بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول مشروع التغيير الجذري في مصر

على مدار مائة عام أو يزيد، هي كل عمرها تقريبا، سقطت البرجوازية المصرية في كل امتحان دخلت فيه. ثورة 1919 التي قادتها أجنحة من البرجوازية بالتحالف مع كبار ملاك الأراضي تحت مظلة حزب الوفد انتهت إلى حل وسط أرضى كل من الحكام والمالكين – من السراي إلى قصر الدوبارة إلى البورصة. فلا الملَكية أزيحت ولا الاستعمار حمل عصاه ورحل ولا كبار الملاك فقدوا نفوذهم، بل جُرّمت الشيوعية في ظل ديمقراطية عرجاء أنجبتها تسويات ما بعد الثورة. أما ثورة 1952 التي وضعت رجال البرجوازية الصغيرة في موقع السيطرة على جهاز الدولة فقد أتت بالجمهورية والإصلاح الزراعي وبالسياسة المناهضة للإمبريالية. ولكن سرعان ما تبلورت طبقة برجوازية بيروقراطية تبنت مشروع رأسمالية دولة انتهى به الحال إلى هزيمة 1967 وما تلاها من انفتاح ورأسمالية سوق وتحالف مع الإمبريالية وسلام مع الصهيونية. واليوم تأتي البرجوازية المصرية بعد قرن كامل من الفشل في بناء مركز تنافسي للتراكم الرأسمالي ومن الهزائم في مواجهة الإمبريالية لتبيع لنا الوهم مؤكدة أن جرعة إضافية من الليبرالية الجديدة سوف تكون هي الترياق الناجع لكل مشاكل مصر المحروسة. أي فجور هذا؟!

الكارثة أن هناك من يشتري الوهم ويسوّقه للجماهير! غالبية قوى المعارضة الشرعية وغير الشرعية، التي اعتادت على الاختلاف على كل التفاصيل، اتضح أنها تتفق على الأمور الجوهرية جميعا. فنضال الجماهير وثورتهم أخطار مرعبة لابد من تجنبها. والاشتراكية إما خيال أو تجربة ثبت فشلها أو شمولية بغيضة. وسياسات السوق الليبرالية الجديدة بما تتضمنه من خصخصة وتدليل للرأسمالية وغبن للكادحين، وإن كان مع بعض التعديلات غير الجوهرية، تعد من ضرورات العصر. أقصى طموح للمعارضين اليوم، حتى كثير من اليساريين منهم، هو الديمقراطية السياسية التي تعني في قاموس السياسة المصرية المعاصرة ليس أكثر من تغيير شكل الحكم دون المساس بمضمونه الطبقي.

هذا المقال يحاول أن يتحدى التفكير السائد. فللاشتراكية مستقبل في مصر. وهذا ليس وهما نبيعه للقراء. فبمقدار ما أفلست البرجوازية المصرية وأصبحت لا تقدم لهذا البلد سوى الأزمات والإفقار والبطالة والمذلة تجاه الإمبريالية، بمقدار ما يلوح الأمل في نضال الكادحين ضد الظلم ورجاله والنظام الذي يحرسه. بمقدار ما تمر مصر بأزمة عامة غير مسبوقة أمسكت بخناقها، بمقدار ما تبدو الحلول الجذرية واقعية. بمقدار ما أصبح الإصلاح غير ممكن، بمقدار ما إن الثورة غدت منطقية وضرورية.

فيما يلي سوف نقدم، بأكبر اختصار ووضوح ممكنين، وفي عدد من النقاط المتتالية المترابطة، رؤية اشتراكية لطبيعة الأزمة الراهنة ولحلولها. الهدف هو إعادة تعريف المأزق المجتمعي الشامل الذي تمر به مصر من وجهة نظر طبقية، وطرح حل له يقوم على تبني مصالح الفقراء والمستغَلين، وهم أغلبية هذا المجتمع.

