بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حاسب!! ما تلعبش في “هامشنا الديمقراطي”

يحتفل العبد لله كاتب هذه السطور حاليا بمرور 32 عاما على تجربة السجن الأول (على وزن الحب الأول)، ففي مثل هذه الأيام من العام 1977 كنت قد أنهيت ما يزيد قليلا عن ثلاثة شهور من متعة الصحبة مع المئات من الطلبة، والعمال، والمثقفين والسياسيين والكتاب، فضلا عن بضعة آلاف من المواطنين العاديين البسطاء، الذين اختطفتهم أجهزة أمن المرحوم الأستاذ أنور السادات من الشوارع، والمقاهي، ومحطات الأتوبيس، وزجت بهم في السجون والمعتقلات متهمة إياهم بأنهم صناع انتفاضة 18 و19 يناير الشهيرة، التي تفجرت وقتها عفوية صاخبة فى طول البلاد وعرضها، احتجاجا على بدء مسيرة التجويع والإبادة التى بلغت أقصى مداها الآن، حتى أصبحنا – ولا فخر – نباهي أمم الأرض جميعا ببؤسنا وجوعنا وسوء حالنا وأحوالنا.

فى يناير آنذاك كان من بين الهتافات التي ظلت تهدر في الساحات والطرقات على مدى يومي الانتفاضة التي سماها الأستاذ السادات “انتفاضة حرامية ” شعارا يقول “أنور بيه يا أنور بيه كيلو اللحمة بقى بجنية ” ..أي والله العظيم بجنية واحد(!!) والآن كيلو اللحمة هذا بقى ب50 جنيها (وربما أكثر)، ما أدى – حسب تقرير أخير للغرف التجارية – إلى تراجع متوسط استهلاك المواطن المصري من اللحوم إلى حوالي 10 كيلو جرامات فقط فى السنة، أي حوالى 27 جراما في اليوم!

غير أن هذا الرقم على ضآلتة وهيافته، خادع وليس دقيقا، إذ ينطوي على مساواة غير حقيقية وغير منطقية بين الأقلية المتخمة والأغلبية المعدمة من المصريين، ويشبه إلى حد كبير، أن تقول – حضرتك – أن مجموع دخل سيادتك أنت والأخ بيل جيتس يبلغ فى اليوم الواحد 100 مليون دولار و30 سنتا (قرش يعني)، لذلك فالحقيقة فى هذا الموضوع لا تكتمل إلا إذا أدخلنا فى اعتبارنا حقيقة أخرى تقول أن مسيرة ثلاثة عقود من الزمن تقريبا منذ اغتيال الأستاذ المرحوم “أنور بية “، وفى ظل حكم “البهوات ” الورثة، أدت إلى أن أقل من 20 في المائة من السكان صاروا الآن يستحوذون وحدهم على أكثر من 60 في المائة من الدخل الوطني، ولو طبقنا هذه النسبة نفسها على استهلاك اللحوم، فإن المتوسط الواقعي لأكل اللحمة عند 80 في المائة من السكان لن يتعدى بحال (10) جرمات في اليوم، وهو وزن لا يكفي – كما ترى سعادتك – لحشو سيجارة من اللحوم، وتدخينها بدلا من أكلها.

على كل حال ما فات كله ليس هو الموضوع أصلاً، وتستطيع حضرتك أن ترده أو تستبدله إذا شئت، أما أصل الموضوع فهو أنني تذكرت فى أجواء احتفالاتي المذكورة مطلع هذه السطور سؤالا لطيفاً طريفاً، كانت سألتنى ‘ياه مذيعة غندورة ولطيفة أيضاً في أحدى القنوات الفضائية، عن رأى جنابى في مفاتن ومحاسن ما يسمى “الهامش الديمقراطي”، اه تجربة الديمقراطية والتعددية الحزبية، وإذ باغتني السؤال الذي بدا لي إجابة وليس استفهاما، لم أجد شيئا أقوله أو أجاوب به، سوى حكاية من حكايات تجربة السجن الأولى أيام انتفاضة يناير 1977، وهى تتلخص في أن جموع المساجين السياسيين (خصوصا المخضرمين منهم) اكتشفوا وقتها أن الحكومة استوردت نوعا حديثا من القيود المعدنية “الكلابشات” الأمريكية الصنع تتميز بـأنها مصممة بآلية معينة، بحيث إذا ما حاول المسجون اللعب فيها مدفوعا بالألم الذي يسببه ضغط حوافها الحادة (بعكس الكلابشات القديمة) على معصمه ,فأنها تضيق وتؤلم أكثر.

حكيت للمذيعة قصة هذا الكلابش، وقلت لها أن تعدديتنا المقيدة، أو ما تسميه حضرتك “هامشنا الديمقراطى” تشبهه تماماً، فهي أيضا مصممة بطريقة تجعلها تضيق وتطبق بعنف أكبر على رقابنا، كلما حاولنا اللعب فيها أو التعامل معها وكأنها تعددية وديمقراطية بحق وحقيقي.

وقد آخذتني الجلالة ورحت أعدد للمذيعة اللطيفة الطريفة أمثلة ووقائع مختلفة لحالات تعرض أصحابها لعواقب وخيمة ومصائب سودا بسبب تهورهم ولعبهم فى تعدديتنا وديمقراطيتنا المقيدة هذه، بمن فيهم العبد لله شخصيا الذي دخل السجن ذات مرة من المرات لأنة صدق “حرية الصحافة” ولعب فيها.