بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

حوار العالم:

إعادة إنتاج لعزلة اليسار وأوهامه

ما الذي دفع الأستاذ محمود أمين العالم إلى سرد ما رواه في الحوار الذي أجرته معه المصري اليوم؟ غالباً لا يتعلق الأمر بخدعة من الصحفية التي أجرت الحوار. ولا يمكن أيضاً اختزال القصة في أن هناك من دفعه أو حاول توريطه. التقدير الأرجح أنه فعل ذلك لأسباب ذاتية تتعلق به: محاولة أخيرة من رجل في نهاية مشاوره لتأكيد وجوده وتبرئة ذمته.

وفي اعتقادي لا يستحق الأمر كل الضجة التي أثيرت حوله، فحقائق الأمور لا تخفى على أحد: لا يوجد في مصر حزب شيوعي يمد جذوره من الإسكندرية لأسوان، أما النضالات العمالية الأخيرة فكانت ذات طابع مطلبي غير سياسي، والقيادات التي برزت داخلها في معظمها قيادات عفوية غير مسيسة، وإن كانت بعض المجموعات اليسارية قد لعبت أدواراً محدودة في بعض منها. حقائق الأمور هذه يعلمها الجميع: اليساريون، والدولة وأجهزة قمعها، والأهم أنها حقائق معروفة جيداً للجماهير، أو بتعبير أدق لم تعد الجماهير المصرية في غالبيتها العظمى تسمع عن “الشيوعية” أو “الشيوعيين”، ولم تعد مثل هذه الكلمات تعني لها شيئاً.

لكن يبدو أن الأستاذ العالم لا يستطيع تقبل تلك الحقائق، ربما لأنها تعكس الوضع السلبي الذي صارت عليه الحركة التي شارك في بناءها منذ أربعينيات القرن الماضي. هذا الوضع الذي يطرح دائماً السؤال القديم المتجدد عن أزمة اليسار، وعن فرصه في الخروج منها.

لم ينجح اليسار المصري أبداً في التحول إلى حركة شعبية تنتمي إليها وتتحرك تحت لوائها الغالبية العظمى من الجماهير المصرية الفقيرة، لكنه – وبلا شك – نجح في مراحل بعينها، هي بالتحديد أربعينيات وسبعينيات القرن الماضي، في أن يصبح حركة جماهيرية لها نفوذ مؤثر وسط أقسام من الجماهير. إلا أن هذا الزمن ولى، والمؤكد أن المهمة الرئيسية اليوم هي النضال والعمل الدءوب من أجل استعادته، والمؤكد أيضاً أن الخطوة الأولى في هذا النضال هي إدراك حقائق الأمور، حتى لا يعيد اليسار إنتاج أوهامه وعزلته.

إدراك حقائق الأمور يعني الإقرار بأمرين قد يكونا نقطة الارتكاز في استعادة اليسار لجماهيريته. الأول هو أن حركة اليسار التقليدي في مصر بمختلف أجنحتها وفصائلها ليس لها نفوذ أو وجود يذكر وسط الجماهير الفقيرة، وأنها تبدأ وتنتهي بين النخب السياسية والأقلية النشطة من الشباب وبعض القيادات العمالية والفلاحية الملتفة حولها. أما الجماهير، بمعنى الأقسام الاجتماعية الواسعة، التي ترغب في النضال ضد ما تعانيه من استبداد واستغلال والتي تحلم بتغيير أوضاعها فتذهب إلى الإخوان المسلمين وتتحرك تحت رايتهم.

والسبب بسيط وواضح كالشمس، رغم إصرار معظم اليساريين على تجاهله والتعامي عن رؤيته، هو أن الإخوان – في أعين الجماهير – هم البديل الواضح للنظام وأهم فصيل مناضل اليوم من أجل التغيير، لذا يُزج بالمئات منهم شهرياً إلى المعتقلات ويحالون إلى المحاكم العسكرية.

الأمر الثاني أن هناك تجذير سياسي وطبقي في مصر يزداد احتداماً طوال السنوات الماضية. هذا التجذير يدفع يوماً بعد يوم بأقسام أوسع وأوسع من الجماهير إلى النضال، وآخر حلقاته كانت النضالات العمالية الأخيرة التي تعكس بداية صعود حركة عمالية جديدة. في ظل ظرف كهذا يملك اليسار المناضل الفرصة لاستعادة جماهيريته، لكن لأن راية اليسار غائبة والجماهير تذهب إلى الإخوان فإن الفرصة تضيع. ولا سبيل آخر أمام اليسار سوى برفع راية جديدة مناضلة ومنفتحة، والاندفاع إلى مشاركة الإخوان في معركة التغيير بهدف التأثير على جماهيرهم وكسبها عبر عملية سياسية طويلة ومركبة تكشف عن نضالية اليسار وجذرية مواقفه ضد الاستبداد والاستغلال بالمقارنة بمواقف الإخوان.

ورغم وضوح الواقع والمهمة والهدف، فإن حال اليسار في مصر الآن أبعد ما يكون عنهم، بسبب التردي الذي أصاب حركته عبر مسيرتها الطويلة وبعد الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها، بدءاً من حل الحزب الشيوعي المصري عام 1965 وتذيل النظام الناصري، وانتهاءاً بإصرار حلقات اليسار وفلوله الموجودة اليوم على استمرار فرقتها وعزلتها. ومن يقرأ حوار الأستاذ العالم مع المصري اليوم يكتشف مدى الخواء الذي صار عليه اليسار في مصر، وحجم الأوهام التي باتت تعشش في جنباته.