أولا: مصر تمر بمرحلة أزمة عامة
انظر إلى المأزق الذي يمر به هذا البلد. يمكنك القول بثقة – وبناء على التجربة الهامة للأعوام الأخيرة – أن مصر تعيش حالة أزمة عامة غير مسبوقة منذ عقود. عمومية الأزمة تأتي من إمساكها بخناق الحكام والمحكومين على حد سواء. فمن ناحية أولى هناك أزمة الطبقة الحاكمة. تلك الطبقة التي طرحت على نفسها، على الأقل بدءا من مطلع التسعينات، وفي سياق صفقات ما بعد حرب الخليج الأولى، مشروعا سياسيا متكاملا يقوم على قيادة المنطقة العربية على طريق السلام برعاية إمبريالية والليبرالية الجديدة. هذا المشروع اليوم هو محض أطلال. فلا تسويات مدريد وأوسلو أدت إلى السلام، ولا سياسات الليبرالية الجديدة أدت إلى تدشين نمرا على النيل. أتت الرياح بعكس ما اشتهت سفن الطبقة الحاكمة، فأصبح عراب السلام سمسارا رخيصا خدماته غير مرغوبة، أما النمر أصبح فأرا يترنح في سوق عالمي لا يرحم.

ومن ناحية ثانية هناك الأزمة الطاحنة التي يعانيها المحكومين من كادحين ومستغَلين. منّى هؤلاء أنفسهم بالرخاء الذي وعدتهم به الطبقة الحاكمة. صدّقوا، ولو لوهلة، إدعاءات السلطة عن الرابطة التي لا تنفصم بين انتعاش الرأسمالية وانتعاش الفقراء. فماذا كان حصاد سنوات التسعينات العجاف؟ انهيارا اقتصاديا وتضخم رهيب وكساد وفقر وبطالة تأكل زهرة أكثر من خمس شباب هذا المجتمع. في هذا السياق انفجرت الانتفاضة الفلسطينية، فوجد المحكومين السلطة تحمي سفارتي إسرائيل وأمريكا، بينما توجه أسلحتها إلى صدور الشباب الأعزل المطالب بالتضامن مع الانتفاضة. تناقض يفقأ الأعين!

هذا المأزق الخطير كان هو أساس انعزال السلطة وغرقها في مستنقع فسادها وديكتاتوريتها. رد فعل الحكم على الأزمة الاقتصادية والسياسية المتفاقمة كان رفع شعار “لليمين در”. كيف يمكن حل الأزمة الاقتصادية؟ بمضاعفة جرعة سياسات الرأسمالية الفجة. ببيع كل شيء وأي شيء. بتحويل كل شيء إلى سلعة وبتشديد نهب الفقراء وبالإغداق على الأغنياء. وكيف يمكن حل أزمة العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والعدوان الأمريكي على الشعب العراقي؟ بالتغطية على سياسات الإمبريالية وبالحفاظ على علاقات استراتيجية مع الصديق الأمريكي!

باختصار ـ الحل من وجهة نظر الحكام كان تعميقا للأزمة وتكريسا للطلاق النهائي بين الطبقة الحاكمة والجماهير. السلطة التي ظلت مترددة سنوات وسنوات في اتخاذ خطوات نهائية وجريئة على طريق تصفية كل وأي أثر لسياسات رأسمالية الدولة، اتخذت من الأزمة ستارا لإزاحة الجناح البيروقراطي المتذبذب وللإفصاح عن وجهها سافرا بلا رتوش. من هنا فقد تلقف قسم مهم من الرأسماليين سيناريو التوريث والتف حول لجنة السياسات بوصفها حلا عبقريا لأزمته. فها هو حل يحتفظ بالديكتاتورية و”الاستقرار” الذي يأتي معها ويعد بتغيير سلس في السلطة، ولكنه في نفس الوقت يتبني بشكل كامل برنامج الرأسمالية الاحتكارية “الإصلاحي” الذي يفتح كل الأبواب أمام الاستثمار ويسدها في وجه عموم الشعب.

