دولة الإرهاب
يمارس النظام الحاكم في مصر منذ عدة سنوات، وبمعدلات متزايدة، أشكالاً من العنف والقمع السياسي ضد قطاعات عريضة من المجتمع بدرجة غير مسبوقة، وشكل هذا العنف طفرة من حيث الكم والنوع عن كل صور القمع التي مارستها الدولة البرجوازية الحديثة في مصر، ومع الاستخدام المتزايد للعنف من قبل الفصائل الراديكالية في الحركة الإسلامية، تفشت الظاهرة حتى أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لكافة المواطنين. وتعددت أنماط القمع التي يمارسها النظام في أشكال من العنف بالغة الحدة؛ فمن العقاب الجماعي والاحتلال العسكري لمناطق سكنية بأكملها، إلى تصفية العشرات من المعارضين السياسيين في الشوارع برصاص الشرطة، ومن التعذيب المنظم بالغ القسوة داخل السجون ومعسكرات الأمن المركزي، إلى أحكام الإعدام بالجملة التي تصدرها محاكم عسكرية لا تختفي تواطئها مع السلطة السياسية الحاكمة، وكان الاقتحام العسكري والمواجهة القمعية في إدكو وأبو حماد وقرى ديروط وإمبابة حافلاً بصورة وممارسات دموية مروعة ضد أهالي تلك المناطق.
وأصبحت ظاهرة العنف هي الهم الرئيسي لكافة المشتغلين بالعمل العام في مصر، سواء المنظرين المعبرين عن موقف الحكومة والدولة البرجوازية أو المثقفين المنتمين لفصائل المعارضة المختلفة، وفي هذا المقال لن نتناول الدعاية الحكومية المفضوحة حول هذه الظاهرة، ولكننا سنهتم بالتحديد بنقد وفضح موقف اليسار الإصلاحي حول ازدياد معدلات القمع السياسي للدولة.
الآلية الوحشية إلى أين؟!
إن المحول الأساسي من وجهة نظر اليسار الإصلاحي، يكمن في البنية السياسي للنظام، فغياب الديمقراطية وإمكانية التداول السلمي للسلطة، خلق نوعًا من الاحتكار السياسي للحكم لصالح فئة اجتماعية محدودة، ترتبط مصالحها بمصالح الإمبريالية والصهيونية العالمية، ولا تعبر سياستها في أية لحظة عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية للجماهير، وبالتالي حرمان الجماهير في أية فرصة لتحقيق مصالحها غير التغيير السامي للحكم، وهذا هو السبب الذي خلق أشكالاً من العنف والعنف المضاد تتزايد حدتها مع كل انتقاص من المساحة السياسية المتاحة.
والطريق الوحيد للخروج من هذه الدائرة – من وجهة نظرهم – هو تحقيق إصلاحات ديمقراطية واسعة عبر برنامج نضالي لجبهة وطنية ديمقراطية، بعيد لمصر دورها الطبيعي في مواجهة الإمبريالية والصهيونية، ويسعى لتحقيق تنمية مستقلة عن النظام الرأسمالي العالمي ويعبر عن المصالح الاقتصادية لكافة القوى التي ترتبط مصالحها بالديمقراطية والتنمية.
وفي واقع الأمر فإن هذا الطرح، رغم كل بريقة الظاهري، يحمل في طياته كل زيف الإصلاحية وتواطئها التاريخي مع الدولة البرجوازية. فمن وجهة نظرهم كان البناء السياسي والقانوني لنظام الحكم في مصر وطبيعة دولتها المستبدة، هو ما يحرم الجماهير من حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، ويتسبب في تدهور أوضاعها المعيشية، والأزمة الاقتصادية ما هي إلا نتيجة لسياسات ومصالح فئة عميلة موجودة في الحكم، والإصلاح الديمقراطي والتنمية المستقلة أهداف يمكن تحقيقها في ظل الرأسمالية نقط في كل القوى الوطنية، بما فيها بالطبع قطاعات من البرجوازية “الوطنية”، عليها أن نتحد في شعارات الجبهة الوطنية الإصلاحية.
كان هذا الزيف، الذي عبر دائمًا عن جوهر الإصلاحية، هو الطريق الوحيد لها حتى تجد لنفسها مكانًا، في دائرة الضوء البرجوازية، وذلك عبر خداع الجماهير وتدجينها.
