بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول صعود وهبوط الحركة الإسلامية

مقدمة
شتان الفارق بين وضع الحركة الإسلامية في مصر قبل عشر سنوات ووضعها اليوم. مع نهاية الثمانينات، كان الإسلاميون “المعتدلون” ممثلين في “جماعة الإخوان المسلمين” أكبر قوى المعارضة داخل البرلمان المصري (من خلال التحالف الإسلامي مع حزبي العمل والأحرار)، كما دانت لهم السيطرة على العديد من النقابات المهنية، فضلاً عن اكتساحهم للانتخابات الطلابية وسيطرتهم من ثم على أبرز اتحادات الطلاب في الجامعات المصرية. كما توفر للإخوان مصادر سخية للتمويل بفضل الثروات التي كونها العديد من كوادرهم في السعودية خلال عقدي الخمسينات والستينات ونجاحهم في اختراق النسيج الاقتصادي للرأسمالية المصرية منذ سنوات الانفتاح المبكرة، فضلاً عن علاقاتهم الوطيدة ببرجوازيات ودول الخليج الغنية.

أما عن الإسلاميين “الراديكاليين” ممثلين في تنظيمي “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية” فقد نجحوا – وينطبق ذلك أكثر على الجماعة الإسلامية – في فرض سيطرة شبه مطلقة على العديد من مدن وقرى الصعيد فضلاً عن الكثير من الأحياء الشعبية وامتداداتها العشوائية في القاهرة الكبرى والإسكندرية. كما أ، ظروف “الجهاد” الإسلامي في أفغانستان ضد الغزو السوفيتي قد وفرت لهم فرصة نادرة لا لتكوين شبكة قيمة من العلاقات الدولية فحسب، وإنما أيضًا لإكساب كوادرهم قدرات قتالية عالية وتسليح ثقيل نسبيًا. ومع سنوات التسعينات المبكرة، كما سنوضح فيما بعد، سيطرت على قيادات الإسلاميين المسلح ضد النظام على نحو كيفي من شأنه أن يثمر انهيار نظام مبارك وإقامة الدولة الإسلامية.

قارن ذلك بحال الإسلاميين اليوم. تعرض الراديكاليون منهم لضربة قاصمة لم تقض فقط ولسنوات طويلة قادمة على الأقل على قدراتهم القتالية، وإنما فككت أيضًا بنيتهم أو أبنيتهم التنظيمية، وأصابتهم بارتباك سياسي وتراجع إستراتيجي كبير. لقد ألقى الإسلاميون الراديكاليون سلاحهم دون أن يثمر ذلك أي تنازل من جانب الدولة تجاههم. أما عن الإخوان المسلمين، فقد اتبعت الدولة إزاءهم، وبنجاح كبير، سياسة إقصائية منذ عام 1995، فراحت تنكل بقياداتهم وكوادرهم وتلقي بهم في غياهب السجون والمعتقلات وتعرضهم لمحاكمة عسكرية نحو الأخرى على نحو أنهك قواهم تمامًا، بعد سنوات طويلة أبدت الدولة خلالها تسامحًا ضمنيًا إزاءهم. وسرعان ما راح نفوذ الإخوان يتآكل في البرلمان والنقابات واتحادات الطلاب تحت وطأة القمع المنظم، دون أن يتمكنوا من تعبئة أنصارهم ضد هذا القمع.

وعلى حين عزف العديد من المراقبين والدراسيين على لحن الثورة الإسلامية الوشيكة في مصر في مطلع التسعينات، فإن الحديث يدور اليوم حول نهاية الإسلاميين كقوة سياسية (؟). لماذا تراجع الإسلاميون في مصر على هذا النحو الدرامي خلال السنوات الأخيرة؟ وما هي آفاق المستقبل أمامهم؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذين السؤالين. ولكن دعنا نبدأ بمحاولة وضع ظهور الحركة الإسلامية وتصاعدها خلال عقدي السبعينات والثمانينات داخل سياقه الاجتماعي والسياسي، متذكرين أن هذه الحركة ليست مصرية فقط ويتعين فهمها بالتالي في سياقها الإقليمي والدولي.؟

الحركة الإسلامية: أساسها الطبقي وطبيعتها السياسية
من المغرب وموريتانيا غربًا إلى أفغانستان وباكستان شرقًا، ومن تركيا شمالاً إلى السودان جنوبًا، ظهرت الأيديولوجية والحركة الإسلامية في مجتمعات تعرضت لزلزال ضخم بفعل تأثير الرأسمالية – في البدء على هيئة الغزو الإمبريالي من الخارج، ثم بفعل تحول العلاقات الاجتماعية الصاحب لظهور طبقات رأسمالية محلية وتكون دول رأسمالية مستقلة (يعتمد هذا الجزء على كريس هارمان، النبي والبروليتاريا).

