بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

دردشة عن المظاهرات (3)

فن التظاهر

سلسلة مقالات للمناضل الاشتراكي كمال خليل، الذي شارك في وقاد مئات المظاهرات على مدار ما يزيد عن الثلاثين عاماً، يطرح فيها رؤيته للحركة الجماهيرية منذ السبعينات وحتى الآن.

المظاهرات فن من الفنون الراقية. فن تمارسه الجماهير في جميع أنحاء العالم، كل يمارسه بطريقته الخاصة ووفقاً لظروفه وإمكانياته. هذا الفن في بلادنا هو أقرب إلى مسرح الشارع، حالة تفاعل دائمة بين المرسل والمتلقي. تفاعل بين الفرد والمجموع، الجماهير تلهم الفرد، وعلى المرسل أن يجيد القراءة الجيدة لمشاعر البشر. أما السياسة والأفكار والمصالح الشعبية فهي الموصل الجيد بين الجميع.

ولا تقف المظاهرات عند حدود الفن الشعبي لأنها الوقود الحي للثورات والاحتجاجات الشعبية.

يلعب الهتاف دوراً رئيسياً وحاسماً في التظاهر، وحتى يكون الهتاف نافذ كالسهم، فإنه يجب أن يلخص في كلمات قليلة حالة عامة شاملة دامغة صارخة يحترق بنيرانها الجميع، مثل:

“يا حاكمنا بالمباحث .. كل الشعب بظلمك حاسس”. سوف يردد هذا الهتاف كل من دخل قسم شرطة وأُهين، وكل من دخل المعتقلات وتم تعذيبه، وكل بائع جوال تطارده شرطة المرافق، وكل سائر في الطريق ويحس بإرهاب الشرطة من حوله.

ومثل: “آه يا مصر … ابنك من الظلم اكتوى … شعبك م القهر ارتوى”. فالاكتواء من الظلم والارتواء من القهر، والانتقال في الهتاف من مصر إلى ابن مصر، إلى شعب مصر يشعر الجميع بالتوحد ضد الظلم والقهر. فالمظاهرة هي فن توحيد المشاعر مع الفكرة والهدف السياسي. الشعار هدفه تحويل الفكرة السياسية إلى وجدان وضمير سياسي، هو فن التحريض المباشر ضد الظالمين.

يقول الراحل العظيم وشاعر مصر المناضل الرقيق والجميل نجيب سرور: “الشعر مش بس شعرك … لو كان مقفي وفصيح الشعر لو هز قلبي وقلبك … يبقى شعر بصحيح”.

يصدق هذا القول على الشعر، وأيضاً على الشعارات التي ترفع في المظاهرات. فالشعارات تهز القلب حينما تعبر عن الوجيعة، وتعبر عن أحلام البشر في العدل والحرية، وحينئذ لا يهم السجع والقافية مثل:

“احنا اللي نشقى.. م الصبح نلقى.. خراب وسرقة.. ولحد إمتى ها يطول سكاتنا.. اللورد والي.. سرطن عيالي.. ولا حد يقدر.. في يوم يحاكمه.. يا ناس يا هوه.. والحاج شاذلي.. دا كرشه واسع.. عمال بيسرق.. عمال بينهب.. من مال أبوه.. والعز يا ابا.. دبح الغلابة.. والعز يفعل.. ما يريد.. والشعب أصبح على الحديد.. وجمال مبارك.. عامللي لجنة.. لجل ما يورث.. سلطان أبوه.. يا ناس يا هوووه..”. هنا بعض الشطرات موزونة ومسجوعة مثل: “والي وعيالي، ويا ابا والغلابة، ويريد والحديد”. وبعضها يخلو من الوزن والسجع مثل: “كرشه واسع، ولا حد يقدر، في يوم يحاكمه، وعامللي لجنة”.

