بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل يحصل المعتقلون على حقهم في الصحة في دولة تظلم الأبرياء؟

حق المواطن في الصحة هو حق أصيل له عند الدولة، لا يجب أن تتقاعس الدولة عن تقديمه تحت أي ظرف من الظروف، فهو من أولويات الإنفاق الحكومي عند أي نظام يحترم الإنسان، ومنع تقديم الخدمات الصحية هو جريمة في حد ذاته.

وإذا كان تقصير النظام المصري في تقديم الخدمات الصحية للمواطنين واضحا للعيان بسبب ضعف الإنفاق الحكومي على الصحة في مصر، فإن هناك شكلا آخرا يبدو متعمدا من أشكال حرمان فئة خاصة من المواطنين من الحصول  حتى على هذا الجزء “الضئيل” من الحق في الصحة، هذه الفئة هي المساجين سواء كان سجنهم كعقوبة أو كفترة حبس احتياطي على ذمة القضايا.

خلال الشهر الأخير حدثت 3 وقائع بخصوص هذا الأمر في الإسكندرية، الواقعة الأولى هي واقعة الطفل محمود عادل صاحب ال 14 عاماً المصاب بسرطان في العظام والذي تم القبض عليه أثناء القبض العشوائي على المتظاهرين في ذكرى الثورة الثانية، وظل أسبوعا في الحبس الاحتياطي قبل العرض على الطبيب في المستشفى الجامعي الرئيسي والذي يقوم بالكشف الإكلينيكي عليه بدون عمل أي فحوصات ثم يقرر رجوعه إلى الزنزانة بدلا من الحجز عنده في المستشفى حتى يتم الفحوصات في اليوم التالي! حاولت كثيرا إقناع الطبيب بأن طفلا مثلا هذا ليس السجن هو المكان الأمثل له كطفل مريض بالسرطان حتى لو كانت حالته لم تتفاقم، لأن المنزل ليس كالسجن بأي حال من الأحوال، ونحن في حالة هذا الطفل أمام خيارين للحبس الاحتياطي : إما السجن أو المستشفى، وبالتأكيد السجن ليس هو المكان المناسب له للحصول على الغذاء الملائم لحالته وليس هو المكان الذي نضمن فيه ألا يتم معاملته بخشونه وعدم آدمية كما نعلم أنه يتم مع باقي المساجين وهو ما يعرضه للكسور بنسبة أكبر من غيره بسبب طبيعة إصابته بسرطان العظام كما أن السجن ليس مناسبا لحالته النفسية كمريض بالسرطان تؤثر حالته النفسية على مرضه، ولكن لا حياة لمن تنادي، فقد قرر الطبيب أن قصة السجن لا تخصه، وأنه سوف يعامله كأقرانه وسوف يقرر خروجه، وليست قصته أين سوف يقضي ليلته ! مع أن من أبسط المبادئ الطبية أن يتأكد الطبيب أن المريض سوف يكون قادرا على تنفيذ تعليماته الطبية وأن الرعاية سوف تكون ملائمة له وهو خارج المستشفى وإلا فالحجز في المستشفى هو الخيار الوحيد المناسب له، تناسى الطبيب الوضع الخاص للمريض وتذكر فقط “بروتوكولات” الحجز التقليدية في المستشفى والتي كان يجب أن تضم مثل هذه الحالات.

الحالة الثانية كانت حالة المرحوم حسن شعبان صاحب الـ 35 عاماً والذي توفى في محبسه الاحتياطي يوم الأربعاء 13 فبراير في سجن الغربانيات في برج العرب حيث تم التجديد له فيه من القاضي ل 15 يوما إثر القبض العشوائي عليه مع المتواجدين في نطاق الأحداث أثناء اشتباكات سيدي جابر يوم الجمعة الموافق 8 فبراير، وقد كان المرحوم يعاني من داء السكري وقصور في الشرايين التاجية للقلب ورفرفة فوق أذينية وقد كان محجوزا في العناية المركزة لمستشفى جمال عبد الناصر في الأيام الأخيرة لشهر يناير الماضي أي قبل الأحداث بأقل من 20 يوماً! وقد حاول أهله وبعض النشطاء توفير العلاج له في محبسه أو عرضه على طبيب ولكن لم تجدي محاولاتهم، وقد رفض مسئولي السجن إدخال الإنسولين له لأنه يحتاج الحفظ في الثلاجة ولا يوجد ثلاجة عندهم للمساجين، فكانت النتيجة وفاة حسن شعبان بسبب حرمانه من حقه في العلاج.

الحالة الثالثة وهي الخاصة بالعاملين محمد بسيوني وفتحي محمد المصابين بالعصي الغليظة لعساكر الأمن المركزي أثناء فض اعتصام مصنع بورتلاند للأسمنت يوم الأحد الموافق 17 فبراير فكسرت ذراع فتحي بجانب كدمات وجروح متعددة في جسده بينما كسرت يد محمد بسيوني وكسر فكه الأسفل في موضعين، وقد تم عرضهما يومها على المستشفى الأميري الجامعي التي قام أطباؤها بعمل جبيرة ليد كل منهما، ولكن ظل فك محمد بسيوني بدون علاج، ثم اصطحب كلاهما لسجن الدخيلة للحبس الاحتياطي بكل ما بهما من كسور، ولا يحصلان في محبسهما اللذان ينامان على بلاطه في برد الشتاء سوى بعض المسكنات، وربما يتطوع طبيب أو آخر بالتغيير على جروحهما بشكل إنساني عندما يسمع عن قضيتهما!

