بآيات قرآنية وبينهما عدة برامج دينية يمارس من خلالها كهنة الدين الإسلامي شعوذتهم على عقول الجماهير، ثم المسلسلات والأفلام الدينية التي تعيد صياغة التاريخ على أنه تاريخ الإسلام وجهاده ضد أعدائه من كل الملل والنحل، وتقدم صورة مقززة كاريكاتورية لغير المسلم، وتهزأ من أي معتقدات تخالف معتقداتها، وكأن تاريخ الإنسان على الأرض ليس إلا تاريخ الأديان والصراع بين الأديان. وفي المواسم – خاصة شهر رمضان والمناسبات الدينية – تتنافس كل القنوات على احتلال عقول الجماهير، وتزداد كثافة البرامج والمسابقات الدينية من أحاديث وخطب وتلاوة…وما إلى ذلك.

ورغم أن التلفزيون أخطر هذه المؤسسات من ناحية التأثير، إلا أن الصحافة لا تتنازل هي الأخرى عن دورها في تكريس الإنقسام، فكلنا يعرف أنه ما من صحيفة تصدر، وبخاصة الصحف الحكومية، إلا وتشتمل على صفحة دينية، وكلها تقريبا لا تعترف إلا بالدين الإسلامي. وتوجد صحف إسلامية متخصصة مثل اللواء الإسلامي وعقيدتي والنور وغيرها.

بالإضافة إلى ذلك، نجد أنه لا تخلو مكتبة عامة أو تجارية تقريبا من قائمة كاملة من الكتب السلفية الإسلامية، بينما الكتب المسيحية يتم تداولها في أضيق الحدود. ولا يخفى أن هذه الكتب السلفية الإسلامية تتحدث عن المسيحيين واليهود كأهل ذمة تفرض عليهم الجزية ولا يدخلون جيش المسلمين بل وتكفرهم أيضا باعتبار أن الدين عند الله الإسلام.

ويدعم هذا الجو المتوتر واقع التمييز المقنن والغير مقنن في تولي الوظائف القيادية في كافة المؤسسات العامة، فمثلا لا يمكن أن يتولى مسيحي رئاسة الدولة أو رئاسة مجلس الشعب أو وزارة الدفاع، كما أن التمييز في الترقيات بصورة غير مقننة يعاني منه الكثير من المسيحيين، فنادرا ما تجد قاضيا مسيحيا ومستحيل أن يترقى إلى وزير للعدل.

كل هذه الحقائق تكرس إحساس الأقباط بالعزلة وبأنهم أقلية تعيش في جو معادي من جانب، وتؤثر على علاقاتهم بالغالبية المسلمة التي تميل إلى التمييز ضدهم واحتقارهم والتعالي عليهم بل ونسج الخرافات حولهم وحول معتقداتهم من جانب آخر. وفي هذا السياق يأتي قانون الخط الهمايوني فقط كاستكمال للحلقة، فصعوبة بناء أو ترميم الكنائس إلا بتصريح خاص من السلطة السياسية، تقابل بسهولة وتشجيع بناء المساجد في كل زاوية أو عطفة. وهناك العديد من القرى والمدن منتشرة في أنحاء البلاد لا يوجد بها كنيسة واحدة، بينما لا يخلو حي، إن لم نقل شارع، من مسجد أو زاوية، ويتنافس المشرفون على هذه المساجد في بث دعاية تركز على المعتقدات المعادية للمخالفين في الدين وتستهزئ بهم، وتتحدث كما لو أنه لا مكان على هذه الأرض لغير معتقداتهم، لأن ذلك أسهل طريق إلى الشهرة والانتشار.

