بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في انتظار حركة التغيير الجديدة!

ربما يعتقد البعض أن حالة الإحباط المتفشية بين المعارضين ونشطاء التغيير لها ما يبررها. فالحركة التي انخرط فيها هؤلاء بكل الحماس انتهت إلى معكوس ما أملوا فيه. فمن وعود التغيير بالجماهير، إلى واقع تأبيد السلطة «طالما ظل القلب ينبض». ومن أحلام الإصلاح الديمقراطي، إلى واقع إنقلاب مارس 2007 الدستوري تمهيدا للتوريث.

حصيلة محبطة حقا! لكن فقط قصار النظر هم من سيرون أنها تمثل كل (أو نهاية) القصة. ذلك أن «القصة» تتضمن عناصر كثيرة ومتداخلة، غالبا ما يهملها من تقتصر رؤيته لما يحدث في مصر على المعركة التي دارت على السطح السياسي خلال عامي 2005-2006.

هجوم ليبرالي- إمبريالي

أحد القراءات لصعود حركة التغيير المصرية عام 2005، وهي قراءة صحيحة، تُرجع الأمر إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولا ضغوط الإمبريالية الأمريكية تحت حكم المحافظين الجدد، وثانيا تبلور تيار «إصلاحي» داخل أروقة السلطة الحاكمة يسعى إلى إزاحة الحرس القديم وتحديث الحكم، وثالثا ميلاد حركة معارضة جديدة أفرزتها نضالات التضامن مع الانتفاضة ومناهضة الحرب على العراق.

هذا كله كلام صحيح. لكنه لا يشرح لنا: «لماذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة في هذا التوقيت بالذات؟» هنا نحن نحتاج إلى الخروج، مؤقتا، من التفاصيل السياسية المباشرة، وإلى النظر إلى السياق العام للصراع الطبقي في مصر والمنطقة والعالم.

فوراء غابة التفاصيل التي نعيشها يوميا تكمن عملية عالمية موحدة، لها تجليات مختلفة، جوهرها هو هجوم الأختين الشقيقتين، «الليبرالية الجديدة» و»الإمبريالية الجديدة»، على كادحي العالم وعلى الشعوب والبلدان المستضعفة، سواء باليد الخفية للأسواق الحرة أو بالقبضة الصريحة للمارينز.

وفي المقابل، وكوجه آخر لنفس العملية، هناك الحركات المختلفة لمقاومة هذا الهجوم الضاري، سواء المقاومة الوطنية ضد الاستعمار والاحتلال (العراق، فلسطين، لبنان، أفغانستان، وحتى الصومال)، أو المقاومة الاجتماعية الجماهيرية (أمريكا اللاتينية، جنوب شرق آسيا، جنوب أوروبا، الخ)، أو المقاومة السياسية المنظمة الجديدة (حركات مناهضة العولمة والحرب، حركات التضامن مع الانتفاضة، الحركات الاجتماعية الجديدة.. الخ).

هذا الصعود لليبرالية والإمبريالية الجديدتين يعود إلى الأزمة التي أصابت الشكل القديم للرأسمالية الذي كان سائدا حتى السبعينات. الأزمة الاقتصادية في أواسط السبعينات فرضت على الطبقات الحاكمة في العالم مراجعة أساليبها في التراكم وتوزيع الدخل. وكانت النتيجة صعود الفكر الليبرالي الجديد، فكر سحب المكتسبات التي انتزعتها الجماهير في الخمسينات والستينات، وميلاد مرحلة جديدة من التطاحن الشرس بين الدول، وبين الرأسماليين الأفراد، على كعكة الأرباح المتناقصة.

الليبرالية الجديدة صعدت إذن نتيجة أزمة. لكنها هي والإمبريالية الجديدة، على الأجل الطويل، لا تحلان الأزمة بل تعمقانها! فأثر هجوم الإمبريالية والليبرالية هو خلخلة كل المستقر في العالم، وتعريض اقتصاداته ودوله لتقلبات وأزمات مفاجئة ومتكررة. فموجة الاستقطاب واللا استقرار التي أصابت العالم في العقود الأخيرة سببها هو أن الحل الليبرالي الجديد لأزمة الاقتصاد الرأسمالي يتضمن عنصرين رئيسيين: أولا الهجوم المباشر على مكتسبات الجماهير، وهو ما يعني تزايد الغضب الجماهيري وتصاعد الحركات النضالية الدفاعية للإبقاء على ما تم انتزاعه بالكفاح الطويل؛ وثانيا تفكيك معظم أدوات تدخل الدولة لتقليل آثار الأزمة الرأسمالية على الفقراء والكادحين، وهو ما يعني ازدياد احتمالات الأزمات واحتدام آثارها كما رأينا في بلدان مثل إندونيسيا والأرجنتين والمكسيك على سبيل المثال لا الحصر.