لكن صوت المتظاهرين يعلو ويزدهر مع هذه الشعارات، رغم قصور الوزن والقافية، لأن التعبير عن الوجيعة بصدق هو الموسيقى الداخلية للهتاف. رموز النظام الفاسدة هي روح الهتاف. الشعار تكثيف لحالة الفساد التي فاحت رائحتها في جميع المؤسسات. المظاهرة إن لم تكن شعاراتها كالسيف فإنها لا تقطع. الهجوم على جميع الرؤوس لنظام شاخ وتعفن واستأسد على البشر هو سيف المتظاهرين. سيف لا يزيف ولا يبالغ، يصف كل رأس فاسدة بما تستحقه. أما حين ينتقل الشعار إلى:

“فساد فساد .. مالي البلاد.. طولاً وعرض.. صواريخ فساد.. صواريخ يا بويا.. دي أرض أرض” “أفتح يا سمسم.. افتح يا واد طب انتو مين؟ المسؤولين.. ورؤوس فساد.. أفتح يا واد ودوه مين؟ ودوه مين؟ ابن الكبير.. افتح يا واد.. آدي المغارة.. هنا الشطارة وآدي الجمال.. وآدي الهلال.. والهبش حلو.. أفتح يا واد”

هنا المظاهرة تنتقل من حالة إلى حالة أخرى تكمل الحالة الأولى. تنتقل من حالة إطلاق الرصاص على المسئولين إلى السخرية والتهكم. النكتة سلاح سلبي للجماهير في السخرية والتهكم على الحكام. المظاهرة سلاح إيجابي للسخرية والتهكم على القادة المفروضين بحكم العسكر على البشر. وعند السخرية لابد من استدعاء الفلكلور والتراث الشعبي. ومع حكامنا الفاسدين فإنه لا يليق بهم سوى فلكلور “علي بابا والأربعيم حرامي”، والذي يحفظه كل طفل ولا يمل من سماعه. سمسم شخصية وهمية في رواية علي بابا، لكنه داخل المظاهرات يصبح مهرج الجماهير ولسانهم.

“ومعانا سبع جمال العال العال.. والهبش حلو.. أفتح يا واد”. ينبغي أن يتحول الشعار السياسي إلى هتاف تخرج كلماته من بطن وأحشاء البشر مثل:
“فركيكو.. فركيكو.. أرحلوا عنا الله يخليكوا”
“قولوا لمبارك.. قولوا لسرور..إمتى هاتمشي وأمتى تغور”.

فركيكو كلمة تنبع من بطن الحارة، تعبر عن من يتم خداعه ولا يقبل الخديعة. تعبر عن إنسان لا يأكل من الأونطة، فيقول لمضلليه وخادعيه: “فركيكو”. إنها كلمة ذات جبروت طاغي فلا يجب الابتعاد عنها وخاصة في مظاهرة تعبر عن شعب طال خداعه. أما كلمات مثل “تمشي” و”تغور” فهي كلمات اللغة الشعبية الواضحة الفاصلة والتي تتناقض مع تعابير بعض المثقفين المغلفة والرقيقة التي تناشد الحكام متوسلة راكعة من أجل إقناعهم بتداول السلطة معهم. فلا يمكن لمظاهرة أن تقف ضد الطغاة وتقول “يا حكامنا يا حلوين.. تداولوا السلطة.. مع التانيين”، لأنه ببساطة “الشعب اتهان.. الشعب اتذل.. وبقت العيشة خل في خل”.

المظاهرة فن مباشر لا يحتمل اللجوء إلى الرمزية أو التجريد، إنها سياسة مباشرة بلغة الحارة والمصنع والحقل. والانتقال من الشعارات الوطنية، إلى الشعارات الديموقراطية، إلى الشعارات الطبقية يتطلب مهارة فائقة وعالية من قادة المظاهرة، ولا ينبغي أن يكون الربط والانتقال تعسفياً وبشكل فج لأن ذلك سيفسد المظاهرة ولا يطورها.

قائد المظاهرة كالعاشق لحبيبته ينبغي أن يفهم ما تريد من نظرة عينيها، وينطق بما تريده قبل أن تتحرك شفاها. إنها حالة عشق فريدة من نوعها، لأن الحبيبة هنا ليست فرد بل هي جموع هادرة.

