بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حركة الإحياء الإسلامي في مصر.. الخلفية التاريخية والاجتماعية

أعادت مذبحة الأقصر – جرت وقائعها في السابع من شهر نوفمبر الماضي – والتحليلات التي تناولتها وحملات التأبين والتأييد غير المشروط التي كافة القوى السياسية الشرعية وغير الشرعية في إقامتها على شرف الدولة المصرية طرح قضية الحركة الإسلامية والموقف منها على أجندة التيار الاشتراكي الثوري. نظرًا لما يخالطها من تشوش وغموض وميل إلى التعميم وإطلاق الأحكام الكلية. وبداية يجب التنبه إلى أن أي محاولة لفهم الحركات الإسلامية الراديكالية يشترط مسبقًا تحديد ركائزها الطبقية (الشرائح والفئات الاجتماعية المكونة لها) وإستراتيجياتها وتكتيكاتها السياسية وصيرورة تطورها الاجتماعي. خاصة عندما ينبئنا هذا التطور عن تمايز أو انقسام حاد بين فصائل الحركة على قاعدة رؤيتها الاجتماعية والسياسية ومشروعها للتغيير. وسأحاول في هذا المقال تحديد السياق التاريخي والاجتماعي لتبلور الحركة الإسلامية على أن استكمل في مقال تال تحليل خطابها السياسي.

الحركة الإسلامية والنشأة الأولى:
بدأت حركة الإحياء الإسلامي مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مارس 1928 كرد فعل على ضعف البرجوازية المصرية وفشلها في انجاز ثورتها وحسم المسألة الوطنية (انحسار ثورة 1919 – الاستقلال الشكلي والبرلمانية المنقوصة لدستور 1923)، إضافة إلى الآثار الاجتماعية لتفاقم معدلات الاستغلال والتراكم الرأسمالي في الريف المصري والتي تسببت في موجات نزوح جماعية إلى المدن والمراكز الصناعية الناشئة (بلغ حجم موجات النزوح الجماعي في عام 1920 وحده قرابة 300 ألف شخص)، مثلث هذه التشوهات ركائز صعود وتبلور جماعة الإخوان المسلمين كحركة احتجاج للبرجوازية التقليدية (متوسطي الملاك الزراعيين – التجار)، وبعض شرائح البرجوازية الحديثة من المهنيين وطلاب الجامعات، إضافة إلى قاعدة عريضة نسبيًا من العاطلين والمهمشين اجتماعيًا. وقد نما نفوذ الإخوان وسط هذه الشرائح في مواجهة السياسات الرجعية لأحزاب القصر، وجزئيًا على حساب الوفد الممثل الرسمي للبرجوازية الوطنية.

وقد استمر ذلك حتى منتصف الثلاثينات حيث شهدت الفترة التالية طفرة في عضوية ونفوذ الإخوان بعدما أدت مشاركة الوفد في معاهدة 1936 ونشوب الثورة الفلسطينية إلى تنامي شعبية الحركة والإفصاح عن طابعها السياسي. ذلك بعد أن ظلت لفترة طويلة تحجم عن الانخراط العلني في الصراع السياسي الاجتماعي الدائر. وعلى الرغم من اتساع قاعدة التأييد الشعبي لحركة الإخوان المسلمين – حيث وصل حجم عضويتها في منتصف الأربعينات طبقًا لبعض التقديرات إلى حوالي نصف مليون عضو – إلا أن الحركة ظلت أسيرة الوعي الطبقي للبرجوازية الصغير بكل انتهازيته وقصوره وتردده السياسي. وقد تجلى ذلك في الطابع الشعبوي لبرنامجها الذي دار بالأساس حول معاداة الاحتكار والمطالبة بإجراء إصلاح زراعي، تأميم الشركات الأجنبية وفرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الدخول الكبيرة.

وعلى الصعيد السياسي تبدت انتهازيتها في تقلبها ما بين القصر والجناح اليميني للوفد وحركة الضباط الأحرار. وقد انعكست هذه التخبطات على تكتيكاتها السياسية ورؤيتها للتغيير، فبينما اعتمد الفصيل الأساسي في الحركة منهج الدعوة والتغيير السلمي، أكد النظام الخاص على أهمية العلم السري والمواجهة المسلحة (تنظيم جناح عسكري – اغتيال محمود فهمي النقراشي 1948 – محاولة تفجير محكمة الاستئناف)، وقد عبرت هذه التباينات عن مأزق حركة الإخوان المسلمين واستيعابها لشرائح اجتماعية تختلف فيما بينها في تفسير أزماتها الاجتماعية ورؤيتها لإمكانية التغيير. وإن كانت الهيمنة السياسية والتنظيمية ظلت بيد التيار المعبر عن البرجوازية التقليدية، وهو ما أنعكس لاحقًا في معارضة حسن الهضيبي – المرشد للجماعة – لسياسات الإصلاح الزراعي حيث طالب بتحديد سقف الملكية بخمسمائة فدان بدلاً من مائتين. إلا أنها هيمنة لم تدم طويلاً إذ سرعان ما انقسمت الحركة حول موقفها من انقلاب 1952، والذي تقلب بدوره ما بين تأييد مجلس قيادة الثورة في إلغاء دستور 1923 وحل الأحزاب السياسية ثم الانقلاب عليه في 53/1954، وهي التطورات التي أدت لحل الجماعة وقمعها خلال الفترة 1954 – 1965.

