بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حركة القضاة إلى أين؟

بعثت حركة القضاء الكثير من الآمال في نفوس المناضلين في حركة التغيير.. لكن جاءت موافقة القضاء على الإشراف على الانتخابات الرئاسية في جمعيتهم العمومية الأخيرة، ومن بعدها برقية التهنئة التي بعث بها رئيس نادي القضاة إلى مبارك، وأخيرًا تراجعهم عن الاعتصام يوم 21 أكتوبر احتجاجًا على عدم الاستجابة لمطلبهم بإصدار قانون السلطة القضائية، جاءت كل هذه الأمور مخيبة للآمال.. إلا أن الوضع لازال مرتبكًا، ولازالت جذوة الاحتجاج مختمرة في نفوس كثير من القضاة.. إلى أين ينتهي المطاف؟ يحاول علاء سعيد الإجابة على السؤال.

تعول كل التجمعات والتيارات الإصلاحية في مصر حاليًا على تحركات القضاة منذ هبة نادي قضاة إسكندرية الشهيرة، خلال مارس 2005، ثم ما تبعها من انعقاد الجمعية العمومية لنادي القضاة بالقاهرة، فقي مايو ثم سبتمبر الماضيين، قبيل انتخابات الرئاسة، وقد ظهر ذلك من حرص حركة كفاية والتحالف الوطني وغيرهما على الاحتشاد الموازي والمؤيد لعموميات القضاة.

ومن يتبع حركة القضاة، يجد أنها مسبوقة بغليان قديم، منذ اختيارهم ليحيي الرفاعي الملقب بشيخ القضاة ذو الميول المعارضة، رئيسًا لناديهم خلال الثمانينات وائتلافهم معه حول مطلب استقلال السلطة القضائية، الذي يرقد مشروعه من وقتها في أدراج المجلس الأعلى للقضاء دون تقديمه لمجلس الشعب.. واستعادت الحكومة النادي لفترة، ثم عاد إلى أنصار استقلال القضاة برئيس النادي الحالي زكريا عبد العزيز ضد مرشح الحكومة الرئيس السابق للنادي مقبل شاكر. إلا أن الطبيعة المحافظة لتلك الفئة والمتجسدة بجلاء في رئيس ناديه، تغلبت على مؤشر حركتهم. فبعد الهبة القوية التي حملت معها آمال الطامحين إلى التغيير وقفزت بحركتهم إلى مستوى فاق توقعات الكثيرين، وبعد تقريرهم التاريخي ضد إجراءات الاستفتاء على تعديل المادة 76، تراجعت حركة القضاة إلى الموافقة على الإشراف على انتخابات الرئاسة رغم انتفاء مطالب النزاهة التي حملتها عموميتا القضاة ورغم اعتراضهم على مشروعية لجنة الانتخابات المعينة من قبل الدولة واستبعاد أكثر من 1700 قاض، من المحسوبين على حركة الاستقلال، واستبدالهم بمعاوني النيابتين الإدارية والعامة، وموظفي هيئة قضايا الدولة. ويبدو أن واقعة الاستبعاد هذه، بجانب عملية التنكيل بقضاة مجلس الدولة خلال حركات التنقلات التي سبقت انتخابات الرئاسة، كانت عقوبة تفوق طموح الاستقلال لدى حركة ليست مهيئة لدفع ثمن استقلالها.

فقد تمخضت عمومية القضاة التي انتظرتها واحتشدت لها جميع حركات التغيير، في بداية سبتمبر، إلى الموافقة على الإشراف على انتخابات الرئاسة، وإن جاءت الموافقة بأغلبية بسيطة وبجمعية عمومية نقصت الثلث عن اجتماعها الشهير في 13 مايو، بحجة أنهم سيعلنون تبرأهم من نتائجها أمام العالم إذا لم تتوافر فيها متطلبات الشفافية. ورغم عدم توفر هذه المتطلبات التي حددها القضاة أنفسهم، وأبرزها عدم توفير نسخ من كشوف الناخبين لمندوبي المرشحين، حتى أن أحد المرشحين، العجرودي، فشل في إيجاد اسمه لحظة تصويته، ورغم ذلك فاجأ زكريا عبد العزيز رئيس نادي القضاة، الجميع ببرقية تهنئة إلى مبارك نصت على “إن القضاة يهنئون السيد رئيس الجمهورية بثقة شعب مصر العظيم.. وإنهم يهنئون أمتهم بإجراء أول انتخابات في تاريخها والتي اتسمت رغم بعض السلبيات بنزاهة تسمح بالاطمئنان إلى سلامة نتائجها حسب شهادات الزملاء الذين شاركوا في الإشراف عليها”. وهنا يسبق رئيس النادي ويوجه تقرير لجنة المراقبة التي شكلها النادي حول انتخابات الرئاسة إلى تأييد ما جرى، وهذا ما سبب امتعاضًا واستهجانًا من زملاء زكريا بالنادي، أبرزهم محمود مكي نائب رئيس محكمة النقض الأسبق الذي عد البيان إسباغًا للشرعية على الانتخابات وافتئاتًا على عمل اللجنة المختصة. ولعل تلك الخلافات هي السبب في إرجاء تقرير اللجنة حتى هذه اللحظة، بعكس ما حدث تجاه الاقتراع على التعديل الدستوري للمادة 76.

الآن يحاول القضاة رفع نفس المطالب قبل انتخابات مجلس الشعب، وأول مطالبهم يدور حول مدة عملية الاقتراع التي طالبت الهيئة القضائية، ممثلة في النادي، يجعلها على خمس مراحل، لا ثلاثة كما حدث في الانتخابات النيابية السابقة. وقد أسهم الرفض الحكومي في عودة التوتر بين الحكومة ونادي القضاة الذي كان يرغب من وراء اقتراحه بالخمس مراحل، تكريس إشراف القضاء الجالس على جميع اللجان العامة والفرعية، وتقليل أعداد أعضاء النيابة العامة والإدارية وهيئة قضايا الدولة المشرفين على هذه الدوائر.. ورغم تلك المطالب العادلة، إلا أن القضاة لم يتخذوا أية خطوة عملية حتى الآن، وكأنهم، كأفراد، يأملون في جزرة الإشراف الصوري، ويهابون عصا الإبعاد، التي مورست مع بعضهم خلال انتخابات الرئاسة.. ويبدو أنهم قنعوا بوعد مبارك بمناقشة مشروعهم حول قانون السلطة القضائية الجديد، خلال الفصل الأول من عمل البرلمان القادم، فتخلوا عن اقتراح الاعتصام المفتوح يوم 21 أكتوبر إذا لم ينظر المجلس الأعلى للقضاء في مشروع الاستقلالية قبل ذلك التاريخ، بما يفرض عرضه على البرلمان، بغض النظر عن وعود الرئيس التي جربها الصحفيون قبلهم في مسألة عقوبة الحبس.

الجدير بالذكر أن هذا المشروع يتضمن، اختيار أعضاء مجلس القضاء الأعلى بالانتخاب الحر المباشر، بين كافة القضاء، وكذلك تخصيص ميزانية مستقلة للقضاء، كما ينقل التفتيش القضائي من وزارة العدل إلى مجلس القضاء الأعلى.