أثمر تأثير الرأسمالية هذا ما أسماه ليون تروتسكي – أحد أهم ماركسيي القرن العشرين – “التطور المركب واللا متكافئ” لقد تجاور القديم والجديد على نحو مفعم بالتناقضات. من جانب، اندمجت بلدان المنطقة في بنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي؛ ولكن من جانب آخر، راحت التفاوتات بين العالم المتقدم والمتأخر تتفاقم من نواح عدة. من جانب، تراجعت (وإن لم تختف) علاقات السيطرة الاستعمارية المباشرة (الكولونيالية)؛ ولكن على الجانب الآخر، استمرت الهيمنة الإمبريالية على مقدرات المنطقة الغنية بالبترول، كما تم زرع كيان استعماري استيطاني عنصري في قلب المنطقة. ومن جانب، نما في مختلف بلدان المنطقة قطاع صناعي حديث يعتمد على تكنولوجيا متطورة؛ إلا أن هذا القطاع عاش جنبًا إلى جنب قطاع صناعي تقليدي واسع قوامه عدد هائل من الورش الصغيرة التي يعمل بها مالكها جنبًا على جنب عدد صغير للغاية من العمال، في الأغلب من بين أقاربه. وفي حين حول الإصلاح الزراعي العديد من الفلاحين على مزارعين رأسماليين من طراز حديث، فإن أعداد أكبر كثيرًا من الفلاحين وجدت نفسها ملفوظة من الريف دون أن يتمكن الاقتصاد المديني البازغ من استيعابها، فانتهى بهم الحال عمالا موسميين في ورش وأسواق أحياء الفقر العشوائية التي راحت تنمو كالسرطان حول المدن الكبرى. وإذا كان التوسع الهائل في نظام التعليم يفرز أعدادًا كبيرة من خريجي المدارس والكليات، فإن هذه الجموع لا تجد فرص عمل كافية في قطاعات الاقتصاد الحديثة وينتهي بها الحال في وظائف هامشية لا تتمشى ومستوى تعليمها فيما يسمى بالقطاع غير الرسمي.

وقد زادت الأزمة الاقتصادية العالمية على مدى الربع قرن الأخير من حدة هذه التناقضات. فالصناعات الحديثة وجدت الاقتصاد القومي أصغر من أن يسمح لها بالعمل بكفاءة، بينما وجدت أن حدة المنافسة في الاقتصاد العالمي أكبر من أن تسمح لها بالبقاء دون حماية الدولة لها (في وقت مالت فيه الدولة لتقليل تدخلها المباشر في الاقتصاد). وفي حين أن الصناعات التقليدية راحت تصرخ مطالبة بالحماية إزاء المنافسة “غير المنصفة” التي واجهتها من جانب الرأسمالية الحديثة المحلية والأجنبية، فإن بعض القطاعات الصناعية استطاعت أن تقيم صلات وثيقة بالرأسمال العالمي، وأخذت تعرب عن صبرها إزاء استمرار سيطرة الدولة على الاقتصاد. وفي غضون ذلك، راحت الفجوة تتسع بين قاع المجتمع وقمته على نحو غير مسبوق، وهو ما خلق سخطًا متزايدًا في أوساط قطاع العمال الموسميين والعاطلين عن العمل الآخذ في التضخم، ذلك القطاع الذي صار الإفقار والبؤس المتفاقم جزءًا عاديًا من حياته اليومية.

وتعبر الأيديولوجية والحركة الإسلامية عن محاولة التعامل مع تلك التناقضات من جانب أناس تربوا على احترام الأفكار الإسلامية التقليدية، وذلك في ظل تراجع البدائل الأخرى مثل القومية البرجوازية بتلويناتها المختلفة، وكذلك في ظل إفلاس اليسار نتيجة لهيمنة الستالينية والإصلاحية عليه. ولا تحظى هذه الإيديولوجية وتلك الحركة بالتأييد ذاته من جانب كافة فئات المجتمع. فهناك قطاعات تتبنى أيديولوجية برجوازية وطنية حديثة من الطراز العلماني أو شبه العلماني، بينما تميل قطاعات أخرى نحو شكل من أشكال رد الفعل العمالي العلماني (ماركسية ما). أما الحركة الإسلامية وفكرها، فإنها تتلقى الدعم من جانب ثلاث قوى اجتماعية مختلفة – تميل كل منها لتفسير الإسلام بطريقتها الخاصة، وفقًا لمصالحها.

أولاً: هناك ما يمكن أن نسميه بإسلامية قوى الاستغلال. يسري ذلك على الطبقات التقليدية ذات الامتيازات التي رأت في التحديث الرأسمالي للمجتمع خطرًا على امتيازاتها، بل ربما على وجودها، وهو ما ينطبق على كبار ملاك الأراضي والتجار التقليديين وأصحاب المحال والورش الصغيرة. ومن الثابت مثلاً أن هذه القطاعات كانت مصدر التمويل الذي أتاح لرجال الدين في إيران والجزائر معارضة برامج الإصلاح الزراعي التي نفذتها الدولة في الستينات والسبعينات. كما يسري هذا الوصف – إسلامية قوى الاستغلال – على قطاع من الرأسمالية الحديثة لا يحظى بعلاقات وثيقة بالدولة أو لا يرضى عن السياسات الاقتصادية المتبعة. إن هؤلاء جميعًا (المستغلون القدامى والجدد) ويجدون في الإسلام حصنًا للدفاع عن مصالحهم المهدد وأسلوب حياتهم التقليدية، كما يجدون فيه أداة لإيصال صوتهم للسلطات المسئولة عن صياغة السياسات الاقتصادية.

