بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دولة أمناء الشرطة

في الثاني والعشرين من مارس 2011، وبعد مرور حوالي شهر وبضعة أيام على تنحي مبارك وفي ظل دعاية حكومية وإعلامية رافضة للإضرابات والاحتجاجات العمالية مطلقة عليها تعبير “فئوية”، فاجئنا قطاع “أمناء الشرطة” بالتظاهر أمام مبنى الوزارة مهددين بالقيام بإضراب شامل إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم والتي تمثلت في رفع مكافآت الخدمة، والترقية كل ثلاثة سنوات، والعلاج في مستشفيات الشرطة وذلك بالتساوي مع ضباط الشرطة. وفي الثامن والعشرون من يونيو 2011 بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على اندلاع ثورة يناير تظاهر العشرات من اتحاد أمناء الشرطة الحاصلين على ليسانس حقوق، بميدان التحرير، لمطالبة وزير الداخلية، بترقية جميع الأمناء الحاصلين على ليسانس حقوق إلى ضباط بمعيار أسبقية حصولهم على مؤهل دون أي قيد أو شرط.

والحقيقة أن بين هذين اليومين وقعت أحداث كثيرة، فالشرطة عادت للعمل، وعادت ساقية الدم للدوران أيضاً. و في أول أسبوعين بعد عودة الشرطة تم رصد خمس قضايا تعذيب، بينهما حالتي وفاة وفقأ عين، علاوة على حوادث قتل بالرصاص لمواطنين على أيدي ضباط الشرطة في غير أوقات عملهم ولأتفه الأسباب. وأثناء شهر يونيو 2011 وقعت أعتداءات من قبل الشرطة ضد المواطنين مثل حادث مقتل طالب الفيوم والذي ضربة مساعد شرطة بالهراوة على رأسه في كمين للشرطة، ومقتل فران في الإسكندرية على يد أمين شرطة رفض الامتثال لأوامر الفران في الالتزام بالصف، وربما أقربها للأذهان قصة “سماح” التي أقتيدت لقسم الشرطة وأخيها بعد مداهمة الشرطة لمنزلهم وتوجيه تهمة حيازة السلاح لاخيها فيتم تعذيبهما بالضرب والصعق بالكهرباء تهديد سماح بتلفيق قضية دعارة لها، لتتكشف الحقيقة بعد ذلك حيث يعمل الأخ في محل لبيع أجهزة المحمول وأراد أمين الشرطة “محمد جلال” على قوة قسم السلام أول أن يستولى على أحد تلك الأجهزة دون مقابل فيرفض الأخ، ويتركه الأمين ممهدداً ومتوعداً بالانتقام.

وما يثير الأهتمام هنا أن “أمين الشرطة” عامل مشترك في كل القضايا والاعتداءات، سواء تنفيذاً لأوامر رؤسائه من الضباط، أو بدوافع شخصية، وإذا كان من الممكن فهم الدوافع وراء سلوك ضباط الشرطة المتغطرس والعنيف تجاه الجماهير، ففي البداية يتم اختيارهم من أعلى شرائح الطبقة الوسطى، ثم يتلقوا تربية عسكرية مغلقة تجعلهم يقسمون المدنيين قسمين فإما هم أناس مدللون أو خارجون عن القانون يتوجب عقابهم، ثم يزيد على ذلك إحساس مفرط بالسلطة والقوة وثقة استمدها من خبرات سابقة مفادها أن ضابط الشرطة لا يحاكم على جرائمه. كل هذا يبدو مفهوماً وإن كان غير مقبول قطعاً.

وبالنظر لوظيفة أمين الشرطة نجدها وظيفة مدنية وليست عسكرية، يتخرج من معهد فوق المتوسط عامان بعد الثانوية العامة ليس ضابطاً ولا جندياً، عامان يفصلانه عن مقعد الضابط ، وغالباً ما يلتحق بالمعهد أبناء الطبقات الدنيا من المجتمع، والحقيقة أن نشأة وظيفة أمين الشرطة تحديداً في سبعينيات القرن الماضي جاءت بعد ازدياد التعداد السكاني، وتنامي التوسع العشوائي، فاضطر ضابط الشرطة للعمل في أماكن تختلف تركيبتها الاجتماعية جذرياً مع الأماكن التي اعتادوا العمل بها، وهكذا ظهرت الحاجة لأمين الشرطة، مدني غير عسكري تلقى قدر من التعليم ومن خليفة اجتماعية بسيطة، مما يؤهله للتعامل مع قطاعات شديدة العشوائية والهاميشة، وبرواتب أقل من الضباط بطبيعة الحال.

