بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أكذوبة أول نظام ديمقراطي منتخب

هو أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، وانتخابات الرئاسة كانت أول انتخابات رئاسية نزيهة، وانتخابات البرلمان المحلول كانت أول انتخابات ديمقراطية نزيهة، ومجلس الشورى، الذي كان حله من ضمن مطالب الثورة، والذي قام رئيس الجمهورية بتعيين 90 عضواً به مستبقاً حكم المحكمة الدستورية العليا بشأن دستوريته ومستبعداً بذلك التسعين عضو من إمكانية الترشح لانتخابات البرلمان، المجلس التشريعي الفعلي، هي أيضاً كانت انتخابات ديمقراطية نزيهة يقال أنها لم تشهد تزويراً لكنها أيضاً لم تشهد انتخابات حقيقة حيث لم شارك في انتخابه سوى 7% على أكثر تقدير ممن لهم حق التصويت.. ولجنة تأسيسية تضع دستوراً وتختمه في أقل من 48 ساعة بعد انسحاب بعض أعضائها ويجري عليه استفتاء دون أن تنشر مسودته في الجريدة الرسمية، أي دون أن تصبح وثيقة رسمية مطروحة لكافة المواطنين.. لكنه في النهاية، حسب ما يقال، دستوراً وضعته لجنة منتخبة هي الأخرى ممن انتخبهم الشعب.

ومع ذلك ورغم كل ادعاءات الديمقراطية، ورغم كل صناديق الانتخاب، إلا أن أطرافاً أخرى غير تلك المنتخبة، أطراف قوية، ذات مصالح اقتصادية وسياسية، هي التي تتحكم فعلياً في حياة المصريين، ولا تستطيع مؤسسة منتخبة مثل الرئاسة والبرلمان، تصر على العمل في إطار الدولة “العميقة”، أن تتخذ من الإجراءات والقرارات ما يمس تلك الأطراف. قد يتصور البعض أننا بذلك نقصد جماعة الإخوان المسلمين التي تحكم من وراء الستار لكن ما نتحدث عنه أقوى وأقدم وأكثر استقراراً، حتى الآن على الأقل من تلك الجماعة وحلفائها حديثي العهد بالحكم. إننا نتحدث عن مؤسسات لم تطرح يوماً على صناديق الاقتراع، مؤسسات لا تكتمل الثورة إلا بتطهيرها وعزل الفاسد منها، تضم من بين ما تضم الجهاز البيروقراطي المتشعب للدولة المصرية والشرطة والأمن الوطني والمخابرات والقضاء والنيابة العامة ورجال الأعمال أصحاب المال والنفوذ وعلى رأسهم جميعا الجيش، الذي يتحكم ليس فقط في القوات المسلحة وإنما أيضاً في 40% من اقتصاد البلاد.

وقد حرص ما يطلق عليه النظام إسم “دستور الثورة” أن يحفظ لهذه المؤسسة العسكرية كل ما لها من امتيازات سياسية واقتصادية بحيث يضمن النظام ولاءها، فهي السلطة القادرة بما تملك من أموال وعتاد وبشر على دعم النظام أو الإطاحة به أو السكوت عنه، ولكل من ذلك ثمن.

ورغم ما يتضمنه الدستور من مادة تنص على أن القوات المسلحة ملك للشعب، ينص أيضاً على أن مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها دون تحديد هوية “العدو” المقصود بحماية البلاد منه. هل هو العدو الخارجي أم أن هذا العدو يتضمن أيضاً ما يعتبره النظام أعداء داخليين. ألم يستدع النظام القوات المسلحة لحماية البلاد أثناء عمليات الاستفتاء رغم أن الأطراف الوحيدة المشاركة في هذه العملية كانت هي المواطنين المصريين من موافقين ومعترضين على الدستور. ولو أن الدستور كان سارياً قبل الاستفتاء عليه، لما اضطر مرسي لإصدار قرار بقانون يستدعي فيه القوات المسلحة لتولي مهمة تأمين البلاد في هذه الفترة. اليوم أصبح من حق النظام أن يستدعي القوات المسلحة للتعامل مع أي حراك سياسي أو اقتصادي داخلي يرى فيه تهديداً لسلامة البلاد، أي أصبح من حقه فرض ما يشبه الأحكام العرفية بموجب الدستور إذا رأى ضرورة لذلك.