هناك أيضًا إسلامية الفقراء. أدى تنامي العلاقات الرأسمالية في الزراعة كما أشرنا إلى لفظ ملايين الفلاحين الفقراء إلى المدن (لم يستفد من الإصلاح الزراعي الذي نفذ في الجزائر مثلاً سوى 2 مليون من مجموع 8 ملايين هم مجمل سكان الريف)، دون أن تتيح المدن لهم ظروف عمل وحياة أدمية. لقد فقدوا اليقين المرتبط بأسلوب الحياة القديم – وهو يقين يرتبط في أذهانهم بالثقافة الإسلامية التقليدية – دون أن يكتسبوا وجودًا ماديًا آمنًا أو أسلوب حياة بديل مستقر. هكذا تخلقت لديهم حاجات مادية ونفسية روحية عميقة سارعت الحركة الإسلامية إلى تلبيتها. إن ما وفر الإسلام السياسي لهؤلاء لم يكن فقط إطار للتعبير عن سخطهم على الدولة، وإنما أيضًا بؤرة اجتماعية تمدهم بالحد الأدنى من الخدمات الرخيصة أو المجانية، فضلاً عن الشعور بالمعنى والألفة والهوية في عالم بلا قلب.

هكذا فإن الأموال الآتية من أولئك الذين تتناقض مصالحهم جوهريًا مع جماهير الشعب – من طبقة كبار ملاك الأراضي الكبار مثلاً – انتهى بها الحال إلى توفير ملاذ مادي ومعنوي للفقراء. يعد ذلك أحد تناقضات الإسلام السياسي البارزة. وبطبيعة الحال فإن المصالح الطبقية المتعارضة التي انجذبت للإسلام السياسي أعطت تفسيرات متناقضة للإسلام، وكان هذا ولا يزال مصدر احتكاكات وصراعات حادة داخل إطار الحكة الإسلامية.

على أن القوة الاجتماعية التي تمنح الإسلام السياسي حيويته وزخمه لا تتمثل في تلك القطاعات الساخطة من الطبقات المستغلة القديمة والجديدة، ولا في فقراء المدن المهمشين، وإنما تأتي من وسط اجتماعي مختلف هو شريحة من الطبقة الوسطى الحديثة التي ظهرت إلى حيز الوجود نتيجة للتحديث الرأسمالي في منطقتنا وعبر العالم الثالث. تلقى أبناء هذه الطبقة الذين جاءوا من أوساط برجوازية صغيرة تقليدية تعليمًا جامعيًا حديثًا أصابهم بنوع من الصدمة الثقافية أو أزمة الهوية، كما أن تأزم التطور الرأسمالي لمجتمعاتهم حال دون تحقيق قطاعات واسعة منهم للمكانة التي “يستحقونها”، وهو ما جعل الإسلام السياسي بؤرة جذب مهمة بالنسبة لهم. من هذه الأوساط يأتي كوادر النشطاء الذين يروجون أفكار الإسلام السياسي ويبنون تنظيماته ويخاطرون بحياتهم في مواجهة أعداءه. إن الطبقات المستغلة التقليدية (القديم والجديد منها) تمثل على الأكثر عنصر التمويل، بينما فقراء المدن فهم الجمهور السلبي للإسلام السياسي وأحيانًا وقود معاركه. أما الأساس الاجتماعي الحقيقي للحركة الإسلامية وقلبها النابض فيتمثل في البرجوازية الصغيرة الحديثة أو لمزيد من الدقة في شرائح مهمة من البرجوازية الصغيرة الحديثة.

إن هذا الأساس الاجتماعي البرجوازي الصغير للحركة الإسلامية، مضافًا إلى عداء غالبية الإسلاميين لليسار والعلمانية وحقوق المرأة قد دفع كثير من اليساريين والليبراليين لوصف الإسلاميين بالفاشية. والمقصود بالفاشية حركة سياسية يمينية متطرفة تحقق لها نفوذ ضخم في أوروبا خلال فترة ما بين الحربين، إذ وصلت للحكم في إيطاليا في العشرينات ثم في ألمانيا في الثلاثينات. ويتمثل جوهر الحركات الفاشية من وجهة نظر الماركسية في تعبئة جماهير البرجوازية الصغيرة الساخطة بفعل الأزمة الاقتصادية الحادة لا في مواجهة الرأسمالية – مصدر البؤس الحقيقي – وإنما في مواجهة الطبقة العاملة ومنظماتها النقابية والسياسية، ولصالح الرأسمالية. وتظهر الفاشية في فترات تتسم لا فقط بالتأزم الحاد للرأسمالية وإنما أيضًا بظهور شبح الثورة الاشتراكية ثم خفوته نتيجة هزيمة كبيرة للطبقة العاملة. وتقترن الفاشية بدعاوي عنصرية بغيضة وبنظام حكم ديكتاتوري شمولي بشع.

