بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

هل تستفيد من تجاربها السابقة؟

حركة التغيير بين النخبة والجماهير

شهدت الأسابيع الأخيرة دفقة دم جديدة في حركة التغيير الديمقراطي جاءت بالإعلان عن الحملة المصرية ضد التوريث، في وقت تشهد فيه الساحة جدل واسع في الصحافة والفضائيات وشبكة الإنترنت حول مستقبل الحكم في مصر. وبالطبع لا يعني مجرد الإعلان عن الحملة أنها قادرة على خلق تأثير مفارق في مجريات الأمور، خاصة إذا ما سارت على النهج القديم للحركة عامي 2004 و2005. كما أن دفقة الدم هذه لا تعني أن حركة التغيير قد عادت إلى الحياة، بقدر ما تعني أن إمكانية جديدة للتصاعد صارت محتملة.

والحقيقة أن شروط موضوعية عديدة تدفع إلى هذا التصاعد. يأتي على رأسها زخم الأحداث خلال العامين المقبلين، اللذان يشهدان انتخابات تشريعية في 2010 ورئاسية في 2011. إضافة بالطبع إلى وصول مبارك إلى أرذل العمر مما يدفع الجميع إلى التساؤل عن المستقبل، ويدفع البعض إلى البحث عن بدائل واقتراحها. أما العنصر الأهم فهو قيام النظام بالتقدم خطوة واسعة إلى الأمام باتجاه مشروع التوريث، ظهر ذلك بوضوح فيما جرى أثناء التحضير للمؤتمر الجديد للحزب الوطني، كما ظهر في جولات جمال مبارك الاستكشافية والحملات التي دشنها عملاءه على شبكة الإنترنت، وظهر في أوضح صوره في تصريحات نظيف التي أعلن فيها أن جمال مرشح محتمل للرئاسة.

دروس معركة التغير

المهم هنا هو كيف نتعلم من خبراتنا، وهل ستستوعب حركة التغيير دروس ما جرى منذ بضعة أعوام؟ فلا شك أن كفاية وأخواتها –حسب التعبير الشائع- نجحت، منذ اندلاع أولى مظاهراتها في ديسمبر 2004 وحتى نهاية معركة القضاة في أبريل 2006، في كسر العديد من الخطوط الحمراء وخلق مزاج عام تحريضي، لكنها بالتأكيد فشلت في التحول إلى حركة شعبية تتبنى أقسام من الجماهير –خارج الأقلية السياسية من النشيطين المعارضين- مطالبها وترفع شعاراتها. هذا بدوره أدى بالطبع إلى انحسار الحركة وتقوقعها حول نفسها، وربما يكون الاشتراكيون هم الجناح الوحيد داخل الحركة الذي قدم انتقادات واضحة لطابعها النخبوي ذاك، على الرغم من جذرية مطالبها، منذ بداياتها الأولى.

إن فكرة تعبئة الأقلية السياسية من المعارضين بمختلف تلاوينهم، بهدف إسقاط النظام وانتزاع الديمقراطية، ليس بمقدورها تحقيق هذا الهدف أو حتى التقدم بعض الخطى في سبيل تحقيقه. هذا الدرس يجب ألا يضيع عن بال أحد، فلا سبيل لانتزاع أي مطلب ديمقراطي دون تعبئة أقسام من الجماهير وراء ذلك المطلب، ولا سبيل لتحقيق هذا دون التوجه إلى تلك الجماهير، التي تناضل اليوم من أجل تحسين شروط حياتها، وتعبئتها وراء مطالب التغيير. هذه المهمة –تعبئة الجماهير- تضع على عاتق المناضلين من أجل التغيير أولويات واضحة تفرض على نضالهم عدة شروط مركزية.

