بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كل هذه السيطرة لخمسة أشخاص فقط!!

خمسة منابر إعلامية تقريبا كادت أن تتحكم في الرأى العام المصري عشية الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة، منها ثلاث قنوات فضائية هى (الأون تى فى) و(دريم) و(الحياة)، وصحيفتين هما المصري اليوم والشروق، وكلها مملوكة لرجال أعمال كبار:ساويرس واحمد بهجت والسيد البدوي وكامل دياب وإبراهيم المعلم، ولا نقصد المستوى الشخصي، ولكننا نختلف مع منظومة مصالحهم الخاصة وأجنداتهم وحساباتهم السياسية والاقتصادية.

بالطبع كان هناك منابر إعلامية أخرى ولكنها لم تكن بذات التأثير والخطورة. كما أن المنابر المذكورة لم تخلُ بطبيعة الحال من آراء مستقلة تغرد خارج السرب، لكنها لم تستطع أن تنافس الحملة الإعلامية الموجهة ولا أن توازنها. وقد تفاوتت أيضا درجات التوجيه من منبر الى آخر؛ فالشروق ليست المصري اليوم، ودريم ليست أون تى فى، لكن الاتجاه العام كان موحدا فى الأغلب الأعم.

صحيح أن الحملات الموجهة لم تقتصر على المنابر الإعلامية فقط، فلقد كان هناك حملات موازية و موجهة هى الأخرى، وعلى الأخص من التيارات الدينية: إسلامية أو مسيحية، ولكن الفرق كبير. فالتيارات الدينية تيارات قديمة ومنتشرة فى الشارع المصري منذ عقود، ونشاطاتها سواء رفضناها أم قبلناها، هي نتاج جهود دءوبة متراكمة على امتداد سنوات طويلة. تستطيع القوى الأخرى، ان أرادت، ان توازنها وتنافسها بالعمل السياسى والشعبى الدءوب. وذلك يختلف تماما من حملات رجال المال و الأعمال، التى استطاعت ان تعيد صياغة الخطاب الاعلامى المصري كله فى بضعة أيام فقط، بدون ان يكون لها اى جذور او جهود او وجود فى الشارع المصري على امتداد سنوات طويلة. انها القوة الصرفة الفورية للمال وجبروته.

لطالما اندهشنا وانزعجنا من قدرة الشركات الأمريكية الكبرى على التحكم و السيطرة والهيمنة على الرأى العام هناك. وكيف استطاعوا ان يقنعوا الجمهور الامريكى بمشروعية كل جرائمهم العدوانية فى العراق وفلسطين و أفغانستان وغيرها. وكنا نعتب دائما على الشعب الأمريكى، انحيازه لإسرائيل رغم كل جرائمها فى فلسطين. ولم نستطع أن نتفهم ابدا كيف تغيب الحقائق الساطعة عن شعوب الغرب بأكملها. ولكنني بعد أن رأيتهم يفعلونها فى مصر، زالت دهشتي تماما، وفهمت مغزى المثل الانجليزي القائل:Money Talks.

و لقد كان الإعلام الرسمي المصري لنظام مبارك إعلاما موجها أيضا، ولكنه كان توجيها غبيا، يكذب فى كل صغيرة وكبيرة، فلم يصدقه أحد، ففقد تأثيره وخطورته. أما خطورة إعلام رجال الأعمال فهو انه يكتسي بطبقة زائفة من المصداقية، ثم يكذب بحرفية وفى قضايا معينة و مختارة بعناية للتخديم على مصالحهم، كما أنه يتجمل طول الوقت بتبنى بعض القضايا الحقيقية والعادلة التى لا تمس صلب المصالح، أو بما يقدمه من خدمات إخبارية واسعة. كما انه يتجمل أيضا بعدد من المحررين و الكتاب والشخصيات المحترمة أمثال سلامة أحمد سلامة و فهمي هويدى وجلال أمين وآخرين.

لست هنا بصدد تقييم المواقف السياسية من التعديلات الدستورية وتوابعها، فالخلاف فى الرأى هو أمر مشروع ومفهوم ومطلوب. كما لا أتناول مجمل عملية الاستفتاء بما لها أو عليها. ولكنني أود التركيز على نقطة محددة لأهميتها وخطورتها وهى: القوة الهائلة لرجال المال والأعمال فى التأثير على الرأي العام، فخمسة أشخاص فقط، هم خمسة مُلّاك لخمسة منابر إعلامية، تحكموا فى إدارة الحوار حول التعديلات الدستورية، فأوهمونا جميعا بأن الرأي العام المصرى منحاز لاختيار معين، لنكتشف لاحقا ان الحكاية في غالبيتها خدعة إعلامية موجهة. لقد كان الحوار و الخلاف حول الاستفتاء فى البداية خلافا بريئا، بين أطراف يمارسونه برقى وهدوء وتقبل وتفهم كامل، فكافة المشاركين من الطرفين هم شخصيات لها مصداقيتها الوطنية والتاريخية. لكن بمجرد ان دخل رجال المال و الأعمال على الخط، تغير الحال، فتسطح النقاش، وطغت المانشتات والتصريحات الزاعقة و المختصرة و الزائفة على المقالات الرصينة، وتحول الحوار الى حملات دعائية وإعلامية شبيهة بإعلانات مساحيق الغسيل التلفزيونية.

إن رجال المال والأعمال ليسوا طرفا أصيلا في ثورة يناير، ولا في أي ثورة شعبية حقيقية. فلقد كانت الغالبية العظمى منهم دائما وعلى مر العصور وتعدد الأنظمة، تتقرب من السلطات، أي سلطات، حفاظا على مصالحها. وليس من المعقول ولا من المقبول، أن نسلمهم قيادة الخطاب السياسي والاعلامى للثورة لمجرد أنهم يملكون الأموال والصحف والفضائيات.

محمد سيف الدولة

Seif_eldawla@hotmail.com

اقرأ من جريدة الاشتراكي العدد 54، 1 أبريل 2011: حزب العمال هو صوت العمال.. وسيبنيه العمالالثورات العربية وأزمة الرأسمالية العربيةالحزب الثوري.. حياة أو موتمرسوم سيطرحه العمال أرضاًيوم الأرض.. يوم الصمودبصمة الثورة المصرية على فلسطينالثورات العربية وأزمة الرأسمالية العربية