على أن الأساس الطبقي البرجوازي الصغير لا يس فقط الفاشية وإنما قوى سياسية أخرى عديدة كالعالمثالثية مثلاً. إن الحركات البرجوازية الصغيرة لا تصبح فاشية إلا في ظروف يعينها تجعلها تلعب دورًا بعينه وهو استغلال المرارة التي تشعر بها جماهير البرجوازية الصغيرة لتحويل تلك الجماهير إلى بلطجية منظمين يعملون في خدمة الرأسمال من خلال تحطيم المنظمات العمالية. وعلى الرغم من الموقف العدائي لأغلب الإسلاميين إزاء فكرة الصراع الطبقي والنضال المستقل للطبقة العاملة، فإن دورهم الأساسي لا يتمثل في مواجهة المنظمات العمالية وإسداء الخدمات للرأسمالية. كما أنهم يخوضون مواجهات دامية مع الدولة الرأسمالية نادرًا ما تقدم على مثلها الحركات الفاشية. إن القوى اليسارية التي تصف الإسلاميين بالفاشية لا تقع في خطأ تحليلي فحسب، وإنما في كارثة سياسية أيضًا. فعلى أساس هذا الموقف، تميل قطاعات من اليسار للوقوف مع الدولة في مواجهة “الفاشية الإسلامية”، وهو ما يعني انتحار اليسار كقوة تحررية، كما أنه يمثل دعمًا غير مباشر للإسلاميين إذ يبدو في أعين الجماهير أنهم وحدهم يقفون موقف العداء المبدئي لنظام اجتماعي وسياسي ظالم ومفلس.

ولكن إذا كان من الخطأ وصف الإسلاميين بالفاشية، فإن من الخطأ كذلك نظر إليهم ببساطة كـ”أعداء للإمبريالية” أو “أعداء للدولة” فالإسلاميين لا يناضلون فقط ضد الطبقات والدولة التي تستغل وتقهر الجماهير، وإنما “يناضلون” أيضًا ضد العلمانية، والنساء الرافضات للخضوع للمفاهيم الإسلامية حول “العفة”، واليسار، وفي بعض الأحيان ضد أقليات دينية أو قومية أو عرقية. كما أن عداء الإسلاميين للإمبريالية عادة ما يتخذ طابعًا رجعيًا إذ يؤكدون على محاربة “الإمبريالية الثقافية” فينتهي بهم الحال عمليًا في مواجهة المتحدثين بلغات أجنبية أو المنتمين لديانات “غريبة”، أو المتحررين من التقاليد العتيقة، بدلاً من مواجهة الإمبريالية حقًا. أما عندما يتخذ الإسلاميون مواقف ملموسة حقيقية ضد الإمبريالية (مقاومة الصهيونية أو التظاهر ضد حرب الخليج أو رفض عملية السلام)، فإنهم على الأرجح – مثلهم في ذلك مثل القوميين – ما يتناسون أن الطبقات البرجوازية في العالم الثالث هي اليوم جزء لا يتجزأ من النظام الإمبريالي العمالي، يدافع عنه ويستفيد من ثماره.

إن العداء الحقيقي للإمبريالية اليوم يقتضي العداء للرأسمالية، وهو موقف لا يتخذه غالبية الإسلاميين.

الحركة الإسلامية إذن حركة مليئة بالتناقضات. إنها تتبنى أفكارًا بالغة الرجعية لكنها ليست حركة فاشية. وهي تتخذ مواقف ومضادة للإمبريالية ولكنها ليست بالأساس حركة معادية للإمبريالية. إنها حركة برجوازية صغيرة تعبر عن بؤس الجماهير وسخطها، لكنها لا تستطيع أن توفر بديلاً حقيقيًا يقضي على مصدر هذا البؤس ويسمح للسخط بأن يتخذ مسارًا نضاليًا حقيقيًا. وتنبع تناقضات الحركة الإسلامية من الأساس الطبقي لكوادرها الأساسية. إن البرجوازية الصغيرة كطبقة تعجز في أتباع سياسة متسقة ومستقلة خاصة بها. إن أبناء هذه الطبقة بجناحيها التقليدي والحديث يتذبذبون ما بين التمسك بالماضي الذهبي والحرص على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه خوفًا من ثورة تقضي على امتيازاتهم، وبين التطلع للتغيير الثوري تحت وطأة ما يعانونه من أزمات. ومن الناحية الملموسة تتجلى تناقضات الحركة الإسلامية في الإجابات المختلفة على هذين السؤالين: هل يجري انتهاج سبيل الإصلاح السلمي أم يتم اللجوء للعنف المسلح؟ وهل الهدف من النضال هو تغيير الدولة أم تطهير من “مظاهر الفجور”؟

الإسلاميون المصريون: الإستراتيجيات ورحلة الصعود والتراجع
كانت هذه التناقضات (التي تحدثنا عنها في الجزء السابق) وثيقة الصلة بالحركة الإسلامية المصرية منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات. خلال سنوات الثلاثينات والأربعينات، نمت جماعة الإخوان المسلمين بسرعة واستطاعوا أن يصبحوا قوة سياسية هائلة – بلغت عضويتهم نحو نصف مليون في أواخر الأربعينات. وكان لهذه التناقضات أثر واضح في تشتيت حركة الإخوان وافتقادهم للبوصلة السياسية على الرغم من حجمهم الهائل، وهو ما سهل على بعد الناصر مهمة سحقهم عندما اصطدموا به في صراع على السلطة خلال السنتين الأوليين من عمر “الضباط الأحرار” في السلطة.