“عشان نحرر القدس.. لازم نحرر مصر.. م اللي سارقينها.. م اللي ساجنينها.. م اللي حاكمينها”. هذا الشعار يربط بين فساد الحكم واستبداده، وبين القضية الوطنية. يربط بيم ما هو وطني وما هو ديموقرطي، وما هو طبقي. شعار رغم بساطة كلماته، إلا أنه يعبر عن رؤية استراتيجية للصراع مع الدولة الصهيونية. وخير الكلام ما قل ودل. لا يمكن لمظاهرة عن المعتقلين أن تكون بداية شعاراتها ضد الصهيونية. ولا يمكن لمظاهرة تتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية أن تبدأ بشعارات عمالية مثلاً.

الإحساس نعمة لا ينبغي أن يفقدها قائد المظاهرة. الإحساس بالجماهير هي البصيرة الأولى لقائد المظاهرة. فقيادة المظاهؤة ليست صوت عالي، بل إحساس عالي وسياسة صحية وشعار جامع وتعبير صادق. في لحظة ما عليك أن تدمع العيون وتدمي القلوب، وفي لحظة أخرى عليك أن تجعل الضحكة الساخرة فوق أفواه المتظاهرين.

نجيب الريحاني يضحك ويبكي البشر في كلمات قصيرة: “أول جنيه كسبته طلع مزيف.. أول مرة أكلت فيها السمك طلع مسموم”.

شعارات مثل: “المباحث على بابي.. والصهيوني فوق ترابي”، و”يا أساتذتنا.. يا أساتذتنا.. المباحث نايمة في بيتنا”. و”عملوا ليكوا ولينا مجالس.. هيه حضانة والا مدارس”، والمقصود هو تحويل الطلاب والأساتذة إلى مجالس تأديب بالجامعات. هي شعارات من نوعية مدرسة نجيب الريحاني، سخرية من الواقع تدمي القلوب، إنها فلسفة الضاحك الباكي.

المضمون السياسي للهتاف هو مربط الفرس والأساس، أما القافية فتأتي في المرتبة الأخيرة. وفي بعض الشعارات تختفي القافية والسجع تماماً لأن المضمون هو سيد الموقف، مثل:

“يا أهل البلد.. الحاضر يقول للغايب.. إن في دمنهور.. في محافظة البحيرة.. في قرية سراندو.. كلاب حبيب العادلي.. البلد طايحيين.. بيعذبوا الناس.. وبيطاردوا الفلاحين.. يا أهل البلد.. كلاب حبيب العادلي.. قتلوا فلاحة مصرية.. قتلوا نفيسة المراكبي.. نفيسة اللي ماكنش ليها.. ضهر يحميها.. يا أهل البلد.. الحاضر يقول للغايب”.

القافية شبه منعدمة، لكن الإيقاع هنا هو إيقاع طبلة المسحراتي والمنادي، تم.. ترم.. تم تم. “فرمان السلطان.. الحاضر يقول للغايب.. تم.. ترم”.

إذا توافق المضمون مع السجع والقافية يكتمل الشعار مثل: “التعديلات الدستورية.. مسرحية هزلية.. لتوريث التكية”. أو كشعار الزميل المناضل كما أبو عيطة: “حسني مبارك والسنيور.. بوش الأصل وهمه الصورة”.

والشعارات كالملابس لابد من غسيلها وكيها أو ترميمها وتجديدها، أو إلغاءها لتفصيل الجديد. لا يصلح الآن شعار السبعينات (فبراير1973): “سيد مرعي يا سيد بيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه”. فسيد مرعي قد مات، وكيلو اللحمة أصبح فوق الثلاثين جنيه. لكن شعار السبعينات كان له وقع خاص في النفوس، شعار له تاريخ وحدوتة بدأت مع سيد مرعي وتطورت مع عبد العزيز حجازي ثم ممدوح سالم، ولابد أن تكتمل مع مبارك. لذا وجب ترميم الشعار، وربط لحمة الماضي بلحمة الحاضر. وجاء الترميم والتطوير كما يلي:

“كنا زمان آل بنقول .. سيد مرعي يا سيد بيه.. كيلو اللحمة بقى بجنيه!!! كنا زمان آل بنقول.. مين يا حجازي هياكلها مين.. واللحمة بمية وعشرين!!! كنا زمان آل بنقول.. با لبن بلدنا أصحى وبص.. كيلو اللحمة بجنيه ونص!!! كنا زمان آل بنقول.. ممدوح سالم ممدوح بيه..كيلو اللحمة بخمسة جنيه!!! وآدي الحال يا محمود.. مش لاقيين المش أبو دود!!! حسني مبارك.. حسني بيه.. كيلو العدس بستة جنيه مين يا ناس هياكلها مين.. واللحمة دي فوق تلاتين”

كنا في الماضي نقول في مواجهة الاتحاد الاشتراكي العربي:

“شوفوا تنظيمهم السياسي… ضد أهلي وبلدي وناسي”. ولأن الاتحاد الاشتراكي أصبح الآن هو الحزب الوطني الديموقراطي، والذي لا هوه وطني ولا هوه ديموقراطي، نقول الآن:

“أحلف بسماها وبترابها.. الحزب الواطي اللي خربها”.

ولأن القصر الجمهوري في السبعينات كان قصر عابدين، فكنا نقول في الماضي: “قولوا للنايم فعابدين… أهل بلدنا يناموا جعانين”. أما وقد انتقل القصر من عابدين إلى العروبة، فانتقل الشعار إلى: “يا ساكن قصر العروبة.. إحنا سكان مصر المنهوب

كرهنا الخضوع.. كرهنا الركوع.. كرهنا المعونة والديون.. كرهنا الجراية والسجون أرحل.. كفاية.. حرام.. أرحل.. زهقنا.. طهقنا أرحل أرحل زي فاروق.. شعبنا منك بقى مخنوق”

في 1968 خرج طلاب جامعة القاهرة والإسكندرية والمنصورة ضد مجلس الأمة (البرلمان) هاتفين:
“آل إيه مجلس أمة.. واللي عايزينه هما” “أنور أنور يا سادات.. هيه فين الحريات”

ومع التصحيح وثورته المزعومة في 15 مايو 1971 أصبح مجلس الأمة مجلس شعب، لذا وجب التجديد لملائمة التغيير مثل:
“يا مجلس شعب مساء الخير.. وانت رئيسك ملياردير يا مجلس شعب مساء الطين.. وانت رئيسك قط سمين مجلس شعب دا قرع وكوسة.. والحرية يا ناس محبوسة” “والحاج فتحي.. سيد قراره.. القرع عنده.. ملو الزكايب.. عمال يطلع.. قوانين كتيره.. لجل الحبايب”.

أعتقد أنه حينما ينتزع الشعب حريته، وحينما ينزل البشر إلى الشارع دون قوات غاشمة وعصى وهروات، سوف يختلف شكل المظاهرات وطريقة تنظيمها. وقد يختفي دور منظم الشعارات والهتاف، لتعتمد المظاهرة على الجماعية.ويكون الإبداع في شكل اللافتات والماسكات والدمي وقرع الطبول. أكيد سيكون هناك تبدل جديد، وإبداع جديد ظهرت ملامحه في مظاهرات حركة كفاية في شهر سبتمبر 2005 (في أيام 7، 10، 14، 27)، حينما اختفت القوات الأمنية الضخمة وعرباتها، وتراجعت عن حصار المظاهرات. لكن التبدل الأهم مع انتزاع الحرية هو أن يعود المتظاهرين بعد المظاهرة إلى بيوتهم سالمين.

“وعايزين عايزين نخلق دنيا جديدة.. دنيا الناس فيها سعيدة دنيا جديدة وخلق جديدة.. فيها الناس قبل الأرباح ما فيهاش طفل لحافه رصيف.. ولا طابور لجل رغيف دنيا رايتها المساواة.. فيها الراجل زي الست فيها الواد زي البنت.. دنيا جديدة وخلق جديدة لا تمييز بسبب الدين.. كل الناس متساويين”

المظاهرات فن الماضي، وفن الحاضر، وفن المستقبل. هيا بنا نصنع المستقبل.. وهيا بنا نتظاهر