وكرد فعل لذلك يهرع المسيحيون إلى الكنيسة باحثين عن ملاذ ينتمون إليه ويشعرون فيه بالاحتواء، وهنا يصبحون على استعداد لتلقي كافة المفاهيم الرجعية التي تخضعهم لسيطرة القيادات الدينية في الكنيسة فتدفعهم إلى عزلة واستسلام أكثر وترمي بهم إلى أحضان الدولة والنظام، المستفيد الوحيد من هذا الشقاق. ولا بأس أن تطالب هذه القيادات بين الحين والآخر ببعض الحقوق الدينية للأقباط، ولكنها تلك الحقوق التي تكرس سيطرتهم وتعزز مواقعهم لدى الدولة وبين جمهور المسيحيين الذين يرزحون تحت عبء سيطرة الكنيسة ويتقبلونها عن طيب خاطر حتى في أشد انظمتها رجعية (قوانين الطلاق مثلا)، والأهم من ذلك حرمان المستغلين والمضطهدين المسيحيين من إمكانية التآخي مع إخوانهم من المستغلين والمضطهدين المسلمين بتكريس الانقسام الديني. وليس غريبا في هذا المجال أن نجد تزايد أعداد الذين يرتادون الكنيسة ويواظبون على الصلاة فيها، وتقلص عدد من يشاركون من المسحيين في الحياة السياسية والاجتماعية مقارنة بنسبتهم من عدد السكان.

وتحت هذا البركان المتأجج دائما تنشط الحمم المتعصبة للجماعات الدينية، والتي تنفجر بين الحين والآخر لتريق دماء المضطهدين بأيدي المضطهدين، وتزيد من قدرة النظام الحاكم على قمع الجماهير. فعندما يعاني النظام الحاكم من أزمة طاحنة في ظل غياب أو ضعف البديل الثوري القادر على تنظيم الجماهير للإطاحة به تسهم بيئة الاضطهاد والإنقسام هذه في نمو تلك العناصر التي تنحرف بالصراع عن وجهته الحقيقية وتدفع الجماهير في طريق عبثي يؤدي في النهاية إلى تعزيز قدرة النظام على السيطرة على الجماهير.

هكذا نجد حكومة السادات في مطلع السبعينات عندما تعرضت لأزمة سياسية واقتصادية حادة قد عملت على حفز تلك العناصر مستفيدة من تراث الإنقسام والاضطهاد في جبهة المستغلين، فقامت بنفسها باحتجاز البابا شنودة، رمز الكنيسة المصرية، في أحد الأديرة بصحراء مصر، وأطلق السادات على نفسه لقب الرئيس المؤمن، وبدأ ذلك النوع من الأحداث الدامية ضد الأقباط في شكل سلسلة من أحداث حرق الكنائس وقتل الأقباط وتدمير ممتلكاتهم شاركت فيها الجماعات الإسلامية وجماهير من فقراء المسلمين، لم تنته حتى الآن. وخلال الخمس والعشرين سنة الأخيرة قتل أكثر من 300 قبطي وجرح أكثر من ثلاثة آلاف في تلك الأحداث بينما هوجمت حوالي 125 كنيسة حسب بعض الإحصاءات، ومن أمثلة ذلك أحداث الزاوية الحمراء، وأبو قرقاص، وامبابة وغيرها. كان هدف السادات بالطبع هو التغلب على نفوذ اليساريين الذين قادوا المظاهرات ضد النظام من ناحية، وكسب تأييد التيار الإسلامي من ناحية أخرى، ولكن نجاح خطته بالتأكيد ما كان ليتحقق إلا إذا كان الواقع مؤهلا لذلك، واقع بيئة الاضطهاد من ناحية وضعف القوى اليسارية وعدم قدرتها على كسب الجماهير في ظل واقع مأزوم من ناحية أخرى.