كما ينص الدستور على أنه “ويكون للقوات المسلحة مجلس أعلى على النحو الذي ينظمه القانون”. كيف يتشكل وما هي صلاحياته وما هي ضرورته في وجود مجلس أمن قومي ومجلس دفاع قومي، وما هي مصادر ميزانيته؟ لا يقول لنا الدستور شيئاً في هذا الأمر بل علينا أن ننتظر القوانين التي سوف تصدر في هذا الشأن والتي ستأتي حسب توازن القوى بين “القيادة المدنية” و”القيادة العسكرية” وقت إصداره.

لكننا نعلم، بناءاً على الدستور أيضاً، أن ميزانية القوات المسلحة، إضافة إلى انعدام الشفافية الذي تتميز به باقي ميزانيات الدولة، لها حصانة خاصة. فلا يناقش في البرلمان “المنتخب” وإنما فقط في إطار مجلس الدفاع الوطني الذي يضم أغلبية عسكرية. أما البرلمان المنتخب فعليه أن يكتفي برقم إجمالي واحد لا يحق له مناقشته حيث انه محسوم من قبل ذلك المجلس “الوطني”. ولا يوجد في الدستور ما يوضح أن مناقشة موازنة القوات المسلحة تتضمن مناقشة المشاريع الاقتصادية والاستثمارية للقوات المسلحة، فهذا مجال مقتصر عليها وحدها حتى أنها حين أقرضت الدولة التي يفترض أنها أحد مؤسساتها لم يكشف أحد من المسئولين عن مصدر هذا القرض ولا شروط إقراضه وكأن القوات المسلحة دولة داخل الدولة.

ولم يتوقف الأمر عند حد الاستقلال الاقتصادي للقوات المسلحة المشروط بنسبة من موازنة الدولة التي يدفعها المواطنون من جيوبهم فما كان لسلطتها أن تكتمل دون امتياز يمنحها حق تجاوز سلطتها على أفرادها إلى باقي المواطنين، فنص الدستور على استقلال القضاء العسكري ثم حقه في محاكمة المدنيين في القضايا التي ترى القوات المسلحة ذاتها أنها تضر بمصالحها.. ما هي هذه المصالح؟ وما حدودها؟ ومن يبت فيها؟ لا يقدم الدستور إجابة على هذه الأسئلة وإنما يتركها لتحدد لاحقاً بقانون سوف يناقش في هذا المجلس الوطني للدفاع ولن يكون للبرلمان المنتخب سوى حق البصم عليه!

وإذا كنا لا نعلم حتى الآن تفاصيل هذا القانون إلا أننا نشهد في هذه الأيام تطبيقاً لما سوف يكون عليه متمثلاً في محاكمة أهالي جزيرة القرصاية.. فقراء يسكنون عششاً على أرض وسط النيل قررت القوات المسلحة أنها “خسارة فيهم” فاقتحمتها واحتلتها وقتلت على الأقل اثنين من أهلها واعتقلت العشرات منهم يمثلون الآن أمام محاكمة عسكرية بتهمة التعدي على أراض عسكرية!!

حكم العسكر لم ينته طالما لازالوا يسيطرون على اقتصاد البلاد وطالما لازالوا قادرين على محاكمة المدنيين أمام محاكمهم وطالما ضمنوا دستوراً يحصنهم من كل محاسبة، وطالما لازال قادتهم أحرارا طلقاء بل ومكرمين بقلادات النيل ومناصب عليا في الدولة بدلاً من تقديمهم للمحاكمات لما ارتكبوه من مذابح وتعذيب وقتل واعتقالات حين استلموا السلطة قصرا من رئيسهم المخلوع، ويبقى مجهولاً ما ارتكبوه في سيناء من مذابح بعد أن سلموها للرئيس “المنتخب” وإن كان ما حدث في القرصاية مؤشراً لما لازالوا يمتلكون من سلطة.

لكل ما سبق فإن إرادة الثورة في إسقاط النظام لا تكتمل سوى بإسقاط حكم العسكر حتى وإن كان يحكم من وراء الستار.