شهدت فترة الكمون التي امتدت من منتصف الخمسينات إلى أوائل السبعينات العديد من التغيرات الاجتماعية والسياسية في حركة الإخوان المسلمين. تمثلت بالأساس في تنامي ثقل ونفوذ الجناح البرجوازي نتيجة لتزايد كوادر الحركة التي راكمت ثروات واسعة من عملها في دول الخليج خلال هذه الفترة. إضافة إلى دعم بعض الأنظمة الملكية الرجعية (السعودية) للحركة، وهو ما أنعكس بالضرورة على مشروعها السياسي حيث تخلت عن محاولة إسقاط النظام واقتصرت على الدعوى لإصلاح المجتمع وتكريس القيم والسلوكيات الإسلامية. الأمر الذي تبدي في ممارستها السياسية سواء في قبولها بصيغة السادات للعمل ضد الناصريين وبقايا الشيوعيين في الجامعات، أو في تغاضيهم عن قمع الدولة للتيار الراديكالي داخل الحركة الإسلامية ذاتها (تنظيم الفنية العسكرية 1974 – تنظيم التكفير والهجرة 1977)، أو في إدانتهم لانتفاضة 18 و19 يناير ووصفها بالمؤامرة الشيوعية مما منح النظام شرعية هائلة في أشد لحظات تداعيه السياسي.

ما بين حظر جماعة الإخوان المسلمين وعودتها في عام 1971 بدأت جذور ما أصطلح لاحقًا على تسميته بجماعات التكفير في النمو (تنظيم نبيل البرعي 1958 – تنظيم عبد الفتاح إسماعيل 1965 – مجموعة الفنية العسكرية 1974 – جماعة التكفير والهجرة 1977 – تيار الجهاد 1981). وعلى الرغم من الدور الذي لعبه التعذيب والقمع الجسدي. الذي عانته كوادر الحركة اللإخوانية الشابة على يد النظام الناصري. في صياغة الإيديولوجية الإسلامية الراديكالية إلا أن الانحراف الإصلاحي قد فاقم من حدة الانقسام داخل الحركة الإسلامية. ففي مقابل الرؤية الأخلاقية وصرف الصراع الاجتماعي إلى الميدان الثقافي والقيمي (وهي الرؤية التي صاغتها قيادات الإخوان في بداية السبعينات وعكست التحول في موازيين القوى والركائز الاجتماعية داخل الحركة)، صاغت الحركة الجهادية رؤية مغايرة انطلقت من إدانة المجتمع القائم ووسمه بالجاهلية ثم التأكيد على ضرورة إسقاط النظام وإقامة الدولة الإسلامية (الحاكمية) على يد العصبة المؤمنة.

وقد تجسدت هذه الرؤية على المستوى الحركي في منهجين متمايزين: أولهما (الذي تبنيه جماعة المسلمين أو التكفير والهجرة) هو الحل الانسحابي، باعتباره السبيل الوحيد لمفارقة مجتمع الكفر. فضعف العصبة المؤمنة وعدم قدرتها على المواجهة يماثل المرحلة المكية طبقًَا للدستور الإسلامي وبناءًا على ذلك يصبح الانسحاب والعزلة لحين التمكين (المرحلة المدينية) هي إستراتيجية الحركة. ثانيهما (وهو ما تبعته الجماعات التي أقتصر حكمها بالكفر على الدولة ومؤسساتها وليس على المجتمع كله) هو ضرورة العمل على تغيير النظام ومن ثم الاعتماد على منهج انقلابي في الممارسة. ومن الأمثلة الواضحة لذلك النهج جماعة الفنية العسكرية، وعلى الرغم من تناسخ المنهجين فيما بعد بين فصائل وتنظيمات الحركة الإسلامية إلا أن إستراتيجية النكوص الانسحابي قد تراجعت لصالح الرؤية الانقلابية.

