بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كارت أحمر للرئيس

رفع عبد الحليم قنديل، الكاتب الصحفي، والمنسق العام لحركة كفاية, كارتاً أحمراً للنظام المصري في كتابه الصادر حديثاً والذي جمع خلاله ما يزيد قليلاً عن 50 مقالة, نَشرت سابقاً في جريدتي صوت الأمة والقدس العربي، بالإضافة إلى عدد من المقالات مَنعت من النشر.

يرصد قنديل خلال مقالاته, التي أطلق عليها المقالات الحمراء, مظاهر الإفلاس السياسي للنظام المصري، حيث الديكتاتورية، وتزوير الانتخابات، وقمع الحريات السياسية، بالإضافة إلى عملية التوريث، التي تَعد في مطبخ السلطة, وعلى المستوى الخارجي حيث التصالح والتحالف الصهيونية، والسمسرة لمصالحها ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة، والمشاركة في حصار الشعب الفلسطيني, وعلى الصعيد الاقتصادي حيث الاقتصاد هش البنية “ذو الطابع الريعي”، الذي تم تجريفه بالخصخصة، وسياسات رجال الأعمال, وعلى الصعيد الاجتماعي حيث تردي مستوى الخدمات الاجتماعية بسبب الفساد ورفع الدعم عنها وكوارث الإهمال والفساد، التي تتابعت مسرعة وصادمة كوقع المطارق.

لم يضع قنديل تصنيف موضوعي لمقالات كتابه، إذ أنها “كلها تنطوي على موضوع واحد ومن زاوية رؤية واحدة، وبدواعي اقتراب متداخلة، وعلى وقع حوادث وحرائق جرت في مصر، أو على بابها الفلسطيني”. لكن مبدئياً, ومن حيث المضمون, يمكننا في هذا العرض أن نقسّم -بوجهة نظر نقدية أيضاً- الأفكار، التي تتضمنها مقالات الكارت الأحمر.

حرائق الديكتاتورية

في معرض حديثه عن الديمقراطية والحريات السياسية, يُشهّر قنديل بديكتاتورية مبارك وقمعه للحريات, وطبعاً بعملية التوريث التي تعد على قدم وساق في كواليس السلطة. وفي هذا الشأن قد ضرب النظام المصري أرقاماً قياسية عديدة, فمبارك يظل في منصبه كرئيس للجمهورية، وقائداً أعلى للقوات المسلحة، ورئيساً للمجلس الأعلى للشرطة، ورئيس المجلس الأعلى للهيئات القضائية للسنة الثامنة والعشرين. أي أنه يرتدي الزي العسكري ولباس الشرطة وبدلة التشريفة ووشاح القاضي في نفس واحد. علاوة على صلاحياته في تعيين رئيس الوزراء والوزراء ونوابهم (وإقالتهم عند اللزوم)، وحل البرلمان وتفويض صفقات السلاح وإلى غير ذلك.

شاخ الكثير من رجال مبارك أيضاً على كراسيهم, فوزير الدفاع في منصبه منذ 18 سنة، ومدير المخابرات العامة ظل في منصبه لمدة أطول، ووزير الداخلية الحالي في منصبه منذ 12 سنة. والثلاثة ضربوا الأرقام القياسية, بالإضافة إلى رجال أقل شأناً كوزير الثقافة الذي مكث في منصبه منذ 22 عاماً.

أما بالنسبة للحريات السياسية في مصر, فربما تكون الاعتقالات السياسية أحد المؤشرات الهامة لها. طبقاً لتقارير حقوقية, فقد صدر أكثر من مائة ألف أمر اعتقال في أيام مبارك, وبلغ عدد المعتقلين من جماعة الإخوان وحدها ثلاثين ألفاً في الخمس عشرة سنة الأخيرة, ولا توجد أرقام رسمية عن عدد المعتقلين العالقين إلى الآن, وإن كان تقرير للمجلس القومي لحقوق الإنسان قدّرهم بحوالي خمسة وعشرين ألفاً.

إنتفخت ظاهرة المحاكمات العسكرية للمدنيين منذ 15 سنة تقريباً. وفي ظل فزع النظام الحاكم من نمو تيارات معارضة, توجّه بنوع من الانتقام السياسي إلى محاكمة الأخوان بالذات, باعتبارهم القوة السياسية الأكثر جماهيرية, وبالتالي الأكثر تهديداً للنظام في مصر.

يدلّل قنديل على الغياب الكامل للشرعية السياسية لنظام مبارك بما يجري في أي انتخابات تجري في مصر، (رئاسية أو برلمانية أو نقابية, الخ). فلم يحدث في مصر أن جرى استفتاء أو انتخابات في زمن مبارك كله بالإشراف القضائي الكامل. هكذا جرت استفتاءات الرئاسة الأربعة لمبارك -في 81 و87 و93 و1999. ثم بعد تحول اختيار الرئيس من الاستفتاء الصريح إلى ما يسميه قنديل “الاستفتاء المقنع” في 2005، فقد جرى ما هو أسوأ, فلم تزد نسبة الإقبال على استفتاء المادة 76 من الدستور على 5% في لجان الإشراف القضائي, وهي النسبة التي تدنت فيما بعد في استفتاء تعديل 34 مادة في 2007, إلى 3% لا غير طبقاً لتقارير نادي القضاة.

فضلاً عن تزوير الانتخابات البرلمانية، وتحويل أحزاب المعارضة الرسمية إلى أحزاب كاريكاتورية، واستخدام برلمانيها كقطع ديكور لزوم التصوير, أضف إلى ذلك إيحاءات الزيف؛ فوجود معارضين شكليين في الصورة يوحي بأننا في مجتمع ديمقراطي.