ثانيا: الحلول الإصلاحية من أعلى أصبحت تقريبا غير ممكنة
يمكن لأي مراقب موضوعي منصف، حتى ولو لم يكن مناضلا أو اشتراكيا أو ثوريا، أن يقر بأن إمكانيات الإصلاح من أعلى، أي بمبادرة من الطبقة الحاكمة بأجنحتها المختلفة، أصبحت تقريبا معدومة في هذا البلد. يمكنك أولا قراءة هذا في أداءات السلطة الحاكمة وفي “فكرها الجديد وأولويات إصلاحها”. فبعد تشكيل الوزارة الجديدة برئاسة أحمد نظيف وعضوية نخبة من رجال الأعمال الاحتكاريين والساسة والأكاديميين اليمينيين ورجال السلطة والبيروقراطية الفاسدين، وبعد مؤتمر الحزب الوطني بلاءاته الشهيرة، وبعد قرارات تخفيض أسعار جمارك الأغنياء ورفع أسعار سولار الفقراء، لم يعد أي عاقل مقتنع بأن السلطة لديها أدنى رغبة في الإصلاح، ناهيك عن التغيير.

وماذا عن البديل الآخر – المعارضة الشرعية؟ قدمت المعارضة أوراق اعتمادها مؤخرا في مبادراتها الإصلاحية وفي ما أُطلق عليه “أمانة المعارضة”، حيث لا توجد كلمة واحدة عن حق الجماهير في النضال والثورة على الظلم، وحيث لا يوجد موقف واحد جرئ من طبيعة نظام الحكم الغاشم؛ يوجد فقط نبذ للمعارضين “غير الشرعيين” واستعداد للحوار مع نظام الحكم، وتوجد أيضا قائمة من النصائح والتوصيات للنظام بأن يقوم بالإصلاح قبل فوات الأوان – أي قبل ثورة الجماهير على العبودية والاستغلال!

السؤال الحقيقي هو: هل المعارضة المصرية التي نعرفها، بتاريخها وسماتها وأمراضها، قادرة على قيادة حركة جماهيرية للتغيير؟ هل المعارضة المصرية التي نعرفها مستعدة لقطع كل روابطها مع سلطة “شاخت في مواقعها”، بحسب العبارة الشهيرة لمحمد حسنين هيكل؟ الإجابة على هذه الأسئلة يمكن أن تعرفها على الفور إذا ما تذكرت التاريخ “الحافل” للمعارضة المصرية؛ إذا ما تذكرت ميلادها في كنف السلطة والتصاقها بتلك الأخيرة في معركتها ضد الإسلاميين الراديكاليين على مدار التسعينات وتبنيها لرؤية ومشروع البرجوازية في كل المراحل والمنعطفات. المعارضة المصرية مفلسة، وإفلاسها هو بلاشك أحد أوجه الأزمة الضاربة في أعماق نخبة مجتمع أصابه التعفن وبدأ يتحلل بفضل طبقة حاكمة تذكرنا بنهايات حكم المماليك في أواخر القرن الثامن عشر بصراعاتهم الرخيصة ومؤامراتهم التي لا تنتهي وفسادهم الذي أزكم الأنوف.

ثالثا: النضال الديمقراطي ضروري ولكنه ليس كافيا
في السنوات الأخيرة، وعلى خلفية الحركة الجماهيرية الباهرة للتضامن مع الانتفاضة ولمناهضة حرب العراق، بدأت تتبلور حركة معارضة أكثر جذرية من المعارضة الشرعية سيئة الذكر. إحدى ثمرات الحركة الجديدة، بالذات في ظل أزمة الحكم، كانت ميلاد جبهات للنضال ضد الديكتاتورية؛ جبهات تضم كثير من القوى المغضوب عليها والممنوع عنها “صك الشرعية”، وتضم أيضا أعدادا متزايدة من المثقفين والنشطاء المستقلين الذين ضجوا من الفساد والديكتاتورية والقمع. ففي الشهور القليلة الأخيرة ظهرت إلى الوجود جبهتان رفعتا شعارات مناهضة ديكتاتورية النظام الحاكم: الحركة المصرية للتغيير (كفاية)، والحملة الشعبية للتغيير. وفي هذا وحده الدليل على أن هناك بدايات حركة جريئة لم نعهدها منذ عقود.

