بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

جدل الثورة والكاريزما

* الكتاب: البوليفاري – تشافيس: جدل الثورة والكاريزما
* المؤلف: مصطفى مجدي الجمّال
* الناشر: مركز البحوث العربية والأفريقية – مكتبة مدبولي
* تاريخ النشر: 2007

يقدم مصطفى مجدي الجمّال في كتابه “البوليفاري، تشافيس: جدل الثورة والكاريزما” رؤية لتطورات الصراع الطبقي في فنزويلا التي جعلت من رئيس لبلد صغير في أمريكا اللاتينية رمزا لتحدي الإمبراطورية الأمريكية.

في البداية يستعرض الكاتب تاريخ حركة التحرر الوطني في فنزويلا بقيادة البرجوازية الوطنية وزعيمها سيمون بوليفار في مطلع القرن التاسع عشر، ويدافع عن إمكانية تبلور تراث ثوري جديد مناهض للإمبريالية الأمريكية ومتبني لمصالح الجماهير. ويطرح الجمّال هنا أن العلاقة بين سيرورة الثورة البوليفارية وقائدها هي علاقة جدلية، على العكس من المفاهيم السائدة التي تحصر ما يحدث في فنزويلا في البطل القائد القادر على حل جميع المشكلات، أو التي لا ترى في تشافيس سوى زعيم شعبوي نجح في الترويج لحلم مثالي مستحيل المنال.

يروي الكاتب مقتطفات من السيرة الذاتية لهوجو تشافيس، وفي نفس الوقت يستعرض السياق السياسي والاقتصادي الأعم لفنزويلا. على سبيل المثال لا الحصر، يتحدث الجمّال عن تزامن التحاق تشافيس بالأكاديمية الحربية مع انهيار الأنظمة المتبنية لشعارات من نوع “تحالف قوى الشعب العامل”، أي التحالف ما بين أرباب الصناعة والطبقة العاملة والجيش. تلك الأنظمة التي انتهجت سياسة إحلال الواردات وبناء الصناعة الوطنية عن طريق الحماية الجمركية وغيرها من أشكال تدخل الدولة.

فبحسب الكاتب، كانت الإدارة الأمريكية تعتبر في الستينات أن تلك الأنظمة جزء من الحرب الباردة ضدها، ومن ثم حاربتها وحاصرتها، وهو الأمر الذي انعكس في استنفاد تلك الأنظمة لإمكانيات توسعها بنهاية السبعينات، فانتهى بها الحال إلى سلسلة من الانقلابات العسكرية دأبت على كسب رضا الإدارة الأمريكية بإلغاء التأميمات وقطع العلاقات مع كوبا الشيوعية وإلغاء التشريعات الحامية للعمال وبرامج توزيع الأراضي على الفلاحين.

ثم ينتقل الكاتب، في تحليله لجدلية تشافيس والواقع، إلى مرحلة الليبرالية الجديدة في التاريخ الفنزويلي، ويبحث في أثر تبني الدولة لبرامج التكيف الهيكلي على تشافيس بحكم انتمائه للمؤسسة العسكرية آنذاك. هنا يشرح الكاتب ملابسات رضوخ الدولة لسياسات صندوق النقد الدولي على أمل الحصول على امتيازات اقتصادية كفيلة بإخراج البلد من أزمته الاقتصادية الناتجة عن انخفاض ايرادات النفط على أثر ضخ دول الخليج لكميات كبيرة منه “بإيحاء غربي” لتمويل الحرب العراقية على إيران. وهنا يركز على انتفاضة كاركاسو في 27 فبراير 1989، تلك الانتفاضة التي قامت في العاصمة كاراكاس وتولى الجيش مهمة قمعها بقتل 1000 مواطن، مما أفقده في أعين الجماهير احترامه كمؤسسة تستهدف حماية المواطنين.

يربط الجمّال هذه المذبحة بتكون المنظمة السرية “حركة 200 البوليفارية الثورية” – نسبة إلى مرور 200 عام على مولد المحرر بوليفار – وهي الحركة التي دشّنت تشافيس بوصفه معارض سياسي يتبنى استراتيجية مفادها أن القضاء على الفساد والمصاعب الاقتصادية والأزمات الاجتماعية يتطلب تغييرا جذريا للنظام.