فلابد أولاً أن يظهر النضال من أجل الديمقراطية في أعين الجماهير بصفته أداة لتحسين شروط حياتهم وفرض مطالبهم الاجتماعية، فالديمقراطية المحايدة التي تنطلق من المفاهيم الليبرالية المجردة لا تشغل بال الجماهير المهمومة بلقمة عيشها، ولا تعني لهم شيئاً. وهذا لا يتحقق بمجرد وضع المطالب الديمقراطية مع المطالب الاجتماعية في برنامج أو حزمة واحدة، وإنما شرط تحققه هو أن تخضع المطالب الديمقراطية لأغراض النضال الاجتماعي. فمثلاً الدعاية ضد التوريث يجب صبها على دور جمال مبارك في تسييد الليبرالية الجديدة وتكريس سلطة رجال الأعمال، وما سينجم عن توليه السلطة من إفقار وتجويع مضاعف. وعند تدشين حملة للمطالبة بانتخابات نزيهة أو إصلاح دستوري، لا مفر من توظيف أدواتها في خدمة احتياج الجماهير إلى مؤسسات ديمقراطية تكون قادرة على انتزاع حقوقها المهدرة، وهكذا.

ولابد ثانياً من التأكيد على مركزية العداء للإمبريالية والصهيونية في أي معركة للمطالبة بالديمقراطية. فالأفق الليبرالي لمطالب التغيير، لدى العديد من القوى والتيارات، يدفع إلى ظهور المعركة في أعين الجماهير كواحدة من تجليات السياسة التدخلية للإمبريالية في المنطقة. وهو ما يدعيه النظام بتبريره للاستبداد كأداة لحماية «الأمن القومي» لمصر، وكأنه ليس هو الغارق حتى أذنيه في مستنقع التبعية لأمريكا وإسرائيل! ادعاء النظام هذا يجد دائماً صدى لدى الجماهير تسمح له بانتزاع مشروعية مفتعلة لاستبداده، فلا شك أن العداء للإمبريالية والصهيونية عميق الجذور في وجدان عامة المصريين. ولذا لا مناص من وضع ذلك العداء في قلب أي معركة للنضال الديمقراطي، إذا ما كانت تعبئة جماهير المصريين ورائها شرطاً مركزياً لانتصارها.

قضية مركزية

ولابد أخيراً من اعتبار مسألة تعبئة الجماهير وراء المطالب الديمقراطية هي القضية المركزية للحركة، التي تنطلق منها جميع الأسئلة، وتستهدفها كل الإجابات. وذلك فيما يخص جميع الأمور المتعلقة بأي جبهة تحتاجها المعركة، وأي شعارات ومطالب ترفعها، وأي طرق للتنظيم وأدوات للدعاية تنتهجها، وأي ثوابت لابد من تحديدها في المواقف والتوجهات، وأي أشكال مطلوبة للتحرك وسط أي جمهور، الخ. لقد عانت حركة التغيير طويلاً فيما مضى بسبب حلقية القوى المنتظمة داخلها وميولها لتقسيم الحركة وتفكيكها، كما عانت من الميل لجعل تحقيق الشعبية أمراً ثانوياً في مقابل انشغال كل طرف بالتأكيد على مواقفه «الصحيحة» –كما يتصورها- ودون أي اعتبار لفرص الحركة في النمو والانتشار وسط الجماهير. ولا أمل دون التعامل بحسم مع تلك الميول، التي ستعود من جديد بلا شك، ودفع الأمور جميعها في اتجاه التخلص من الحلقية والإعلاء من شأن التعبئة الجماهيرية.

إذا كان لا معنى للبكاء على اللبن المسكوب، فإنه لا مفر من تعلم الدروس واستيعابها والبناء على خبرتها، فالمستفيد الوحيد من إعادة الكرة هو الديكتاتورية ونظامها الحاكم. وإذا كان تراجع الحركة فيما مضى لم يأت سلباً في المطلق بسبب تصاعد النضالات الاجتماعية، التي لعبت جسارة حركة التغيير وكسرها للخطوط الحمراء دوراً غير مباشر في إذكاءها، لكن ربما تأتي هزيمة جديدة للحركة اليوم بإحباط مضاعف وفترة موات بعيدة المدى تسمح للديكتاتورية بتثبيت أوضاعها والعصف بكل من يناوئها، ولا سبيل لتجاوز ذلك الخطر دون استيعاب الخبرة، والسعي وراء جماهير الفقراء أصحاب المصلحة الحقيقية في إسقاط النظام، والقادرين وحدهم على تحقيق النصر في المعركة.