لا شك أن هذه الجبهات وتلك الحركات تمثل خطوة كبرى للأمام. ولا شك أيضا أن الانخراط فيها ومحاولة بناءها فرض عين على كل مناضل من أجل الحرية. ولكن المشكلة هي أن الغالبية الساحقة من المنضوين تحت لواء تلك الحركات يحملون رؤى استراتيجية ويتبنون تكتيكات عملية تضعف الحركة وتبعدها عن أهدافها. فبعيدا عن أمراض العصبوية والحلقية، وهي آفات مصرية أصيلة، هناك أمران على قدر عظيم من الأهمية يقيدان معظم قوى الحركة ويربطانها بالبرجوازية ومشروعها المفلس: الشك في حركة الجماهير، واعتبار الديمقراطية حلا نهائيا وسحريا لكل مشاكل المجتمع.

هناك فارق بين المطالبة المهادنة بالديمقراطية، وبين النضال الديمقراطي الجذري. البديل الأول يستبعد حركة الجماهير ويستبعد بالتالي مصالحها. أما البديل الثاني فيضع حركة الجماهير في صدارة أساليبه الكفاحية ويعتبر الديمقراطية أداة لتحقيق مصالح الجماهير. والفارق، كما ترون بالقطع، كبير.

الديمقراطية ليست شكلا مجردا للحكم. كل ديمقراطية لها مضمون اجتماعي-اقتصادي. وهي في النهاية شكل للحكم الطبقي. والمسألة هنا ليست في نبذ الديمقراطية بوصفها “مجرد شكل للحكم الطبقي القائم على الاستغلال” (!)، وإنما هي على العكس في ربط النضال الديمقراطي بالنضال الاجتماعي للتأكد من أن ديمقراطية الحكم تحمل مضمونا اجتماعيا في مصلحة الجماهير. ما نقوله هنا ليس كلاما أجوف. التجارب المعاصرة تعلمنا أن هناك دائما الخطر أن تُفرّغ الديمقراطية من مضمونها وتصبح مجرد شكلا بلا مضمون يحمي نفس المصالح الطبقية ويفرز نفس القهر والمهانة. انظر مثلا إلى حالة إندونيسيا وكيف تحايلت الطبقة الحاكمة على نضال الجماهير، وانتهى بالحركة الحال إلى سيطرة طغمة رأس المال الاحتكاري المتحالفة مع الجيش على الحكم وعلى الثروة، في حين ظل الكادحون يعانون نفس المعاناة ويعيشون نفس الحياة. الامتحان الحقيقي لأي حركة ديمقراطية أصيلة هو في قدرتها على تعبئة أوسع الجماهير. وهل يمكن للحركة أن تعبئ الجماهير إلا إذا تبنت مصالحهم؟

رابعا: البديل الجماهيري الجذري ممكن وضروري
عبارة “السياسة فن الممكن”، برغم الجرائم التي لا حصر لها التي ارتكبت باسمها، تحمل قدرا من الوجاهة. فمن زاوية ما يمكنك القول أن المجتمعات لا تطرح على نفسها إلا المهام التي تقدر على القيام بها، ولا تختار لتنفيذ تلك المهام إلا أيسر الوسائل وأقلها مخاطرة. الثورات والانتفاضات والهبات الشعبية والعصيانات المدنية وغيرها من أشكال النضالات الجماهيرية لا تحدث كل يوم. فأي شعب هذا الذي يختار طريق الثورة والعصيان بينما يمكنه تحقيق ولو جزء من مطامحه الملحة بوسائل أقل تكلفة وخطرا؟ الحلول الجذرية هي بالقطع خيار أخير يلجأ إليه فقط المضطر.