فأمة الرأسمالية هي نتيجة لتطور عملية الإنتاج الرأسمالي، ومظاهر الأزمة من كساد وتضخم وبطالية وتدهور الأحوال المعيشية للجماهير، هي انعكاس اجتماعي لميل معدل الربح للانتفاض نتيجة لإنتاج وادعاء إنتاج الرأسمال في ظل السوق الرأسمالي التنافسي العالمي، والدولة المستبدة هي نتيجة لأزمة الرأسمالية وليس العكس، ولا يمكن تحقيق إصلاحات من أي نوع في ظل الأزمة، أما التنمية المستقلة فهي مجرد وهم لا يمكن أن يتحول لواقع في ظل الاندماج المتزايد في السوق الرأسمالي العالمي وتوحده، والمواقف السياسية للقوى الاجتماعية تتحد طبقًا لموقعها من عملية الإنتاج، والفئة الوحيدة ذات المصلحة الحقيقية في تدمير النظام الرأسمالي والقادرة على ذلك، هي الطبقة العاملة.
إننا لا نقف ضد الإصلاحية لأننا نرفض الإصلاحات، ولكننا نقف ضد الإصلاحية لأنه لا يمكن تحقيق إصلاحات عبر برنامجها، وهي تروج طول الوقت لطرحها السياسي على أنه الطرح الأكثر واقعية، وأن الاشتراكية هي مشروع بعيد المدى لن نصل إليه إلا بعد عشرات أو مئات السنين، ولا يمكن أن ننتظر تحقق الاشتراكية ونتوقف عن السعي لكسب بعض حقوق الجماهير المضطهدة.
والحقيقة أن الطرح الإصلاحي هو طرح غير واقعي بالمرة ومفرط في المثالية، فالمساومة الطبقية، التي تسمح للعمال أن يكسبوا بعض الحقوق عبر الديمقراطية البرلمانية، قد ارتبطت دائمًا بفترات ازدهار ورواج للرأسمالية، وتراجع الإصلاحية في بلدان العالم المتقدمة اليوم هو نتيجة للأزمة الرأسمالية التي وصلت لمعدلات مرعبة، ولم يعد في إمكانية برجوازيات تلك الدول الخروج من تلك الأزمة، أما في بلدان العالم الأكثر تخلفًا ونتيجة للتطور المركب وغير المتكافئ لرأسماليتها، أي نتيجة لنشوء صناعات متقدمة في بعض المراكز محاطة بريف كبير متخلف، ونمو طبقة عاملة صناعية محدودة نسبيًا بين أعداد غفيرة من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة والمهمشين اجتماعيًا، نتيجة فهذا الوضع نجد أن برجوازية تلك البلدان قد عانت طوال تاريخها من أزمة هيكلية، ولم تكن في أي وقت مستعدة للسماح بالمساومة الطبقية.
وقد يبدو لبعض القراء أن مطلع هذا الموضوع حول القمع المتزايد للدولة يختلف عن موضوع الإصلاحية، والواقع أنهما مرتبطان، ولكي نشرح هذا الارتباط علينا أن نشرح عملية التحول الاستبدادي للدولة. فالدولة البرجوازية – أي دولة – تلعب ثلاثة أدوار مهمة في إطار تأمين النظام الرأسمالي لصالح البرجوازية. وهذه الأدوار هي:
أولاً: دور اقتصادي، بتوفير الشروط الاقتصادي الملائمة لإعادة إنتاج الرأسمالية وتحقيق معدلات متزايدة للنمو وما يصاحب ذلك من رفع لمعدلات الاستغلال العاملة، ويتم هذا عبر توحيد السوق القومي ونظم الحماية الجمركية، والتنظيم الاجتماعي للعمل، ورفع المهارات التقنية للعمال، ورفع تقنية أدوات الإنتاج، وتوفير فرص التوسع، وتنمو الموارد الداخلية بشكل اقتصادي وأخيرًا التدخل بشكل مباشر في عملية الإنتاج والسيطرة عليها.
