بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول القرارالأمريكي بإعفاء مصر من الشروط السياسية والاقتصادية للمعونة

في مقال سابق تحدثنا عن طبيعة الصراع الدائر علي أكثر من مستوي ما بين معسكر الثورة المضادة وعلي رأسه المجلس العسكري، وبين معسكر الإسلاميين وعلي رأسهم جماعة الاخوان المسلمون وحزب النور والساعين لملئ الفراغ السياسي والاجتماعي بتنحية واستبدال بعض وجوه النظام القديم. وأيضاً عن الصراع الأكثر عمقا وراديكالية مابينهما من جهة وبين معسكر قوى تعميق الثورة من عمال وطلاب وشباب الألتراس والنخبة الثورية من الإعلاميين وأعضاء القوى الثورية والائتلافات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني، إلخ.

هناك متغير مهم وحاسم داخل المعركة داخل الطبقة الحاكمة ألا وهو الرضا الغربي للطبقة الحاكمة العالمية كبوابة عبور للحكم في مصر. وقد تسابق الطرفان في تصريحاتهما المتتالية سعياً لنيل هذا الرضا الغربي والأمريكي.

كانت دعوة باراك أوباما يوم 7/2/2011 إلى انتقال آمن ومنظم للسلطة في مصر هي الدستور الذي سعى الطرفان للتسابق علي تنفيذه منذ اللحظة الأولى لتنحي المخلوع. ومصطلح آمن كما يقصده أوباما هو تأمين المصالح الأمريكية والإسرائيلية والرأسمالية في المنطقة.

وأما مصطلح منظم فيعني نزع الشرعية الثورية عن ميادين التحرير والمصانع والجامعات واستبدالهم بالمسار الإصلاحي والبرلماني لنقل السلطة مع توسيع حجم المشاركة فيها بما لا يتجاوز الطبقة الرأسمالية الحاكمة بشكل أساسي، مع محاولة إزلة أو على الأقل تحييد القوي الثورية المطالبة بمشاركة شعبية في السلطة وإجراء تغييرات في بنية الطبقه الحاكمة، وبالتالي تغييرات في طبيعة الظام الاقتصادي القائم والعلاقات السياسية علي المستوي الاقليمي أو العالمي.

واستعانت الولايات المتحدة في ذلك بتنظيمين هرميين قائمين على السمع والطاعة، أحدهما هو المجلس العسكري، والذي اعتمدت عليه كقوة خشنة لقمع البدني والقانوني للثوار، وجماعة الإخوان المسلمين كقوة سياسية ناعمة قادرة علي القمع الأيديولوجي لفكرة الثورة، بما لها من رصيد في الشارع وبالتالي قادرة علي تمرير السياسات الامريكية في المنطقة مقابل مشاركة أوسع في السلطة، وبرلمان إسلامي وبشعار خفي هو المشاركة لا المغالبة اتفق الاخوان والعسكر علي تقاسم السلطة السياسية في مصر وبرضى أمريكي.

ولكن الاندفاع الثوري للشارع للمطالبة بالقصاص وبتغييرات أعمق من مجرد تغييرات شكلية، أثمر عن صدام عنيف دفع العسكر للمواجهة المباشرة مع الشباب الثائر والطليعة العمالية وشباب الألتراس في أحداث محمد محمود مما هدد بالانهيار الكامل للنظام وكان لدور جماعة الإخوان المسلمين، المناهض للمشاركة في أحداث محمد محمود ثم الدفع في اتجاه الانتخابات البرلمانية، أكبر الأثر في إنقاذ النظام وحمايته من التصدع والانهيار، مما زاد من تقدير الولايات المتحدة للدور الإخواني ودفع الكونجرس للضغط من أجل نقل السلطة للإخوان في أسرع وقت وتهديد العسكري بقطع المعونات العسكرية في حال لم يتم ذلك.

وبالفعل تراجع العسكري عن وثيقة السلمي وأمّن الانتخابات البرلمانية، في المقابل تعددت الزيارات لوفود من الكونجرس ووزارة الخارجية وهيلاري كلينتون نفسها لمقر مكتب الارشاد تقديراً لدورهم.