من هنا فالثورات تظهر دائما كمفاجأة لم يتوقعها أحد. ليس هذا فقط لأن ذاكرة الطبقات المقهورة ـ بفضل غسيل الأدمغة المنهجي الذي تمارسه الطبقة الحاكمة ـ تكون غالبا ضعيفة تنسى بالذات تاريخها النضالي الباهر، ولكن أيضا لأن الثورات، كحل أخير، تأتي في وقت يكون فيه كل الساسة منشغلين بالبحث عن “أي حل إصلاحي ممكن” للأزمة الممسكة بخناق المجتمع. حتى الجماهير صانعة الثورات ذاتها تفاجأ بالثورة! كثير من الثورات الكبرى في التاريخ (مثلا: الثورة الفرنسية 1789 والثورة الروسية الأولى 1905) بدأت كمسيرات سلمية تبتهل إلى الملوك المقدسين أن يحققوا أحلام رعاياهم، ثم انقلبت المسيرات إلى ثورات فقط عندما اصطدم “الرعايا” بتعنت مذهل من جانب حكام فقدوا قدرتهم على الاتصال بالواقع أو فهمه.

من هنا يبدو تهافت الفكرة القائلة بخيالية بديل النضال الجماهيري الجذري من أسفل في مصر. إذ يستمد هذا البديل قوته في مصر لا من من وجود قوة سياسية مؤثرة تدافع عنه – هذا شيء كما نعلم للأسف غير متوفر – وإنما من أمرين أساسيين ينساهما، أو يتناساهما، غالبية “الساسة الأفاضل” في هذا البلد! أولا أن عمق الأزمة في المجتمع ومصالح غالبية أبناء هذا الشعب من عمال وفلاحين فقراء وعاطلين ومعدمين تتطلبان إيقاف العجلة الجهنمية لسياسات الليبرالية الجديدة واستبدالها بسياسات جوهرها هو الخبز للفقراء والعمل لكل عاطل والتعليم للجميع والضمان الاجتماعي والصحي الكامل لكل الكادحين. وثانيا أن الطريق الإصلاحي لتحقيق هذه الأهداف قد أصبح مسدودا بسبب إفلاس الطبقة الحاكمة ورجالها في الحكومة والمعارضة وعدم قدرتها على الاستجابة لمطالب الشعب.

هذه التركيبة – أزمة المجتمع ومأزق الحكم وإفلاس المعارضة وانسداد طريق الحل الإصلاحي – هي تركيبة استقطاب بامتياز. فعندما تتأزم المجتمعات ويتهافت الساسة ويظهر للكل التناقض السافر بين الحكام والمحكومين، تأخذ الحلول المطروحة أشكالا قصوية لا مواربة فيها. هذا هو السياق الذي نتحرك فيه. وهذا هو السبب في تأكيدنا أن من يقرأ الأحوال بدقة وموضوعية سيستخلص أننا نعيش في أجواء نهايات العهود بما تنذر به من انطلاق المارد الجماهيري من القمقم الذي وُضع فيه قسرا.

خامسا: الثورة الدائمة بديل استراتيجي يحمي الجماهير من غدر البرجوازية
على أن تجارب التاريخ تعلمنا أيضا أن الهبات الشعبية والنضالات الجماهيرية، وهي أمور يزيد احتمالها في مصر اليوم، ليست عملا سهلا ينتهي دائما نهاية سعيدة. الثورات تُهزم وتُسرق وتُخان ويُغدر بها! التاريخ مليء بقصص الثورات الناقصة والمبتورة. وهذا لسبب بسيط تماما: الطبقات الحاكمة لا تتخلى عن عروشها وصولجاناتها بسهولة. من منا يمكنه أن ينسى صورة بوريس يلتسين، أحد فاسدي العهد الشمولي البائد، وقد تحول إلى ثوري يقف على دبابة ويحرض الجماهير ضد السلطة؟! من منا ينسى مشهد استبدال سوهارتو بنائبه حبيبي دون خلع طوبة واحدة من أركان النظام السياسي الذي أورثه سوهارتو لخلفائه. .يلتسين وحبيبي لعبا نفس الدور الذي لعبه، قبلهما وبعدهما، عشرات في مشهد تكرر مرات ومرات: أن تلبس أجنحة من الطبقة الحاكمة المأزومة ثوب الديمقراطي الوديع عندما يظهر لها أن حركة الجماهير حسمت الموقف وكنست النظام القديم.