ثانيًا: الاستيعاب الأيديولوجي: أي إنتاج إيديولوجيا قومية تبرر وجود الدولة في قمة السلطة كجهاز محايد بين القوى الاجتماعية وخارج الصراع الطبقي، يتم من خلالها استيعاب كافة الفئات الاجتماعية، خاصة تلك التي يهدد وجودها المستقبل النظام الرأسمالي ذاته، أي الطبقة العاملة، ويتم في هذا الإطار إنتاج شعور قومي عبر الترويج لمجموعة من الصور الخيالية لوطن مستقل وشعب واحد متميز، ويتم إضفاء طابع صوفي ورمزي على شخوص الدولة أجهزتها، وتوفير دعاية سياسية منظمة ومنتظمة حول اتجاهات الدولة وسياساتها، تتبناها مؤسسات إنتاج الوعي المختلفة أي مؤسسات التعليم والإعلام والثقافة.
ثالثًا: القمع؛ أي استخدام القوة في مواجهة أي تهديد لاستقرار الدولة أو النظام الرأسمالي، ولتأمين عملية الاستغلال ضد كل الفئات المعادية لتلك العملية، وقد يأتي تهديد النظام من عدو خارجي، أي من موقع أو قوي داخلية معادية، وتمارس الدولة القمع في حدود لا يتحول فيها إلى تهديد لسلطتها، والقمع لا يعني مجرد العنف، فتقييد نمو الحركات السياسية والاجتماعية المستقلة، وفرض الوصاية الإدارية على المجتمع، وتمركز السلطة، وبقرطة الجهاز الإداري، كل هذا يعبر عن أشكال من القمع.
إن قدرة البرجوازية على المساومة الطبقية تتحدد بالتوازن بين الأدوار الثلاثة التي تلعبها الدولة، فعندما تكون الدولة قادرة على أداء دورها الاقتصادي بكفاءة ونجاح تصبح قادرة في نفس الوقت على الاستيعاب الأيديولوجي، وتبقى ممارستها للقمع في حدودها الدنيا، وفي تلك الحالة تكون الفرصة متاحة أمام العمال لكسب حقوق عبر نضالاتهم المطالبية وحركتهم المستقلة. وعندما تعجز الدولة عن أداء دورها الاقتصادي وتنتهي كل فرص الازدهار، تقل قدرتها بالتالي على الاستيعاب الأيديولوجي، وتصل ممارستها لقمع أمام العمال لكسب حقوق عبر المساومة الطبقية والديمقراطية البرلمانية.
وفي ظل الأزمة الرأسمالية، والتي تنتج عن تطور عملية الإنتاج الرأسمالي ذاتها، تنهار قدرة الدولة علي أداء دورها، وتنهار معها كل فرص المساومة الطبقية، ويصبح برنامج الإصلاح مثالية فجة وأكذوبة لخداع الجماهير.
النظام البرلماني بالنسبة للبرجوازية، أية برجوازية، هو أفضل شكل يمكن الحكم من خلاله، فهو يسمح لها بتأمين عملية الاستغلال بأقل التوترات الاجتماعية، ولكن في وقت الأزمة، تكون البرجوازية مستعدة للإطاحة بقطاع منها ذاتها، في مقابل استمرار القمع وتأمين النظام الرأسمالي، وهذا ما حدث في بلدان متقدمة صناعيًا، كل ألمانيا وإيطاليا في العشرينات والثلاثينات، ففي ظل أزمة رأسمالية طاحنة اضطرت الرأسمالية إلى الإطاحة بالحكومات الإصلاحية وشن حرب مدمرة الطبقة العاملة ومؤسساتها باستخدام الحركات الفاشية، وبهدف استمرار عملية الإنتاج الرأسمالي.