وعندما عاد الإخوان على حيز الوجود نصف الشعري مع مطلع السبعينات، كانوا قد حسموا أمرهم في اتجاه العمل السلمي من داخل النظام القائم. كما غلب عليهم التوجه نحو التأثير على قيم المجتمع وأخلاقياته، عوضًا عن محاولة تعيير النظام السياسي ولو بالوسائل السلمية. عبر عن ذلك هذا التصريح الشهير للمرشد العام الثالث للإخوان عمر التلمساني، صاحب العلاقة الوثيقة بالسادات حينما قال: “إننا نريد الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته؛ ثم بعد ذلك البيت المسلم؛ فالشعب المسلم؛ ثم بعد ذلك الحكومة المسلمة هذه، فقد غلب على الإخوان السعي للتأثير على الحكم القائم لتبني الشريعة الإسلامية وليس تغيير تلك الحكومة واستبدالها بأخرى “إسلامية”.

كانت هناك أسباب عدة وراء هذا التحول الإخواني الحاسم نحو العمل السلمي من داخل النظام. من جهة، أدت سنوات “المحنة” على يد النظام الناصري إلى إكساب شيوخ الإخوان “الحكمة”، فصاروا أكثر حذرًا ومهادنة، وتعلموا أن مناطحة الدولة لا تجدي. فسنوات المحنة أدت إلى انقسام واضح في الصفوف بين تيار يميني كان يضم بالأساس كبار الشيوخ والقيادات وأغلب نسيج الجماعة وتيار الراديكالي أقل عددًا تبلور فيما بعد في جماعات الإسلام الراديكالي التي سنتحدث عنها لاحقًا.

وفي ذات الوقت السادات لهم أبواب مصر اقتصاديًا لا سياسيًا فحسب، وجد الإخوان أنفسهم جزءًا من نسيج الرأسمالية المصرية، وأصبح لديهم ما يخافون و”يحافظون” عليه، فازدادوا بالتالي محافظة. وأخيرًا، فإن سياسات السادات شجعت الإخوان أكثر على إبداء المرونة والاعتدال. فهو فتح أمامهم الأبواب وسمح لهم بالوجود شبه الشرعي سعيًا وراء هدفين استخدام قوة الإسلاميين عمومًا لإضعاف خصومه من اليساريين والناصريين؛ والتعويل على الإخوان بالذات كصمام أمان يستوعب النزعات المتشددة للجماعات الأكثر راديكالية. هكذا كانت كل الطرق تؤدي بالإخوان إلى طريق واحد: الاعتدال: والسعي لكسب الشرعية والتأثير على النظام من الداخل بدلاً من محاولة تغييره.

كانت هذه التوجهات متناسبة مع ميول الشرائح البرجوازية ذات التوجهات الإسلامية وكذلك الإسلاميين الراديكاليين سابقًا ممن جمعوا الأموال في الخليج أو الذين حققوا نجاحًا مهنيًا واحتلوا مواقع “محترمة” داخل الشرائح العليا الطبقة الوسطى المهنية، فضلاً عن أولئك الإسلاميين الراديكاليين ممن فقدوا الأمل في إمكانية التغيير الاجتماعي والسياسي الراديكالي بسبب تجربتهم الأليمة خلال عقدي الخمسينات والستينات. إلا أنها لم تكن مواتية لجماهير الطلاب والخريجين المعرضين للإفقار، أو لجماهير الفلاحين السابقين الذين وجدوا أنفسهم واقعين في دائرة التهميش والإذلال في شبكات الفقر الحضري المتنامية. وهكذا وجدت الجماعات الإسلامية الراديكالية جمهورًا ينصت إلها. وبعيدًا عن التفاصيل التنظيمية المعقدة، فإن أبرز تنظيمين للتيار الإسلامي الراديكالي منذ منتصف السبعينات حتى اليوم كانا “الجماعة الإسلامية” و”حركة الجهاد الإسلامي”، هذين التنظيمين الذين توحدا في عام 1979، ثم أقدم تنظيمهم الموجد على اغتيال السادات في أكتوبر 1981.

كان محتمًا أن تنتهي الوحدة بين تنظيمي “الجهاد” و”الجماعة الإسلامية” بسبب الاختلافات السياسية بينهما. وفي غضون سنوات قليلة بعد اغتيال السادات كانت وحدة التنظيمين قد انفضت. اتفق التنظيمات على رفض الإستراتيجية السلمية التي اتبعها الإخوان، ورأوا فيها خيانة للعمل الإسلامي ودعمًا للنظام “الكافر” تمثلت نقطة الاتفاق إذن في الإجابة عن السؤال الأول من بين السؤالين الذين ذكرنا من قبل أنهما كانا مطروحين على كافة الحركات الإسلامية. على أن الإجابة عن السؤال الثاني (المتعلق بما إذا كان العنف موجهًا لتغيير الدولة أم للقضاء على مظاهر “الفجور” و”عدم التقوى” في المجتمع) فرقت ما بين التنظيمين.

من الناحية النظرية العامة، لم يكن هناك خلاف بين تنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية على هدف إقامة الدولة الإسلامية ومن ثم تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال النضال المسلح. إلا أن التنظيمين اختلفا حول الإستراتيجية المتبعة للوصول لهذا الهدف.