واليوم نجد حكومة مبارك تستغل نفس الوضع ولكن بالطريق المعكوس، فهي لم تقض ولن تقضي على اضطهاد الأقباط، فليس من مصلحتها ولا هدفها أن تفعل ذلك. ولكنها في المقابل تستغل عمليات حرق الكنائس وقتل الأقباط في إحكام سيطرتها على الجماهير وتعميم قمع واستبداد الدولة على جمهور المستغلين مسلمين وأقباط. وتحاول الظهور على أنها المدافع عن المضطهدين تحت الغطاء الوهمي للوحدة الوطنية، وأنها المدافع الوحيد عن “المواطنين” ككل دون تمييز، بينما هي تمارس ديكتاتوريتها واستبدادها ضد كافة المستغلين دون تمييز. فقانون العمل الموحد لا يميز بين مسلمين وأقباط فهو يهدف إلى تكثيف استغلال العمال أيا كانوا، وقانون الإيجارات الزراعية لم يميز بين مسلمين وأقباط، فقد قام بطرد المستأجرين أيا كانوا، وقوانين الطوارئ لا تميز بين مسلمين وأقباط، بل إنها تمارس ضد كل من يرفع صوته في مواجهة الدولة. بينما تقوم الدولة بتمييز آخر أكثر أهمية وحيوية بالنسبة لكل المقهورين والطبقات المستغلة. ففي نفس الوقت الذي تزيد فيه من معاناة جماهير العمال وصغار الفلاحين وفقراء المدن، تقدم المزيد من الامتيازات والإعفاءات الضريبية والجمركية لأصحاب رأس المال ليتمكنوا من نهب الطبقة العاملة واستنزافها تحت شعارات الإصلاح الاقتصادي، وتدعمهم بوسائل القمع المتوفرة لها حتى تطمئنهم على رؤوس أموالهم والأرباح التي يستنزفونها من عرق العمال، لتبرهن بما لا يدع مجالا للشك على أنها المدافع الأول والحصن الأخير ليس لجمهور المضطهدين ولكن لأصحاب رأس المال والمستثمرين الذين يعيشون على استغلال هذا الجمهور ويتغذون على دمائه.

هكذا فالاضطهاد الذي تمارسه جماعات الإسلام المسلح ضد الأقباط والتي تبدأ بتكفيرهم وتنتهي إلى حرق كنائسهم ومهاجمة قراهم أو منازلهم والقتل الجماعي لهم مرورا بالاستيلاء على ممتلكاتهم وفرض الجزية عليهم، لا يستفيد منها إلا النظام الحاكم. وبالطبع فإن تراث اضطهاد الأقباط والتمييز ضدهم نتيجة لتعزيز الانقسام الديني بالإضافة إلى نمو الجماعات الإسلامية في ظل احتدام الأزمة وضعف البديل الثوري هو الذي يدفع جماهير المستغلين من فقراء المسلمين لتبني الخرافات والأوهام التي تضحي بالأقلية القبطية على مذبح الأزمة فنجدهم يشاركون في حرق الكنائس والهجوم على الأقباط ويساهمون في تعزيز الإحساس بالعزلة لديهم.

والرأسمالية والنظام الحاكم هي المستفيد الوحيد من ذلك، فمهاجمة أو حتى إبادة الأقباط، بالإضافة إلى كونها عملا غير إنساني ويقوم على مبررات وهمية وإشاعات، لن تفيد جماهير المستغلين والمضطهدين من المسلمين ولن تخلصهم من معاناتهم في ظل الرأسمالية. ولكن يستفيد النظام الحاكم من أن واقع هذا الانقسام يؤدي إلى عزل قطاع من المستغلين والمقهورين عن دائرة النضال الطبقي وهو الطريق الوحيد للتخلص من الاستغلال والاضطهاد. كما أن الرأسمالية يمكنها استغلال تراث اضطهاد الأقليات الذي تربيه في صفوف الأغلبية من المستغلين لتحوير الصراع الطبقي إلى صراع ضد طائفة من السكان في أوقات الأزمات واحتدام الصراع وتقديم الأقلية ككبش فداء لتجاوز الأزمة السياسية. ومن ناحية أخرى تمكنها بيئة الاضطهاد هذه من سهولة السيطرة على أغلبية المستغلين من خلال إضعاف قدرتهم على المواجهة بطريقة “فرق تسد”.