الأساس الطبقي وتمايز الحركة الإسلامية:
تكمن العوامل الرئيسية في صعود حركة الإحياء الإسلامي، في التشوهات التي يسببها الانخراط القسرى والمتأخر لمجتمعات بعينها في نمط الإنتاج الرأسمالي. حيث تؤدي صيرورة التطور الرأسمالي والتحولات التي تلحق بالعلاقات الإنتاجية والاجتماعية السائدة على تغيرات عنيفة في البناء الطبقي لتلك المجتمعات. فتظهر طبقات وشرائح اجتماعية جديدة تعتلي قمة الهرم الطبقي على حساب الشرائح التقليدية. بينما يؤدي تفكيك العلاقات الإنتاجية التقليدية في الريف إلى إفقار قطاعات واسعة من البرجوازية الصغيرة. فالتحولات الرأسمالية، التي خرجت من رحم المجتمعات القديمة في غرب أوربا ودفعتها خطوات على سلم التطور خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وحينما تدخل بشكل قسري على المجتمعات الرأسمالية المتأخرة تؤدي إلى تدمير أبنيتها التقليدية، إلا أنها تفشل – بسبب التشوهات العضوية للبرجوازية المحلية وظروف اندراجها في التقسيم الدولي للعمل – في استيعاب شرائح واسعة ممن انهارت أنماط حياتهم ومستويات معيشتهم. ومع إحساس هذه الفئات بطغيان أنماط وطرائق الإنتاج الجديدة وعجزها عن المنافسة أو الحفاظ على شروط وجودها المادي تبدأ في مهاجمة الرأسمالية عبر دفاعها عن النظام الاجتماعي البائد.

حكمت هذه السيرورة صعود حركة الإحياء الإسلامي في مصر. فمصر ألحقت بتقسيم العم الدولي تحت ضغط التوسع الإمبريالية وتزايد الحاجة لفتح أسواق جديدة، وأفرز ذلك بها العديد من التشوهات. تمثلت في وجود جزر معزولة للتراكم الرأسمالي الصناعي داخل مجتمع ريفي بدائي ومتخلف لم يلبث أن خضع تدريجيًا لعملية الرسملة حيث أصبح التبادل شرط الإنتاج. إلا أن التي لم تقطع علاقاتها كلية بأنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية السائدة في الريف، قد عرقلت إمكانية اسكتمال رسملة المجتمع فظلت عملية الإنتاج في الريف على بدائيتها وتخلفها. إلا أن التدمير المتسارع لعلاقات الإنتاج القديمة أدى إلى الإضرار بالعديد من الفئات الاجتماعية خاصة البرجوازية الصغيرة التقليدية (صغار الملاك في الريف – صغار التجار – الحرفيين) حيث خفقت في الالتحاق بالقطاع الصناعي المتقدم بينما كانت تفقد في الوقت ذاته إمكانية الحفاظ على قاعدة وجودها المادي. من ناحية أخرى أدى ضعف النمو الرأسمالي إلى عجز المراكز الصناعية عن استيعاب الفيض المتزايد من قوة العمل النازحة من الريف إلى هوامش المدن. أنتج ظاهرة مدن التصدير أو أحزمة الفقر، التي ضمت قطاعًا واسعًا من البروليتاريا والفلاحين الفقراء القابعين على هامش عملية الإنتاج والعاجزين عن الانخراط فيها مما أدى إلى تزايد نقمتهم وتمردهم على الواقع الاجتماعي برمته.

مع فشل البرجوازية المحلية عن استكمال مهام التطور الرأسمالي وتنطع الدولة للقيام بها تفاقم حجم التشوهات الاجتماعية. حيث هشمت سياسات التنمية في حقبتي الخمسينات والستينات شرائح البرجوازية الصغيرة التقليدية لصالح الروافد الحديثة من التكنوقراط والبيروقراطي والمهنيين الذي أحتاجهم جهاز الدولة لإتمام عملية التطور الرأسمالي. هذا الوضع أدى إلى العصف التام بالعلاقات الاجتماعية التكافلية المتبقية في الريف. وفي المرحلة التالية وبسبب ضعف التراكم الرأسمالي عجز القطاع الصناعي الحديث عن المنافسة وفقًا لشروط السوق العالمي، وبدأت الأزمة بشقيها المحلي والعالمي في العصف بالشرائح الحديثة التي تشكلت في المرحلة الأولى. وهكذا بدأت معدلات البطالة في التفاقم وتزايدت حدة التردي الاجتماعي في صفوف شرائح البرجوازية الصغيرة، وبالتالي تفاقم تذمرها ونقمتها على جهاز الدولة والتحديث الرأسمالي للمجتمع باعتباره المسئول عن معاناتها.