في اليوم الخامس التالي للأحداث قرر المحامون تقديم التماس لنقلهما إلى المستشفى، وبعد إجراءات معقدة وصل المصابان إلى المستشفى الرئيسي الجامعي في الخامسة من صباح اليوم التالي ليقابل الأطباء الحالتين، ويتم تحويل فتحي إلى مستشفى الحضرة الجامعي التي تعيده إلى زنزاته، بينما تقرر طبيبة جراحة الوجه والفكين أيضا عودة المصاب بكسرين في الفك السفلي محمد بسيوني مع كتابة بعض التعليمات والأدوية له ومن ضمنها عمل كمادات مياه دافئة وتناول سوائل وأغذية سهلة الهضم مع عودته إلى زنزانته اليوم حتى موعد العرض لأن حالته لا تحتاج الحجز بكل كسوره من وجهة نظرها ! وحينمت حاولت مناقشتها في قرارها، قالت: إنها التعليمات رئيس القسم؛ تعليمات رئيس القسم والتعليمات مشددة أكثر في حالة المساجين بعد الحجز!

ثلاث وقائع قد تبدو للكثيرين أنها غريبة، ولكنها للأسف حدثت وكنت شاهدا على معظم أحداثها، وحاولت النقاش مع الأطباء أصحاب القرار في الحالتين الأولى والثالثة ولكن لم يجدِ النقاش أي نفع، الآن أتمنى أن يشترك كل المهتمين بحقوق الإنسان في المجتمع برمته للبحث عن حلول جذرية لمثل هذه الأمور، فنحن لا نتحمل حسن شعبان جديد، وسوف ألقي النظر على بعض أسباب هذه الظاهرة من وجهة نظري لعلها تساعد في الوصول لحل :

أهم الأسباب وأصعبها على الحل من وجهة نظري هو عدم استقلالية الأطباء في اتخاذ القرار، وأهم سبب لذلك هو ضعف دخلهم المادي الشديد في المستشفيات الحكومية داخل مصر فيلجؤون للعمل الخاص والذي يتحكم فيه كبار الأساتذة والأطباء الذين يسعى صغار الأطباء لإرضائهم، وأيضا بسبب الهيمنة الكاملة لأساتذة الجامعة على أقسامهم وفرض نظام هرمي أكثر صرامة من الجيش، فأستاذ الجامعة بالنسبة للنواب والمعيدين هو المتحكم في رسالة الماجيستير أو الدكتوراة الخاصة بهم وهي الأمور التي إن حصل عليها الطبيب سوف تفتح أمامه أبواب النعيم، لذا فالعمل على رفع أجر الطبيب وتحقيق المزيد من الاستقلالية المادية له، وإيجاد طرق بديلة للترقية تخفف من تحكم أساتذة الجماعة فيهم مثل فتح باب الزمالات أمام الجميع للترقية سوف يقلل من مثل هذه الضغوط عليهم.

السبب الثاني هو نظرة العديد من الأطباء مثل معظم أفراد الطبقة المتوسطة للمساجين على أنهم جميعا مجرمين حتى لو لم يتم الحكم عليهم مثل حالات الحبس الاحتياطي فتفتقر نظرة الأطباء لهم للإنسانية المفترض تواجدها عند تعامل الطبيب مع أي مريض حتى لو كان مجرما محكوما عليه أو عدوا محاربا له أو مخالفا له في المعتقد أوالجنس أوالأصل كما ينص قسم الأطباء، ومثل هذه النقاط يمكن حلها بمزيد من التوعية للأطباء والتأكيد على آداب مهنة الطب السامية.

السبب الثالث هو عدم رغبة الأطباء في أن يكون في قسمهم مسجونا تكون معه حراسة من الشرطة تجعل هناك وضعا استثنائيا داخل القسم وأيضا خوفا من التواجد الإعلامي في القضايا التي تشكل رأي عام كما قال لي الطبيب عن حالة الطفل محمود عادل المصاب بالسرطان، وهو ما يمكن حله عن طريق وجود غرفة خاصة في كل قسم لمثل هذه الحالات وحتى لو لم تتوافر ليس هذا مبررا لجريمة حرمان مريض أو مصاب من حقه في العلاج.

السبب الرابع هو ضعف المعرفة القانونية المتصلة بالطب عند معظم الأطباء مما يجعلهم مترددين دائما وخائفين من معارضة رؤساء أقسامهم في مثل هذه القرارات التي تحتاج إنسانية الطبيب واستقلاليته وممكن تنظيم بعض الدورات القانونية التثقيفية للأطباء لتغطية هذا الجانب من قبل القانونيين والحقوقيين المهتمين.

يجب أن يعلم زملائي الأطباء أنه في مثل هذه الحالات دورهم يكون محوري بالنسبة للمريض ولا يقل أهمية عن دور وكيل النيابة في تحديد مكان حجزه، فهل من المنطقي ونحن نعلم كأطباء أن المصاب بكسر أو ورم خبيث إن لم يتم حجزه في المستشفى سوف يعود إلى السجن أن نتركه نعود بكل هذه الآلام والأخطار ؟ تذكروا أن هؤلاء المرضى والمصابين القطاع الخاص ليس متاحا أمامهم للعلاج وهم في السجن مثل باقي المواطنين.

زملائي الأطباء: مسئوليتنا الأخلاقية والإنسانية والمجتمعية عظيمة جدا في هذه الأثناء، ويجب أن نحافظ على ثقة المجتمع فينا من خلال مراعاة ضمائرنا وعدم الاستجابة لأي ضغوط تمارس علينا، فنحن، ولا يجب أبدأ أن نكون أداة في يد النظام.

زملائي الأطباء: مهنتنا مهنة الإنسانية