معضلة الحركات الجماهيرية الجذرية هي أن مصالح من يتنطحون لقيادتها غالبا ما تتناقض مع مصالح من يصنعونها. القوى السياسية البرجوازية ترتدي رداء الثورة وتتحدث بلغتها بالضبط لتقوم – من خلال قيادة حركة الجماهير – بكبح الحركة وإيقافها عند حد التغييرات الشكلية دون المساس بجوهر السلطة السياسية والاقتصادية القائمة. هذه هي المعضلة التي تحاول استراتيجية الثورة الدائمة حلها: أن تكون لحظة خروج الجماهير إلى الشارع هي بداية مسيرة نضالية تُتوج بتحقيق المصالح السياسية والاجتماعية لمن صنعوا الثورة وضحوا على متاريسها؛ أن يزيح النضال الجماهيري ليس فقط النظام الحاكم، وإنما أيضا المصالح الطبقية التي يخدمها هذا النظام. الثورة الدائمة هي شعار تجذير حركة الجماهير وديمومتها – من المطالبة بالديمقراطية السياسية، إلى المطالبة بالخبز للفقراء، إلى المطالبة بحق الكادحين في صنع مصيرهم بأيديهم. الثورة الدائمة هي استراتيجية الكفاح من أجل تخليص الحركة الجماهيرية من هيمنة البرجوازية وحلفائها؛ من أجل بناء مجتمع جديد يضع البشر فوق الأرباح ويعطي المقهورين الحق في حكم أنفسهم بأنفسهم.

سادسا: الطريق إلى التغيير الجذري طويل ومحطاته كثيرة
بديهي أن هدف التغيير الجذري لمصلحة الجماهير هدف صعب. وبديهي أن استراتيجية الثورة الدائمة لن تتحقق في يوم وليلة. من هنا فإن عملا تحضيريا طويل الأمد يعد ضرورة لا مناص منها. والفكرة الرئيسية في العمل التحضيري في اتجاه التغيير الجذري بسيطة ومحددة: تنمية حركة الجماهير العريضة وتعميق ثقتها بنفسها في كل تجربة ومنعطف، ومساعدة الحركة الجماهيرية على التعلم من أخطائها الاستراتيجية والتكتيكية. كل معركة من ضد الظلم أو القهر أو الاضطهاد، وكل نضال من أجل العدل والتحرر، مهما صغر شأنه، يعد خطوة على الطريق الهدف النهائي. فطالما كانت ثمرة المعركة أو النضال هي بناء الجسور مع الجماهير وزيادة ثقتها بنفسها، فإن هذا يعد رصيدا ثمينا للمستقبل.

النضال الديمقراطي اليوم يلعب هذا الدور. المعركة السياسية ضد نظام الحكم الديكتاتوري يمكنها أن تكون ساحة ليس فقط لتخليص الشعب من سلطة فقدت مبررات وجودها، وإنما أيضا لتنمية حركة جماهيرية واسعة ونشطة تستطيع أن تكمل الطريق وتنطلق إلى تحقيق مجمل مصالحها الاقتصادية والاجتماعية.

هذا بالتحديد هو أساس خيار العمل المشترك الذي يتبناه اليسار المناضل في مصر. فبالقطع ليس هدف العمل المشترك هو ذوبان القوى السياسية المختلفة في كيان واحد له برنامج استراتيجي منسجم. هذا مستحيل. وهذا أيضا خداع. وهو، على المستوى العملي، لا يعني أكثر من تخلي من يتبنون خيار التغيير الجذري عن هدفهم واستبداله بمجرد تغيير سياسي فوقي. الهدف، على العكس من ذلك، هو تنمية الحركة الجماهيرية على مطالب عملية مشتركة بين قوى مختلفة استراتيجيا. فإن تحقق ذلك، وإن وثقت الجماهير بنفسها، وإن خلقت لنفسها مؤسسات للتعبئة والنضال والتنظيم، فإن هذه ستكون البيئة الصالحة لأن يتخطى الكادحون، بمساندة النضال السياسي الجذري في أوساطهم، حاجز القهر والخوف منطلقين إلى تحقيق كل أهدافهم وأمانيهم.