إن هذه التشوهات، التي يفسرها لنا قانون التطور المركب واللا متكافئ لاقتصاديات البلدان الرأسمالية المتأخرة، تدفع في العادة الفئات التي تعرضت للإفقار والتهميش إلى معاداة التحديث الرأسمالي والإمبريالية باعتبارها المسئولة عن تدهور أوضاعها الاجتماعية. إلا أن الطبيعة المتناقضة للبرجوازية الصغيرة والتي تتمثل في عجزها عن صياغة مستقلة خاصة بها، تؤدي إلى تغييب الطابع الاجتماعي لأزمتها وحرف الصراع إلى مجالات أخرى. إن مأزقها يدفعها كما يقول ماركس في “الثامن عشر من بروميير” إلى (استدعاء أرواح الماضي لتخدم مقاصدها تستعيد منها الأسماء والشعارات التقليدية والأزياء لكي تمثل مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي، في هذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم، وفي هذه اللغة المستعارة). إن النوستالجيا التاريخية التي تهيمن على البرجوازية الصغيرة تعبر عن وضعها المتأزم، مابين حنينها لماضي ذهبي ينهار تحت وطأة النمو الرأسمالي وعجزها عن بلورة عدائها للرأسمالية على قاعدة طبقية واضحة.

الأساس الطبقي للحركة الإسلامية:
تباينت الخلفيات والأصول الاجتماعية التي شكلت حركة الإحياء الإسلامي في مصر على مدار القرن الحالي، بسبب تباين الشرائح التي خضعت للإفقار والتهميش مع توغل الرأسمالية وهيمنتها على عملية الإنتاج وبصفة عامة تكونت الحركة من أربع شرائح اجتماعية أساسية.

أولاً: إسلامية المستغلين القدماء:
أعضاء الطبقات التقليدية التي فقدت مكانتها وسيطرتها الطبقية مع تنامي التحديث الرأسمالي للمجتمع وتضم هذه الفئة ملاك الأراضي والتجار التقليدين، إضافة إلى رجال الدين وأصحاب المحلات والورش. حيث شكلت مجتمعة مصدر التمويل الرئيسي للحركة الإسلامية، نظرًا لأن رسملة المجتمع كانت تعني بالضرورة القضاء على القاعدة المادية للموقع الطبقي لهذه الفئات ومن هنا أتت معارضتها لسياسة الإصلاح الزراعي وغيرها.

ثانيًا: إسلامية المستغلين الجدد:
وهم الرأسماليون الذين صعدوا من صفوف الشريحة الأولى أما اعتمادا على تراكمها الأولى (في حالة كبار ملاك الأراضي) أو في سياق التنافس بين الأنظمة الرجعية العربية ونظام رأسمالية الدولة الناصري (كوادر الإخوان المسلمين الذين راكموا ثروات هائلة من العمل في بلدان الخليج خلال حقبتي الخمسينات والستينات). هؤلاء اندمجوا في سيرورة الإنتاج الرأسمالي، إلا أنهم عانوا من محاباة النظام لبعض الفئات بالإضافة إلى الشرط المجحفة التي يفرضها تقسيم العمل الدولي.

ثالثًا: إسلامية الفقراء:
من المعدمين وحثالة البروليتاريا الذين نزحوا من الريف إلى المدينة، تحت وطأة الطرد المتزايد نتيجة رسملة علاقات الإنتاج الريفية. وهؤلاء شكلوا حزامًا من الفقر حول المدن الرئيسية نتيجة لعجز القطاعات الإنتاجية الحديثة عن استيعابهم.

رابعًا: إسلامية الطبقة الوسطى الجديدة:
والتي تشكلت بالأساس من أبناء البرجوازية الصغيرة المدينة، التي راهنت على إمكانية استيعابها داخل جهاز الدولة والقطاع العام وعصفت الأزمة العضوية الرأسمالية بآمالهم. هؤلاء تحولوا إلى كتل من المتعطلين والناقمين بالتالي على سياسات الدولة التي تدفعهم السلم الاجتماعي.

مثلت الشرائح الأربع السابقة لحم ودم الحركة الإسلامية، إلا أن التمثيل العضوي لكل منها قد تباين وفقًَا لدرجة ومستوى التطور الرأسمالي. بالإضافة إلى أن التبادلات والتغيرات الاجتماعية التي شاهدتها طوال ما يزيد على سبعين عامًا، أدت إلى إفراز رؤى وأيديولوجية متمايزة وأحيانًا متعارضة انعكست بالتالي على مشروعها السياسي ورؤيتها للتغيير. وهذا ما سنحاول تناوله في مقال آخر.