بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حرية ارتداء النقاب.. حريتنا

لم يكن إعلاء قيم التنوير هو الدافع وراء قرار شيخ الأزهر بمنع ارتداء النقاب داخل جامعة الأزهر والمدن الجامعية الخاصة بالطالبات وفصول المعاهد الأزهرية الخاصة بالفتيات، ولم يكن حماية وتأمين الطالبات في المدن الجامعية العادية هو الدافع أيضاً وراء قرار وزير التعليم العالي هاني هلال بمنع المنتقبات من السكن أو حتى دخول المدينة الجامعة، فلم يكن هناك دافع في كلتا الحالتين سوى القمع، والتزامن بين القرارين ليس صدفة، فقرار شيخ الأزهر لم يكن سوي مقدمة لقرار وزير التعليم العالي بحرمان المنتقبات من السكن الجامعي، وبهذا يستمر شيخ الأزهر في تقديم الغطاء الديني اللازم لقرارات النظام القمعية.

فشيخ الأزهر قرر استخدام سلطته كشيخ لأكبر مؤسسة دينية في مصر والدول الإسلامية – سلطة ينعم بها بواسطة مرسوم رئاسي للتعين كشيخ للأزهر صادر سنة 1996 ولن ينزل عن سلطته إلا بالوفاة أو بمرسوم رئاسي أخر لعزله – والتدخل بكل ثقله السياسي والديني لإجبار طالبة لم تتجاوز الثانية عشرة عاماً من عمرها على خلع النقاب الذي ترتديه داخل الفصل الدراسي بحجة عدم وجود رجال داخل الفصل (باستثناءه هو بالطبع)، ليصدر بعدها قراراً يعمم الأمر على كل المعاهد الدينية وعلى ساحة الحرم الجامعي الأزهري والمدينة الجامعية. وبغض النظر عن صحة فتواه من عدمها، فإن منع الطالبات اللاتي يرتدين النقاب من الدراسة بالمعاهد الأزهرية ومن دخول الحرم الجامعي أو السكن بالمدينة الجامعية لا يمكن إلا أن يكون تمييزاً صرفاً ضد فئة من الدارسين بسبب عقيدة دينية أو فكرية، فشيخ الأزهر عندما يستخدم سلطته البطريركية لفرض رأي ديني أو فتوى دينية على الناس بالقوة فلا يمكن اعتبار ذلك أي شيء سوى أنه قمع بسلطة القانون، قمع يمارسه شخص يستمد سلطته بالأساس من سلطة قمعية ومن رئيس أبدي لا يتغير ولم يختاره أحد، مثله في هذا مثل شيخ الأزهر الذي لم يختاره أحد أيضاً.

شيخ الأزهر رأى أن قضية منع النقاب داخل فصول الدراسة الأزهرية أمراً يستحق التدخل الحاسم والسريع، بغض النظر عن أثاره الشديدة السلبية على نفسية هؤلاء الفتيات وعلى مستقبلهن التعليمي، فهن الآن مجبرات إما على التخلي عن قناعاتهن الدينية أو جزء منها على الأقل وإلا فهن محرومات من التعليم أو من السكن الجامعي المدعم، فأصدر قراره دون تردد باعتبار الأمر خللا مجتمعيا خطيرا يحتاج إلي علاج حاسم وسريع، ولكنه لم ير الأمر نفسه في أي قضايا مجتمعية أخرى في الحقيقة، فهو مثلا لم يصدر فتوى تجرم التعذيب في السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة، ولم يصدر فتوى ضد الاستبداد السياسي والحكم الأبدي، ولم يصدر فتوى ضد الاحتكار الاقتصادي الذي يمارسه الكثيرين من رجال النظام وغيرها من القضايا التي تستحق تدخلا سريعا بالفعل، فشيخ الأزهر هو شيخ السلطة، رجل السلطة الدينية في مصر، الذي يصدر فتواه دائما بما لا يغضب النظام ولا أصدقاء النظام، وكلنا نذكر موقفه من قضية منع ارتداء الحجاب في فرنسا، عندما أباح منع المسلمات المحجبات من ارتداء الحجاب داخل المدارس إذا ما ارتأت الدولة الفرنسية ذلك، معلنا أن ذلك حق للدول الأجنبية على “رعاياها” أن تفرض ما تراه من قوانين وعلى “الرعايا” الامتثال لذلك. وقد جاء دوره هذه المرة في ممارسة سلطته في فرض رأيه بالقوة على المواطنين في قضية من الممكن جدا للمختلفين فيها أن يتبادلا النقاش، ويظل دائما من حق أي شخص أن يأخذ الجانب الذي يراه دون فرض رأيه على الأخر بالقوة، ولكن هذه ليست شيم السلطات القمعية.