تمثلت إستراتيجية الجماعة الإسلامية في العمل على محورين: علني وقتالي. أما المحور العلني، فيتضمن الدعوة العلنية من خلال المساجد التي تسيطر عليها الجماعة، وتوفير الخدمات الاجتماعية للفقراء من خلال شبكة المساجد نفسها، وأخيرًا الانخراط في أعمال “تغيير المنكر”، أي استخدام العنف ضد كل من لا يلتزم أسلوب الحياة الإسلامي (وكل ما لا يتمشى مع هذا الأسلوب) كما تراه الجماعة (النساء “المتبرجات”، الأقباط، محلات الفيديو، الحفلات الموسيقية، الخ..)؟

أما المحور الثاني – القتالي – في إستراتيجية الجماعة الإسلامية فيتصل بالاستعداد القتالي “للجهاد” ضد السلطة القائمة بهدف أسقطاها. ويتضمن هذا المحور بدوره جانبًا دعائيًا هو تربية الكوادر على فكرة القضاء على النظام القائم “الكافر” كخطوة ضرورية لإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. كما يتضمن المحور القتالي تكليف مجموعات من كوادر الجماعة في كل منطقة بالتدريب العسكري، بحيث تمثل هذه المجموعات نواة الميليشيا المسلحة التي ستكون رأس الرمح في مواجهة النظام مع بدء الثورة الإسلامية. ويتضمن هذا التدريب تكليف عناصر تلك الميليشيا النواة بمهام تستدعي استخدام القوة مثل الإشراف على عمليات “تغيير المنكر” أو تأمين اللقاءات الأسبوعية التي تعقدها الجماعة في مساجدها، أو الاشتباك مع الشرطة إذا تدخلت لعرقلة نشاط الجماعة. وأخيرًا، اشتمل هذا المحور القتالي على عنصر جوهري تمثل في إرسال كوادر الجماعة إلى أفغانستان للمشاركة في القتال إلى جانب “المجاهدين الأفغان” فضلاً عن اكتساب الخبرات والمهارات القتالية تحضيرًا لمهام أخرى في مصر في المستقبل. هكذا تضمنت إستراتيجية الجماعة الإسلامية السير على خطين متكاملين: الاستعداد القتالي والعسكري من جانب، وبناء النفوذ “من أسفل” من جانب آخر بوسائل تتضمن استخدام القوة ضد الجماهير ذاتها (تغيير المنكر).

أما تنظيم الجهاد، فقد تبنى إستراتيجية عسكرية بحتة ترفض أي دور للجماهير في إحداث التغيير المنشود وتؤكد على “أهمية اختراق المؤسسة العسكرية” وعلى ضرورة “اعتماد لهجة خطاب إسلامي موجه للجيش والشرطة فضلاً عن السعي الجاد نحو اختراق مؤسساتها”. على هذا الأساس، رفض تنظيم الجهاد أعمال “تغيير المنكر” التي تقوم بها الجماعة الإسلامية لا من منطلق الرفض الشرعي لها، وإنما على أساس أنها تمثل “إهدار للجهود التي ينبغي حشدها نحو الاستيلاء على السلطة”. تقول إحدى وثائق الجهاد: “نلفت النظر بشدة على أن معركتنا في جوهرها ليست معركة مع الشرطة كما أنها ليست كذلك معركة مع الواقع الاجتماعي غير الرشيد.. لقد تكرس في واقعنا الإسلامي أنماط محددة للتغيير الاجتماعي كلها تدور حول مواجهة المنكرات المرتبطة بالمعاصي الظاهرة، شرب الخمر.. الفيديو، برغم أن النظرة المستوعبة للتحدي القائم تدعونا على تجاوز هذه المنكرات إلى ما هو أعم وأشمل”.

المواجهة الشاملة مع الدولة والطريق المسدود
عمليًا، تمثل أغلب العنف الذي مارسته الجماعة الإسلامية خلال السبعينات والثمانينات في عمليات “تغيير المنكر” وليس العنف الموجه ضد الدولة. والواقع أن الدولة ذاتها تواطأت مع ذلك النوع من العنف. إننا نعرف اليوم بما لا يدع مجالاً للشك أن نظام مبارك عقد خلال الثمانينات صفقات ضمنية مع الجماعة الإسلامية مؤداها السماح للجماعة بفرض سطوتها وقانونها الخاص على مناطق نفوذها في الصعيد وبعض الأحياء الشعبية بالقاهرة الكبرى، بما في ذلك القيام من وقت لآخر بمذابح دموية للأقباط، مقابل كف أذى الجماعة عن الدولة ورجالها، وهي صفقة كانت تتعرض من وقت لآخر للانتهاك من جانب هذا الطرف أو ذلك. في الوقت ذاته كان النظام المصري يمارس أسوأ أنواع التعذيب ضد الإسلاميين المعتقلين، خاصة إذا كانوا متورطين في أعمال ضد النظام. أما عن تنظيم الجهاد، فقد غلبت عليه السلبية طوال الثمانينات (بعد عملية اغتيال السادات)، إذ اعتبر نفسه في مرحلة تحضير طويلة للثورة الإسلامية العسكرية التي طالما بشر بها.