فإذا أضفنا إلى هذا أثر الهجوم الإمبريالي الجديد، أي أثر همجية الذراع العسكرية للعولمة الليبرالية الجديدة، لفهمنا «منطق» الفوضى العالمية الجارية أمام أعيننا. فما لم يكن ممكنا اقتلاعه بالقوة الناعمة، تقدمت الطائرات والدبابات لاقتلاعه بقوة الحديد والنار. وهو ما يعني أن «النظام العالمي الجديد» هو نظام الخروج من حرب للدخول في حرب، إلى حد أن منظري المحافظين الجدد صنعوا وهم «الحرب على الإرهاب» التي يحذروننا من أنها ستستمر «عقدا من الزمان» على الأقل.

مصر في قلب الأزمة

يمكننا في هذا السياق فهم التطورات المصرية. فمصر منذ السبعينات جزء من مشروع الإمبريالية/الليبرالية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط. الجديد هو أنه في نهاية التسعينات دخلت الرأسمالية المصرية والنظام الحاكم في أزمة مزدوجة. فأولا أدى البرنامج الاقتصادي الليبرالي الجديد الذي طبقته الحكومة المصرية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، بعد حوالي عشر سنوات من تطبيقه، إلى كساد اقتصادي واسع النطاق. وثانيا وصلت عملية التسوية الإقليمية، التي لعب النظام المصري فيها دور السمسار والوسيط، إلى نهاية دموية درامية باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ونشوب حرب العراق ثم احتلاله. باختصار: كانت نهاية التحول الليبرالي الجديد في إطار الهيمنة الإمبريالية الجديدة، هي الأزمة والحرب والاستقطاب واشتعال الصراعات.

هذه هي الخلفية لتصاعد الحركة السياسية والاستقطاب الطبقي في مصر في الأعوام الأخيرة. جوهر ما حدث أن أزمة مشروع الليبرالية/الإمبريالية الجديدة أدت إلى رديّ فعل مترابطين. رد الفعل الأول هو رد الفعل من أعلى، أي رد الفعل في أوساط نظام الحكم والطبقة الحاكمة. حيث تصاعدت أصوات التذمر من جانب كبار الرأسماليين تجاه السياسة الاقتصادية و»وسطيتها»، وتجاه الحرس القديم ورموزه، وتجاه أوضاع عدم الاستقرار في نظام الحكم (خاصة مع تقدم الديكتاتور في العمر)، وهو ما مثّل أساسا لصعود تيار «إصلاحي» تحت لواء لجنة السياسات. وهو تيار يعكس في حقيقته، ليس وجود ميول ديمقراطية لدى جناح من الحكم، وإنما الميل المتزايد في أوساط رجال الأعمال الاحتكاريين – الذين صنعهم مبارك على مدى عشرين عاما – إلى التدخل المباشر في شئون الحكم لحماية مصالحهم في مجتمع لا توجد به أحزاب رأسمالية قوية يمكن الاعتماد عليها.

أما رد الفعل الثاني فهو ما يمكن أن نسميه رد الفعل من أسفل، أي من جانب الحركة الجماهيرية والسياسية المعارضة. فالأزمة ومظاهر ضعف النظام وخلافات رموزه بين حرس قديم وجديد، ساعدت على صعود حركة سياسية وجماهيرية غير مسبوقة منذ عقود. لكن وجه الخطأ في تحليل هذه الحركة الصاعدة هو اختزالها في ما يسمى بـ»حركة التغيير الديمقراطي» التي اندلعت في 2005 وانطفأت بعدها بعام أو أكثر.

الحقيقة أن حركة التغيير الديمقراطي هي مجرد واحدة من جبهات، وواحدة من مراحل، «رد الفعل من أسفل» على أزمة النظام والمجتمع. ففي مواجهة التشققات والشروخ في هيمنة الطبقة الحاكمة ومشروعها الليبرالي الجديد اندلعت، منذ أواخر عام ألفين، عدد من الحركات والمعارك والنضالات. فهناك حركة التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية، وهناك حركة مناهضة الحرب على العراق، وهناك انتفاضة العاطلين، وهناك حركة النضالات الديمقراطية للنقابات المهنية، وهناك حركة النضالات الاجتماعية للمهنيين، وهناك حركة الاحتجاجات العمالية، وهناك الانفجارات المحلية في الأحياء المختلفة، وهناك أخيرا «حركة التغيير الديمقراطي».

هناك لبس بخصوص حركة التغيير الديمقراطي. إذ يعتقد البعض أن تلك الحركة، لأنها اسمت نفسها «حركة تغيير ديمقراطي»، أو لأنها تطالب بمطلب سياسي شامل هو إسقاط النظام، هي حركة جامعة لكل الحركات الأخرى ومعبرة عنها وقائدة لها. هذا يكون صحيحا فقط عندما تكون تلك الحركة بالفعل تكثيفا سياسيا لكافة الحركات الأخرى، أي عندما «تراها» تلك الحركات على أنها قيادتها السياسية.