ولكن هذا لم يرضي العسكري الذي حاول منذ اللحظة الأولى لانعقاد البرلمان إلى تهميش دوره وإظهار مدى عجزه بسنه القوانين خارجه وإعلانه مباشرة عن إلغاء حالة الطواريء منفرداً وعدم الاستجابة لمطالباته بتشكيل حكومة ائتلافية
واختلاق قضية منظمات المجتمع المدني في محاولة لإعادة نفسه للمعادلة الأمريكية بشكل كامل علي حساب الإخوان الذين ينسحب رصيدهم من الشارع يوماً بعد يوم ويبدو مدى عجزهم عن إحداث أي تغيير في أحوال المصريين التي تزداد سوءاً بشكل عمدي.

وأخيراً، وكما اختلق العسكري أزمة منظمات المجتمع المدني ومزايداته على رفض المعونة، أثبت العسكري للولايات المتحدة حاجتها له بقدر حاجته لها، وأن مسألة قطع المعونة هذا يضر أيضاً بالاقتصاد الأمريكي المأزوم في الأساس والمضطر لتقديم المعونة لضمان مصالحة الاستراتيجية في المنطقة، وكذا حرية حركة الطائرات الأمريكية في المجال الجوي المصري وتفادي حدوث اضطراب في مبيعات الأسلحة والتي تضم الآلاف من الوظائف في الولايات المتحدة، واضطرار وزارة الدفاع (بنتاجون) إلى دفع عقوبات قدرها 2 مليار دولار في حال فسخ تعاقدات الحكومة الأمريكية المتعلقة بالمساعدات العسكرية لمصر.

وبكل بساطة أعلنت الهيئة القضائية إلغاء منع أعضاء منظمات المجتمع المدني من السفر وإشراف العسكري على العفو عنهم ونقلهم إلى المطار لاستقلال الطائرة الحربية الأمريكية المنتظرة في مطار القاهرة هكذا ودون أي قدرة للبرلمان علي تحريك ساكن سوي الشجب والإدانة بل وعدم قدرته حتى على تغيير الحكومة رغم مطالبتة بذلك أكثر من مرة.

فالعسكري، الذي فشل في حشد التأييد الشعبي، سعى لتخفيض شعبية الإخوان في الشارع ثم راهن علي شرعية أمريكية للاستمرار وقدرته على السيطرة على الداخل المصري وأن من الخطأ وضعه علي الهامش من الخريطة السياسية المصرية. وهذا ما دفع الإدارة الأمريكية لإعادة المراهنة علي العسكر مرة أخرى ليأتي قرار الإدارة الأمريكية للكونجرس بصرف المعونة العسكرية لمصر كاملة ودون الاشتراطات السابقة بتسليم السلطة للمدنيين، في مؤشر خطير عن رضا الإدارة الأمريكية عن إدارة العسكري للمرحلة القادمة. وفي المقابل يتحدث الملحق العسكري المصري في واشنطن عن أن استمرار المساعدات العسكرية لمصر "يدل على متانة العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر". كما يتحدث عن عدم التراجع عن تسليم السلطة ولكن تصريحه الخطير بأن الديمقراطية في مصر تحتاج لسنوات وطبعاً هذه السنوات سوف تمر تحت رعاية العسكري باستنساخ النموذج الباكستاني.

وفي المقابل يخرج علينا الإخوان ببيان موجه للشارع، وللمرة الأولى يهاجم الحكومة والمجلس العسكري في محاولة لحشد الشارع خلف معركتهم هم من أجل استعادة الثقة الأمريكية المفقودة والتراجع عن القرار السابق بعدم تقديم مرشح للرئاسة وإعلان تقدم خيرت الشاطر رجل الأعمال الإخواني الشهير للانتخابات.

وهنا وجب التنويه إلى أن هذه المعركة سوف تظل داخل الطبقة الحاكمة، فالطرفان المتصارعان على الغنائم يحاولان حشد الشارع لتحقيق مكاسب خاصة ولكن يتحدان معاً لقمع مطالبات الشارع بتغيرات أكثر جزرية. ولكن الانشقاق والصراع داخل هذه الطبقة قد يساهم في تسريع وتيرة تفجر موجة من الاحتجاجات الاجتماعية الثورية تتجاوزهما معاً لصالح تحقيق مكاسب أكبر للثوار ونرجو أن تتجاوزالمكاسب مجرد تغيير المادة 28 في الإعلان الدستوري إلى تغيير حقيقي في بنية النظام وطبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.