في هذه الأثناء ظهر تشافيس كبطل يقاوم الفساد عندما ألقى كلمة أعلن فيها فشل الانقلاب العسكري الذي قام بتدبيره مع زملائه في عام 1992، في ظل فراغ سياسي رهيب نظرا لانصياع الحزبين السياسيين الأكبر على الساحة السياسية في فنزويلا، حزب العمل الديمقراطي والحزب المسيحي الديمقراطي، لكافة الإجراءات الحكومية بغض النظر عن درجة وحشيتها. ويستشهد الكاتب باستخدام المرشحين للرئاسة في عام 1993 لورقة إخلاء سبيل تشافيس وزملائه في الانقلاب الفاشل في دعايتهم الانتخابية للتدليل على تنامي شعبيته.

يرى الكاتب أنه من الخطأ اختزال مصدر شعبية تشافيس في سخط الجماهير ضد الدولة والمعارضة السياسية على حد سواء. ويقدم رؤية مفادها أن الجزء الأكبر من كاريزما تشافيس يكمن في تبنيه لمبدأ تفعيل مشاركة الجماهير خارج مؤسسات الدولة البيروقراطية واستيعابه السريع لأهمية تعبئة الجماهير حول كافة مبادراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية من أجل إنجاحها.

فقد جاء وصول تشافيس إلى سدة الحكم في عام 1998 عبر صندوق الاقتراع بعد أن أسس “حركة الجمهورية الخامسة”، وهي عبارة عن ائتلاف عريض من المنظمات والحركات اليسارية. وبمجرد وصوله دعا إلى انتخاب جمعية تأسيسية تعمل على صياغة دستور جديد للبلاد يؤكد على سيادة الأمة والمشاركة الشعبية بإتاحة إمكانية إلغاء تفويض أي مسئول منتخب على أي مستوى باستفتاء شعبي بشرط أن تكون قد مرت عليه نصف مدة ولايته. وفي 1999 أعلن عن تدشين “خطة بوليفار 2000” بانخراط جميع أفرع القوات المسلحة في برامج لمكافحة الفقر والتنمية المدنية. كما أجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية في عام 2000 وفق الدستور الجديد للبلاد ليحصل مؤيدوه على 101 مقعد من أصل 165 مقعدا بالبرلمان، بينما ارتفعت نسبة ناخبيه من 56% في عام 1998 إلى 60% في ذلك العام.

ثم يستعرض الكاتب العلاقة الجدلية ما بين تشافيس والجماهير في مرحلة الأحداث الجسام التي شهدتها فنزويلا كنتيجة لمحاولات المعارضة اليمينية، المتمثلة في بعض رجال الأعمال وقادة الجيش المدعومين من قبل الإدارة الأمريكية، التخلص منه. وبعد السرد التحليلي لتطورات الصراع مع المعارضة ولتاريخ الانقلابات اليمينية ضد تشافيس، يصل المؤلف إلى أن خلاصة هذا الصراع كانت خروج تشافيس منتصرا ومعه شرعية بسط المزيد من سيطرة الدولة على قطاع الطاقة. ويؤكد الكاتب في هذا السياق على الدور الذي لعبته شعبية تشافيس في إعادة تشكيل موازين القوى، ولكنه ينفي إمكانية حدوث “تقديس” أو “احتواء” لتشافيس قد يترتب عليه تدجين للثورة أو إعاقة لإمكانياتها.

على أن النقطة الغائبة عن الكتاب هي تحليل حدود الثورة البوليفارية التي لازالت تعيش في قلبها الدولة القديمة برجالها من أنصار الرأسمالية والغرب، وعلاقات الإنتاج الرأسمالي، برغم التأميمات وتوسيع دور المشاركة الشعبية. ذلك أن الجدلية الأهم للثورة البوليفارية ليست هي تلك التي بين قائد الثورة وسياقها الموضوعي، ولكن التي بين القوى الاجتماعية/الطبقية المتصارعة في غمار تجربة لازالت نتائجها لم تُحسم بعد.