كان هذا صحيحا مثلا في حالة حزب المؤتمر الأفريقي بجنوب أفريقيا في علاقته بكل الحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للجماهير السوداء في مرحلة الفصل العنصري. وكان صحيحا أيضا بطريقة أخرى في حالة نقابة تضامن البولندية التي تحولت، في مسار تطورها، إلى قيادة سياسية لكل الشعب البولندي في نضاله من أجل التغيير. لكنه ليس صحيحا أبدا في حالة كفاية أو حركات التغيير وقوى المعارضة الأخرى. كفاية وغيرها من الحركات والقوى يمثلون حركة احتجاجية تنظم فقط جناح من المعارضين السياسيين المتضررين من الديكتاتورية القائمة. وبهذا المعنى فـ»حركة التغيير» هي مجرد واحدة من مظاهر رد الفعل من أسفل على أزمة الليبرالية والإمبريالية الجديدتين، ولكنها ليست بأي معنى تكثيف وتوحيد سياسي لكل تلك المظاهر الاحتجاجية، بالرغم من أنه كان ممكنا، لها أو لغيرها، أن تنجح في تحقيق هذا التوحيد لو توفرت شروط ليس هنا مجال نقاشها.

من هنا يمكن القول بأن تراجع حركة التغيير في مواجهة النظام، لأسباب ذاتية وموضوعية متعددة، لم يكن أبدا تعبيرا عن تراجع شامل في الحركة السياسية والجماهيرية. صحيح أن أزمة حركة التغيير لها أهميتها على مجمل توازن القوى السياسية في المجتمع. وصحيح أننا نحتاج إلى فهم هذه المسألة والتعامل معها. لكن هذا لا يساوي اعتبار أن مشروع التغيير قد أصابته نكسة تاريخية.

الرؤية التي نقدمها هنا هي الأساس المنطقي الوحيد لفهم لماذا انفجرت حركة الاحتجاجات العمالية والاجتماعية بالضبط في اللحظة التي اعتبر البعض أنها لحظة «هزيمة تاريخية لإمكانيات التغيير»! فالحقيقة أن أثر تراجع حركة التغيير وفشلها في تحقيق مشروعها، اقتصر فقط على خلق حالة إحباط سياسي في بعض الدوائر، ولم يمتد إلى تحطيم أي من قوى الرفض والاحتجاج المختمرة في المجتمع المصري.

والحقيقة أن أثر «عام التغيير» كان أن تكست قوى الحكم وتقلصت في مجموعة رجال الأعمال الاحتكاريين المنعزلة تماما عن الجماهير. فبعد مراوحة وذهاب وإياب انتهى الحال إلى إزاحة رجال الحرس القديم وسيطرة مجموعة من الليبراليين الجدد والسماسرة الكبار على السلطة تماما. وقد وضع هؤلاء على عاتقهم مهمة جليلة هي نهب البلد واستنزافه لمصلحة شلة الحكم والأصدقاء في أسرع وقت ممكن. وهو الأمر الذي زاد من عزلة الحكم في نفس الوقت الذي حققت فيه معركة التغيير حراكا سياسيا سمح بتوسيع هامش القوى المسيسة وأعطى الإخوان المسلمين فرصة عمرهم لتوضيح حجم تأثيرهم وقوتهم الجماهيرية. فإذا أضفنا إلى ذلك كله أن نتائج معركة عام التغيير لم تكن أبدا، بسبب طبيعة الوضع كله، تراجع قوى الرفض والاحتجاج التي أفرزتها الأزمة، فإن التوقع المنطقي هو أن هناك جولة قادمة في القريب.

وإذا كنا نعلم من تجربة حركة التغيير أن قوى التغيير الحقيقية أوسع كثيرا من نخب المعارضة غير ذات الجذور؛ وإذا كنا نفهم من خبرة النضالات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة أن تلك القوى الحقيقية بدأت تتحرك على نطاق واسع في المصانع والمزارع ومواقع العمل؛ وإذا كنا نرى أن تلك الحركة، على جبروتها والنجاحات التي حققتها، لم تتبلور سياسيا في صورة مشروع تغيير يربط الخاص بالعام والمصنع بالمجتمع والمطلب الاقتصادي بالمطلب السياسي؛ إذا كنا نعلم ونفهم ونرى كل ذلك، فإن الهدف المبتغى نظن أنه يصبح واضحا: خلق حالة استقطاب تأخرت في أوساط قوى المعارضة من أجل بلورة تيار سياسي يرى مركزية النضالات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، ويستميت في الاشتباك معها والمساهمة في حل إشكاليات تنظيمها وتوحيدها وتوسيعها، ثم يسعى – قبل ذلك كله وبعده – إلى تسييس تلك الحركة الوليدة والمركزية لتصبح هي، كما كان الحال في بلدان أخرى، رأس حركة حركة التغيير السياسي الجديدة التي ننتظر أن تولد في يوم قريب.