هكذا لعب أمين الشرطة دور الوسيط بين الضباط أبناء الطبقة الوسطى وبين من يعتبروهم “أنصاف مواطنيين”، ووجد الفقراء في “الباشا الأمين” همزة الوصل القادرة على توصيل شكواهم ومطالبهم للبكوات الضباط “أسياد البلد”. وربما يكون هنا مكمن العلة، إحساس مفرط وطاغٍ بالقوة يستمدها الأمين من احتياج الضابط له، مع مرارة عدم التقدير والإحساس بالظلم فهو لا يرى نفسه أقل كفاءة من الضابط، بل ربما يرى نفسه أكثر قدره ومعرفة منه، مع إطلاق يد غير محدود في مناطق نفوذهم مما جعل من أمين الشرطة “الحاكم بأمره” فيلجأ له الخارجين عن القانون وتجار المخدرات لتسيير أعمالهم، ويلجاً هو للفساد لتعويض الفارق المادي بينه وبين البك الضابط، بفرض الإتاوات والتهدد بتلفيق القضايا للبسطاء من الفقراء الواقعين في نطاق نفوذه لضمان السلطة والهيبة، ولا مانع من تلفيق القضايا بالفعل للأبرياء ولذلك لاستيفاء العدد المطلوب إعلانه في الإحصاءات الرسمية.

وليس هناك من دليل أكثر وضوحاً على نفوذ أمناء الشرطة من واقعة الحكم بالإعدام على أمين لشرطة “محمد إبراهيم” الشهير بمحمد السني وذلك لقتله خمسة عشر مواطناً يوم 28 يناير أمام قسم الزاوية الحمراء بالقاهرة، ورغم هروب الأمين من قبل بدء المحاكمة، إلا أنه ظهر في حوار صحفي أجرته معه جريدة الأهرام من خلال الاتصال الهاتفي بتاريخ 27 مايو 2011، ثم نجده يظهر ثانية بصوته أيضاً عبر إحدى القنوات الفضائية واسعة الإنتشار يوم 25 يونيو 2011 عشية جلسة التصديق على الحكم بإعدامه ليروي في المرتين تفاصيل يوم 28 وما وقع من أحداث في دائرة القسم محاولاً تبرئة نفسه من التهمة، واللافت للنظر هنا هو تواطؤ الداخلية السافر والفج في آن واحد، فمن المعروف قدرة الداخلية على تتبع الأشخاص عبر استخدامهم للهواتف، مما يسهل عملية القبض على الأمين الهارب، وهذا مالم يحدث في المرتين خاصة وأن المرة الثانية في حديثه للقناة الفضائية أستفاض وأسهب في رواية التفاصيل على مسمع من الملايين وهذا ليس سلوك الهارب الذي يخشى القبض عليه، بل سلوك المطمئن أن يد العدالة لن تطاله ليس لتقصير منها ولكن ليقينه من الداخلية ستتستر عليه وتضمن له الإفلات من القصاص العادل.

إن احتياج جهاز الشرطة لهذا الشكل من “الباشا الأمين” يعكس خللاً رهيباً في هذا الجهاز، فإذا علمنا أن حوالي 6600 أمين شرطة تم أدانته خلال العشرة أعوام الماضية في قضايا سرقة وإتجار مخدرات وتعاطي وقضايا آداب ونصب وانتحال صفة وقتل رشوة والتقصير واستعمال القسوة مع المواطنين والتقاعس عن أداء الواجب، هذا بخلاف المدانين من ضباط الشرطة والجنود، وإذا وضعنا في الإعتبار أن عدد القضايا التي قيدت ضد مجهول في الفترة (1997 – 2008) فقط بلغت 9 ملايين و625 ألف قضية تقريباً، وأن خلال العشر سنوات الماضية أيضاً قتل حوالي 600 مواطن داخل أقسام الشرطة نتيجة التعذيب، وأن إجمالي من تعرض للتعذيب من المواطنين المصريين الذين يدفعون من جيوبهم رواتب ضباط الشرطة بلغ 11250 مواطن، وبلغ عدد المواطنين المصريين المصابين بعاهات مستديمة على يد رجال الشرطة 4220 مواطن، وبلغ عدد المعتقلين السياسيين على يد رجال الشرطة بلغ 140 ألف معتقل، وشهدت المحاكم المصرية 21 ألف قضية رفعها مواطنون ضد وزير الداخلية وسياساته وأداء ضباطه ورجاله.

في الواقع أن كل هذه الحقائق المفزعة تقوض دعاوى الشرطة بأنها في خدمة الشعب، وأنها العين الساهرة على أمنه، بل تلك الحقائق أيضاً تفسر لنا لماذا تم الهجوم على أقسام الشرطة خاصة في الأحياء الشعبية يوم 28 يناير والذي إنتهى بهزيمة نكراء منيت بها الشرطة، ومن ناحية أخرى تكشف أنه لا مبرر لمن ينادون بعودة الشرطة لأفتقادهم الأمان، عن أي أمان يتحدث هؤلاء، تلك الأرقام توضح أن الشرطة طيلة السنوات الماضية كانت هي مكمن الخطر، باحتوائها على المشوهون نفسياً كارهي الحياة، المتعالين والمترفعين عن خدمة من يحصلون عن روابتهم من أموالهم، لا حاجة لنا بمثل هذا الجهاز الذي ضرب العفن أوصاله، ولا مجال هنا عن اعادة هيكلة أو مصالحة مع الإبقاء على كل هذه الامراض، لابد من أعادة النظر في دور الشرطة ككل، وفي سبل اختيار العاملين بها، بكل درجاتهم الوظيفية عسكرية كانت أو مدنية، فلن يقبل الشعب أن يتسيدهم مثل هؤلاء بعد الآن.