ماذا عن القمع في مصر؟
كانت سنوات حكم مبارك سنوات عجاف، ازدادت فيها بحدة معدلات الأزمة الاقتصادية، وعلى الرغم من نمو بعض الصناعات في القطاع الخاص، أو توفير بعض الخدمات الأساسية، فإن ذلك لم يعبر في أية لحظة عن تنمية حقيقية وفعالة، فالصناعات الرئيسية كلها تعاني من حالة نمو سلبي، والإنتاج شبه متوقف في عدد من المصانع لارتفاع التكلفة، وصناعات أخرى أصبحت غير قادرة على إنتاج سلع بأسعار منافسة، ليس فقط في السوق العالمي، ولكن أيضًا في السوق المحلي أمام بعض السلع المستوردة. وتكاد المناطق الريفية، في ظل الأزمة ونتيجة للتطور المركب غير المتكافئ للرأسمالية المصرية، تكاد أن تخرج تمامًا من عملية الإنتاج، وازدادت معدلات النزوح من الريف إلى المدن بشكل طفري، في الوقت الذي لا تقدر فيه أسواق المدن على استيعاب طاقتها الأصلية، وتراجعت معدلات النمو في العمالة الصناعية ودرجة كفاءتهم التقنية. وازدادت بحدة أعداد المهمشين اجتماعيًا، ونمت بشكل عشوائي على أطراف المدن مناطق سكنية كاملة، تعادل في حجمها أضعاف حجم المدنية الأصلية من حيث المساحة أو عدد السكان.
ولم تكن شهادة حسن السير والسلوك التي منحها صندوق النقد الدولي للنظام المصري، دليلاً على أي نجاح اقتصادي، كانت فقط دليلاً على نجاح النظام في مواصلة الاندماج في السوق الطبي، وتسوية دفاتر مديونية، بما يعنيه ذلك من المزيد من الفقر الاضطهاد لعشرات الملايين من العمال والفلاحين والفئات الشعبية الأخرى، وأن هذا كله يتم بأقل قدر ممكن من التوترات الاجتماعية.
وعلى الرغم من كل ما سبق فإن أشد سنوات الأزمة الاقتصادية لم يأت بعد، بعكس ما تروج له الدعاية البرجوازية، فعملية الاندماج في السوق العالمي لا زالت تخطو خطواتها الأولى، واستمرارها يعني محاولة إنتاج سلع بأسعار منافسة داخل السوق العالمي، أي خفض تكلفة الإنتاج، عبر رفع تكنولوجيا الإنتاج من جهة، ورفع معدلات استغلال العمل المأجور من جهة أخرى، فالملايين من الفلاحين سوف يتوقفون عن العمل داخل قراهم، ويتحولون إلى مهمشين اجتماعين داخل المدن الصناعية، ومئات الآلاف من العمال سيواجهون التشرد والبطالة خلال السنوات المقبلة، وسوف تتدهور الأوضاع المعيشية لغالبية المواطنين بدرجة فائقة.
ولمن تعد المؤسسة العسكرية الحاكمة في مصر، ونتيجة للأزمة الاقتصادية، قادرة على تقديم أي مبرر لوجودها في السلطة، ومنذ انتهاء الصراع العسكري مع إسرائيل، وتلك المؤسسة تحاول، وبوسائل عديدة مصطنعة وشكلية، أن تضفي على نفسها طابعًا مدنيًا.
ولم تعد هناك أية هيبة لأي طابع صوفي أو رمزي يتم إضفاؤه على أي شخص أو جهاز داخل السلطة، وأصبحت تلك المحاولات تواجه بالسخرية والاستهزاء حتى داخل صفوف البرجوازية.
وأصبحت مؤسسات إنتاج الوعي عاجزة تمامًا عن إنتاج أية صورة خيالية لوطن قومي، يتم عبرها تنمية شعور بالتوحد داخل الجماهير، وعجزت عن ذلك أيضًا كافة المؤسسات الأهلية المنتمية لصفوف المعارضة والتي تحاول لعب نفس الدور، وما جعل الأمر أكثر صعوبة، هو أن الحركة الوحيدة التي نجحت في خلق شعور بالتوحد لدى فئات عديدة من الجماهير، كانت هي الحركة الإسلامية، التي تلعب دورًا رئيسيًا في هز استقرار النظام السياسي في مصر.
وأمام تلك الأزمة الحادة التي أدت إلى الانهيار الكامل لدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، والذي بدوره إلى عجزها الكامل عن الاستيعاب الأيديولوجي للجماهير، أصبح الاستقرار السياسي للنظام مهددًا بشكل بالغ واندفع النظام إلى رفع درجات القمع لما وصلت إليه من الرعب.