أما وزير التعليم العالي فهو صاحب تاريخ طويل من الإجراءات القمعية ضد الطلبة في الجامعات المصرية، ويمكنك أن تعتبر أنه ومنذ توليه منصبه وهو في حرب تكسير عظام ضد الطلبة وحتي ضد أعضاء هيئة التدريس المخالفين له في الرأي، ففي عهد هاني هلال وزير التعليم العالي أرتكبت جرائم العنف ضد الطلبة والتي وصلت إلي حد ضرب الطلبة المعارضين للنظام داخل الحرم الجامعي بشكل وحشي أدي لإصابات عديدة في حالات كثيرة، هذا بالإضافة إلي جرائم أخرى تشمل الفصل من الجامعة لفترات متفاوته والتضييق الأمني اليومي عند الدخول والخروج من الجامعة وأثناء ممارسة النشاط، هاني هلال هنا هو وزير قمع الطلبة، وقراره بمنع الطالبات اللاتي يرتدين النقاب من السكن في المدينة الجامعية هو جزء من إجراءاته القمعية ضد الطلبة، وهو إجراء تكرر أكثر من مرة في الأعوام الماضية، فدائما وفي بداية كل عام دراسي جديد تكون قوائم المحرومين من دخول المدينة الجامعية في انتظار الطلبة، وهي دائما ما تشمل طلبة معارضين للنظام، وقراره بمنع دخول المنتقبات للمدينة الجامعية ليس سوى إجراء لتحجيم نفوذ الطلاب الإسلاميين داخل الجامعة، وحتى في العام الحالي ورغم تركيز الإعلام على الطالبات المنتقبات الممنوعات من دخول السكن الجامعي، فإن القرار بالمنع يشمل طلبة ذكور أيضاً من المنتمين للإخوان المسلمين وغيرهم من التيارات المعارضة للنظام. كما أن حجة وزير التعليم العالي في تبرير قراره بأنه يحمي الطالبات من تسلل طلبة ذكور إلي داخل المدينة الجامعية المخصصة للفتيات هي حجة شديدة الضعف والغباء، فمن السهل للغاية توفير موظفات يتحققن من هوية الطالبات المنتقبات حين دخولهن إلي المدينة وإلي الحرم الجامعي، كما أن الواقعة التي يحكي عنها هاني هلال والتي تدور حول تسلل 15 طالب في حوادث متفرقة إلي سكن الطالبات هو أمر لم نسمع عنه من قبل من الصحافة أو في وسائل الإعلام المختلفة وهو ما يثير الشك أصلاً في صحة الرواية. أن تشريد الطالبات بحرمانهن من السكن في المدينة الجامعية لن يجعلهن أكثر أمناً، ومعظم هؤلاء الطالبات بلا قدرة على تحمل تكلفة سكن خاص قريب من الجامعة يمكنهن من استكمال دراستهن، فالفقر بالتأكيد هو ما يجبرهن على السكن في المدن الجامعية التي ليست جنة بالطبع، فضلاً عن استحقاقهن لهذا السكن الجامعي بالأساس فهن مغتربات ومتفوقات وإلا ما قبلت بهن المدن الجامعية -في السنوات الماضية- التي تضع الأولوية للمتفوقين للسكن بها، إذن فالدولة تستغل الوضع المادي والطبقي الأفقر والأضعف لهؤلاء كي تجبرهم على التخلي عن معتقداتهم.

ما يحدث الآن لا يمكن فصله عن السلوك القمعي الطبقى للدولة، حتى لو بدا الأمر وكأنه دفاعا عن قيم التنوير في المجتمع، وحتي لو حاول الكثيرون تبريره على أنه حفاظ على قيم المجتمع المصري الوسطية من المد الوهابي. فلا يجب أن ننسي أن الدولة المصرية الحالية التي تخوض حرباً شرسة بالإعتقال والتضييق السياسي والتنكيل ضد الإسلاميين وبخاصة الإخوان المسلمين وضد كل المعارضين من كل شكل ولون، هي نفسها الدولة التي حاربت التيارات التقدمية في الجامعات المصرية في السبعينات من يساريين وناصريين وذلك بإطلاق يد الجماعات الإسلامية داخل الجامعة وداخل المجتمع ليحلوا محل المعارضة اليسارية والناصرية النشطة، وهي التي تسيطر على الحياة الجامعية الآن بقبضة حديدية تضيق على كل شيء، من الموضوعات الأكاديمية المسموح بدراستها في الجامعة وحتى النشاط الطلابي مرورا بتعيين كل المناصب الجامعية تقريبا.

النظام ممثلاً هنا في هذه اللحظة في شيخ الأزهر وفي وزير التعليم/القمع العالي لا يعبأ لا بقيم التنوير ولا بحماية الطالبات من تسلل الطلبة الذكور إلي المدينة الجامعية كما أدعي وزير التعليم العالي، فهو لم يحميهم من قبل من دخول البلطجية الذين استأجرهم بنفسه إلي حرم جامعة عين شمس لتأديب طلاب الإخوان قبل عامين، وهو نفسه الذي سمح من قبل بإلقاء القبض على طالبتين من داخل الحرم الجامعي قبل ثلاثة أعوام واقتيادهم إلا مقر أمن الدولة الرئيسي بلاظوغلي واحتجازهما هناك يوم كامل، النظام لا يعبأ إلا بأمنه ويتخذ كل الإجراءات القمعية للحفاظ على هذا الأمن، ونحن أيضاً سنفعل كل ما يمكننا للحفاظ على حريتنا، فالدفاع عن حرية ارتداء الفتيات للنقاب – رغم اختلافنا الكامل مع فكرة النقاب ذاتها – هو دفاع عن حريتنا جميعا في الاعتقاد وفي الفعل.