مع مطلع التسعينات حدثت تحولات نوعية على معادلة التفاعل المعقد بين الدولة والإسلاميين الراديكاليين في مصر. فمن جهة، اغترت الجماعة الإسلامية بالنفوذ الهائل الذي تحقق لها عبر الصعيد وفي مناطق عدة بالقاهرة. كما أن الصفقات الضمنية بينها وبين قوات الأمن أعطتها شعورًا عليا بالثقة بالنفس إزاء نظام فاسد قبل طوعًا أن يتنازل عن جانب مهم من سلطته وهيبته لكي يحافظ على “استقراره”. وبالمثل فإن ميل النظام للتفاوض سرًا مع الإسلاميين الراديكاليين عندما بدأت عمليات ضرب السياحة في عام 1992 (شارك في تلك المفاوضات وزير الداخلية السابق عبد الحليم موسى بتكليف من النظام ثم راح كبش فداء لها!) أقنع الإسلاميين بأن النظام بلغ حال من التردي والضعف أغراهم بمهاجمته. وأخيرًا، فإن ما توفر للإسلاميين الراديكاليين من خبرة قتالية بفضل تجربة أفغانستان كان عنصرًا حاسمًا في توليد تلك الذهنية التي تلبستهم. وعلى الناحية الأخرى لم يغب التطور الذي أحدثه عودة الأفغان على الحركة الإسلامية عن أعين الدولة وهو الشيء الذي دفعها إلى موقف أكثر حذرًا وميلاً نحو تحجيم هذا الموقف الذي قد يقلب الوضع ضدها. وأدي هذا الوضع إلى إضفاء التوتر على الوضع برمته.

ليس معروفًا على وجه الدقة من الذي اتخذ قرار المواجهة الشاملة: الإسلاميون أم الدولة؟ فقد تطورت الأمور على طريقة الأواني المستطرقة. اغتالت مباحث أمن الدولة المتحدث باسم الجماعة الإسلامية أم الدولة؟ فقد تطورت الأمور على طريقة الأواني المستطرقة. اغتالت مباحث أمن الدولة المتحدث باسم الجماعة الإسلامية في يونيو 1990 في منطقة الهرم. وردت الجماعة فإقامة جناح عسكري مركزي من خلال توحيد عمل مجموعاتها القتالية وإضفاء المركزية على عملها واستدعاء العديد من الكوادر ذات التدريب العسكري الراقي من أفغانستان. كما ردت أيضًا باغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب في أكتوبر من نفس العام (وكان المقصود وزير الداخلية). ومع تشديد قبضة الحصار الأمني على مواقع نفوذ الجماعة، ردت الأخيرة بعمليات ضرب السياحة التي اتخذت في البداية صبغة دفاعية ثم ما لبثت أن أصبحت جزءًا من إستراتيجية تستهدف إنهاك النظام وشل أهم موارده الاقتصادية تمهيدًا لإسقاطه. وإذا بتنظيم الجهاد الذي اشتهر بالحذر والتفكير الإستراتيجية ينجرف مع الموجه ويراهن هو الآخر على السقوط الوشيك فيندفع على أرض المعركة غير متكافئة بكافة المعايير.

لم يكن هناك في الواقع أي أساس حقيقي لتلك “الحالة الذهنية” التي عاشتها الجماعات الإسلامية الراديكالية في مطلع التسعينات، والتي دفعتها دفعًا نحو معركة خاسرة. فالدولة كانت تحظى برضا وتأييد مجمل البرجوازية المصرية – قاعدتها الاجتماعية الحقيقية. كما أن الطبقة العاملة – القوة القادرة حقًا على التغيير الاجتماعي والسياسي الجذري – كانت في حالة تراجع في نضالاتها وضعف تنظيمي وسياسي بالغ. أما جماهير البرجوازية الصغيرة، فعلى الرغم من السخط المنتشر بينهم، فإنهم يفتقدون بطبعهم إلى القوة السياسية والتنظيمية، كما أن الطابع السلطوي للحركة الإسلامية جعل هذه الجماهير – في أفضل الأحوال – في وضع المتفرج على معركة الإسلاميين مع الدولة. أما احتمالات الانقلاب العسكري الإسلامي الذي عول عليه تنظيم الجهاد، فقد كانت شبه معدومة لعدة أسباب أهمها القوة البالغة والبطش البالغ للمخابرات العسكرية في دولة مبارك الديكتاتورية واتساع أعداد الضباط من ذوي الرتب الصغيرة والمتوسطة بشكل هائل يجعل من شبه المستحيل تنظيم قطاع واسع منهم في تنظيم سري من نمط الضباط الأحرار مثلاً. إن الانقلاب العسكري في دولة كمصر اليوم يظل احتمالاً قائمًا، إلا أنه احتمال مرهون بقيادة كبار الجنرالات لمثل هذا الانقلاب؛ وبالطبع فإن المصالح الطبقية لهؤلاء لا يمكن أن تدفعهم للعمل لصالح الإسلاميين الراديكاليين!

كانت نتيجة المواجهة الشاملة مع النظام إذن محتومة. ومع أواخر التسعينات كان الإسلاميون الراديكاليون قد تعرضوا لضربة قاصمة قضت على قوتهم القتالية وفككت بنيتهم التنظيمية وقواعدهم الجماهيرية، كما أصيبوا لما يشبه الانهيار السياسي الشامل وراحوا يسارعون لإعلان التوبة والصراخ مطالبين بوقف العنف.

أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد نالها “من الحب جانب”. فمن نظر الدولة، كانت هذه الجماعة الإسلامية “المعتدلة” بمثابة صمام الأمان الذي يمتص نزعات “التطرف” ويهذبها ويلطف منها، ومن هنا جاء تسامح الدولة ضمنا مع تصاعد نفوذ الإخوان النقابي والبرلماني والطلابي. أما وقد قررت الدولة خوص مواجهة شاملة مع الراديكاليين، فإن دور صمام الأمان يصبح زائدًا عن الحاجة. وهكذا شنت الدولة ضد الإخوان حرب إقصاء ما لبث أن قضت على مجمل ما حققوه من نفوذ على مدى عقدين.

آفاق المستقبل ودور الثوريين
تعرض الإسلاميون الراديكاليون خلال السنوات الأخيرة لضربة قاصمة، كما فقد الإخوان المسلمون الكثير من نفوذهم. والأرجح أن سنوات عديدة ستمر قبل أن تقوم لهم قائمة مرة أخرى. ومع ذلك فمن الخطأ أن نتصور أن الإسلاميين في مصر قد سقطوا في سلة مهملات التاريخ. فعلى الرغم من قسوة الضربة التي تلقوها، وعلى الرغم من رجعيتهم وتبنيهم لإستراتيجيات عمل انتحارية وعداءهم المتأصل لحركة الجماهير، فإن الأسباب العميقة التي أفرزتها بادئ ذي بدء لا تزال قائمة، وهو ما يعني أن نموهم مرة أخرى – ولو بأشكال مختلفة – هو احتمال راجح. لقد قضت الدولة البرجوازية في مصر على عرض المشكلة ولكنها لم تقض – ولن تقض – على جوهر المشكلة وهو البؤس الذي تسببه الرأسمالية للملايين. وسيظل هذا الجوهر بالتالي يفرز تعبيرات شتى عن وجوده.

وتتمثل إحدى أشكال التواجد المحتملة للإسلاميين في المرحلة المقبلة في إضفاء المزيد من “التسيس” (أقرأ: التراجع عن المواقف الراديكالية) على حركتهم. هذا هو الطريق الذي سلكته جماعة الإخوان المسلمين منذ أوائل السبعينات بالطبع. إلا أنهم اتخذوا خطوات إضافية على نفس المسار عندما تقدمت مجموعة من كوادر الإخوان من الجيل الذي يعرف بجيل “الوسط” (أي الذين برزوا ككوادر طلابية إخوانية في السبعينات) بطلب تأسيس حزب سياسي – حزب الوسط – في 1996. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تطرح فيها فكرة حزب سياسي شرعي يكونه الإخوان أو يكون واجهة علنية لهم، إلا أن الجديد هو أن مشروع حزب الوسط قد تجاوز الفكرة السياسي التقليدي للإخوان في اتجاه يمكن وصفه بالليبرالية. ولعل هذا التجاوز في مشروع حزب الوسط لفكر الإخوان التقليدي (عدم إبداء أية تحفظات تقريبًا على أفكار مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان.. الخ.) كان أحد أسباب تلك التساؤلات الكثيرة التي دارت ولا تزال حول ما إذا كان مشروع حزب الوسط يحظى برضا قيادة الإخوان المسلمين أم أنه تعبير عن بدايات انشقاق سياسي وتنظيمي داخل الجماعة يقوده جيل الوسط ذي الميول “الليبرالية” و”التحديثية”.

على أن التطور الأكثر درامية إذا ما أكتمل هو توجه الإسلاميين الراديكاليين أيضًا نحو العم السياسي الشرعي الذي ينبذ العنف ويعترف ضمنًا بشرعية النظام السياسي القائم. لقد تجلى هذا التوجه مؤخرًا في مشروع “حزب الشريعة” الذي تقدم به المحامي الإسلامي ممدوح إسماعيل المحسوب على الراديكاليين للجنة شئون الأحزاب الحكومية. يهدف هذا المشروع على “تأصيل وقف العنف المسلح” على حد تعبير منتصر الزيات، المحامي الشهير بأنه “محامي الجماعات الإسلامية”. إن هذا المشروع هو بالطبع خطة للوراء من وجهة نظر القطع الثوري مع النظام الذي عبر عنه “التيار الجهادي” للحركة الإسلامية. وإذا ما صار هذا المشروع قدمًا فالأرجح أنه لن يلقي قبول العديد من كوادر الجماعة الإسلامية والجهاد، ومن ثم يتواصل مسلسل تحو حركات إسلامية راديكالية نحو “الاعتدال” نتيجة لإدراكها الطريق المسدود الذي يؤدي إليه “العنف المسلح” ضد الدولة، ظهور حركات أخرى من رحمها تدين هذه “الخيانة” وترفع مرة أخرى – إلى حين – راية الجهاد.

أيا ما كان الأمر، فالمؤكد اليوم أن الإسلاميين في حالة تراجع كبير. وبالنسبة للاشتراكيين الثوريين، فإن هذا التراجع يخلق واقعًا مفعمًا بالفرص والمخاوف معًا. فمن جهة، أصبح هناك فراغ كبير يمكن لنا أن نبدأ في ملئه إذا ما أحسنا العمال معه. ومن جهة أخرى، فإن عدونا الطبقي حقق نصرًا باهرًا من شأنه أن يزيد من ثقته بنفسه وأن يعمق من إحباط الجماهير إذ سكت الصوت الوحيد الذي بدأ أنه يتحدي سطوة النظام.