لقد بدأ حكم مبارك بدعاية واسعة حول الاستقلالية القائمة بين مؤسسات الحكم (مؤسسة الرئاسة، الحكومية)، ولعب اليسار الإصلاحي وقتها دورًا هامًا في الترويج لتلك الفكرة، وبعد أثنى عشر عامًا من حكم مبارك، نكتشف أن مركزية الإدارة قد تعدت المؤسسة وتركزت في شخصه، وأن مساحة الحركة الممكنة لمؤسسات الدولة تقلصت إلى درجة لم يعد فيها أي وجود لتلك المؤسسات، وتحول الأشخاص داخلها إلى مجرد مرؤوسين لمبارك، وهذا يفسر لنا بقاء حكومة مثل حكومة عاطف صدقي المليئة بالتناقضات الداخلية على مدى السنوات الماضية، ذلك لأن كل عضو فيها يعمل في الواقع كمرؤوس مباشر لرئيس الجمهورية، ولا يتعدى حال مجلس الشعب من حيث تشكليه (أغلبية ومعارضة)، ومن حيث الأشخاص القياديين داخله، ذلك الواقع بأي درجة، وعندما حاولت المؤسسة القضائية المدنية أن تلعب دورًا مستقلاً بدرجة، تم استبدالها فورًا بالقضاء العسكري الذي يصدر أحكامه بأوامر مباشرة.
إن هذا التطور الحاد تجاه المركزية لم يحدث إلا نتيجة تزايد معدلات الأزمة بشكل حاد، المتاحة، ونشهد اليوم تأميمًا للحركة السياسية والنقابية لم تشهده البلاد منذ الخمسينات، ومع هذا التأميم يتضاءل الدور المحدود الذي كانت تتمتع به المؤسسات غير الحكومية كالأحزاب والنقابات. وتطور ذلك كله في النهاية، وبنفس المعدلات بالغة الحدة، إلى ممارسات من القمع والعنف الدموي ضد الحركة العمالية، وضد انتفاضات جماهيرية عفوية كالتي حدثت في إدكو وأبو حماد، وضد الحركة الإسلامية، وضد ملايين المواطنين الذين اضطرتهم الظروف للتعامل مع جهاز الشرطة في الشوارع وأقسام الشرطة. ومع الزيادة في معدلات القمع، يتحول جهاز الشرطة بالتدريج من منظمة نظامية مدنية، إلى مؤسسة عسكرية قمعية، تجبر أفراد من الشعب على الانضمام إليها قسرًا عبر التجنيد، وترفع قدراتها على ممارسة القمع بامتلاك أسلحة متطورة كالدبابات والطائرات، وترفع قدراتها القتالية بتنظيم مناورات عسكرية كالتي تنظمها الجيوش.
إن أزمة الرأسمالية وعدم إمكانية الخروج منها، هي السبب المباشر وراء التطورات المذهلة في تمركز الإدارة وفي عمليات القمع الواسعة، ولأن هذه الأزمة جزء من الأزمة الرأسمالية العالمية والتي لم تعد هناك إمكانية لحلها في ظل النظام الرأسمالي العالمي، فإن معدلات القمع سوف تستمر في تزايد مضطرد، وحتى في حالة سقوط النظام الحاكم، وصعود أي قوة سياسية أخرى كالحركة الإسلامية أو الجبهة الديمقراطية المزعومة، فإنها لن تتمكن من تحقيق أي إصلاحات ديمقراطية، وستفشل تمامًا في محاولات عمل تنمية وطنية “مستقلة”، وسوف تضطر لممارسة عمليات قمع واسعة، ربما أكبر بكثير مما نشهده اليوم، لتأمين النظام الرأسمالي.
إن أزمة الحكم في مصر ليست بسبب الخلل في بناءه السياسي والقانوني، ولكنها نتيجة مباشرة لأزمة الرأسمالية والنظام الرأسمالي. والطريق الوحيد، الواقعي والممكن، لإيقاف سياسية القمع، والخروج من الأزمة، واستعادة الطبقة العاملة لحقوقها المهدورة، يتحقق فقط بالقضاء على الرأسمالية وبتدمير النظام الرأسمالي والسوق الرأسمالي التنافسي وبناء دولة عمالية، وهذا لا يمكن تحقيقه دون بناء حزب عمالي ثوري يناضل ضد إرهاب الدولة وضد دولة الإرهاب.