إن الوهم الذي يبيعه المدافعون عن الوحدة الوطنية المزعومة لا علاقة له بواقع المعاناة اليومية لجماهير الطبقة العاملة والمقهورين، ولا يكفي دليلا على وجوده تلك الأمثلة الساذجة عن تآخي المسلمين والأقباط وتبادل التهنئة في الأعياد. بل أنه في الظروف الحالية بالذات تستطيع الحكومة أن تبيع هذا الوهم بكفاءة أعلى، وذلك من خلال تعميم الاضطهاد والقمع بحجة مواجهة الإرهاب الذي يمارس العنف ضد الأقباط، وليس من خلال الضجيج حول حقوق لن يحصل عليها الأقباط أبدا في ظل النظام الرأسمالي القائم.

وفي واقع الأمر فإن تحرر الأقباط من الاضطهاد الديني لا ينفصل عن تحرر الطبقة العاملة وجموع المقهورين من الاستغلال والاضطهاد، ولكن هذا التحرر لن يكون على أساس تميزهم الديني الذي يقوم على الوهم بعيدا عن التمييز الحقيقي في المجتمع. فالأقباط ليسوا طبقة واحدة تجمعهم مصالح مشتركة في القضاء على النظام الرأسمالي الذي يولد ويغذي كافة أشكال الاضطهاد التي يعانون منها، وإنما هم خليط من طبقات اجتماعية متمايزة ومتناقضة في مصالحها. والعالم الحقيقي يفصلهم بقدر ما يجمعهم العالم الوهمي الموروث. فمنهم الرأسمالي الذي يستفيد من مساندة الدولة وقوانينها وأجهزة قمعها، ومنهم العامل الذي يعاني من نفس هذه القوانين ونفس هذه الدولة وأجهزتها، ولا يمكن بأي معنى حل هذا التناقض إلا من خلال القضاء على النظام الرأسمالي والطبقة الرأسمالية. ولا يمكن للوحدة على أساس الاضطهاد الديني أن تقضي على الاستغلال والاضطهاد الطبقي الذي يعانيه العامل المسيحي والعامل المسلم. كما لن يتخلى الرأسمالي المسيحي أو الرأسمالي المسلم عن استغلال العمال سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين.

ومن ناحية أخرى، لن يستطيع العمال المسلمون التخلص من الاستغلال والاضطهاد إلا بتأييد ومشاركة العمال الأقباط، فانعزال العمال الأقباط سيضعف من جبهة الطبقة العاملة ككل ويجعلهم أداة طيعة في أيدي الكنيسة والطبقة الحاكمة ويسهم في تقسيم العمال وإضعافهم. ويكون هذا التأييد بمعارضة كافة أشكال الاضطهاد التي تمارس ضد العمال المسيحيين، والتعبير عن ذلك بوسائل الاحتجاج المختلفة مثل التظاهر والإضراب، وكذلك المطالبة الفعالة بحقوق المسيحيين وحرية ممارسة الشعائر الدينية والمساواة بين الأديان…الخ.

إننا لا ندافع عن الوحدة الوطنية القائمة على وهم الوحدة بين العامل والرأسمالي، بين المستغلين والمضطهدين وبين من يقوم باستغلالهم واضطهادهم، فهذه الوحدة المزعومة لا يستفيد منها إلا الطبقة الحاكمة والدولة والتي تمكنها من استنزاف وقمع جماهير العمال والفقراء. ونحن كذلك ضد التفرقة والتمييز على أساس الدين أو الجنس أو العرق، والذي تستخدمه الطبقات الحاكمة في تفتيت وحدة المقهورين وإضعافهم.

إننا ندافع عن وحدة من نوع آخر، وحدة الطبقة العاملة، مسلمين وأقباط، رجالا ونساء، ومصريين وسوريين وأمريكيين …الخ، في مواجهة الطبقة الرأسمالية الحاكمة وممثليها في كل بقاع الأرض، من أجل مجتمع يتحرر فيه الإنسان من كافة أشكال الاستغلال والقهر.