أما فيما يخص عملية التوريث, التي بدأت فعلياً منذ أن أصبح جمال مبارك رئيساً للجنة السياسات بالحزب الوطني عام 2002, يحاول قنديل رسم صورة لها بأن جمال مبارك يريد إكمال رحلته إلى الرئاسة الرسمية، أما مبارك لا يريد ترك مكانه، وربما يعيد ترشيح نفسه, “فالابن يريد التعجيل، أما الأب يميل إلى التأجيل”.

يصف عبد الحليم قنديل النزاع بأنه “عائلي جداً على مائدة غداء”, كما يصف حكم مبارك كله بأنه عائلي إلى أبعد حد. حيث لا يمكن إنكار الصلاحيات المطلقة لعائلة مبارك في الحكم, لكننا لا يمكن أيضاً أن نتجاهل الخلفيات والأبعاد السياسية التي يمثلها هذا الحكم “العائلي”. فحكم مبارك وحاشيته يعد بالفعل تمثيلاً سياسياً لطبقة رجال الأعمال, بل ومن فرط الإفلاس السياسي للنظام فقد أصبح يمثل فقط مصالح رجال الأعمال الاحتكاريين، الذين أصبحوا في السلطة بالفعل ليدافعوا عن مصالحهم بأنفسهم, وبالأخص في ظل غياب أحزاب ليبرالية قوية تتولى هذه المهمة نيابةً عنهم. أما ديكتاتورية مبارك فهي التي تحمي سياسات رجال الأعمال -الليبراليون الجدد الملتفون حول جمال مبارك- من غضب الجماهير.

حرائق الفساد

“إن أفضل إنجاز حققه مبارك أن جعل المصريين يكرهون مصر, وأن جعلهم نفايات بشر ينتظرون الموت في بلادهم أو على أرصفة الغربة”، هكذا يصف عبد الحليم قنديل إنجازات مبارك، حيث أن كوارث الفساد والإهمال في مصر لها سجل حافل في عهده، كما يسرد قنديل, حيث هناك أكثر من ثلاثة وسبعين ألفاً ماتوا في حوادث الطرق, والرقم هو ضعف عدد الشهداء في حروب مصر كلها. ونصف مليون مصري يصابون بالتسمم والسرطانات من تلوث المياه, وربع مليون مصري يُضاف سنوياً لحساب فواتير السرطان القاتل, ومصر هي الأولى عالمياً في عدد المصابين بالفشل الكلوي والتهاب الكبد الوبائي. أضف إلى ذلك الانتحار فقراً، والموت في طوابير الخبز، وآلاف الشهداء في العبّارات الغارقة والقطارات المحترقة, أو الموت غرقاً في مغامرات الهروب عبر البحر المتوسط.

أما فيما يخص الأوضاع الإقتصادية, يصف قنديل الاقتصاد في مصر بأنه بالغ الهشاشة، منهك من النهب العام وتجريف إنتاجية الزراعة والصناعة, ذو ميزانية منهوبة، ومثقلة بديون داخلية وخارجية تفوق إجمالي الناتج القومي.

حرائق على الباب الفلسطيني

يوجّه قنديل انتقادات حادة لتواطؤ النظام المصري مع الكيان الصهيوني و”مفاوضات العبث المباشر”، التي يجريها مبارك مع عباس وإسرائيل. ويسرد عبد الحليم قنديل مظاهر هذا التواطؤ ويفضحها, فالنظام في مصر يحمي سفارة إسرائيل وسفيرها، ويغلق المعبر لخنق الفلسطينيين، ويصدّر الغاز والبترول لإسرائيل، ويزوّد الجيش الإسرائيلي بطاقة النار اللازمة لقتل الفلسطينيين, كما يحوّل الإعلام الحكومي إلى احتياطي مضاف للدعاية الصهيونية. وموقف كهذا لا يوصف بالصمت أو التخاذل بل هو سمسرة مباشرة للمشروع الصهيوني، وشراكة كاملة معه. “وهذا هو موقف الأنظمة العربية التي جعلت القضية الفلسطينية موضوعاً للمقايضة”، على حد تعبير قنديل.

ولكن قنديل يعزي تلك الخيانة إلى تذيل السياسات الرسمية في مصر للسياسة الأمريكية، حيث تحولت مصر، بفضل نظام مبارك, إلى مستعمرة تابعة للتاج الأمريكي.

الكارت الأحمر

يطرح عبد الحليم قنديل أن التخلص من استبداد النظام القائم لن يتحقق بالاستجداء البرلماني، أو من خلال رموز أخرى من داخل النظام، “فنحن لا نريد جنرالاً يخلف رأس النظام القائم، ويخلع البزة العسكرية ليرتدي أخرى مدنية، ويترأس حزباً إدارياً يحكم بلا سند أو شرعية, ولا نريد أن ينتهي النظام الحالي إلى توريث بسنن العائلة، ولا بصلات المؤسسة الأمنية, بل أن تعود السلطة للشعب وحده يتصرف فيها بإرادته”. وحدها الثورة الشعبية السلمية -على حد تعبير قنديل- هي ما تستطيع تغيير الوضع السياسي في مصر. ولن تتحقق مثل هذه الثورة إلا عن طريق مزج الغضب السياسي بالغضب الاجتماعي، بهدف الإنهاء السلمي للنظام القائم عن طريق المقاومة السلمية والعصيان المدني, كما يصف قنديل. وقد يلعب التكوين الائتلافي، الذي يشير إليه قنديل في عدد من المقالات -أتلاف المصريين من أجل التغيير- هذا الدور. وهذا الائتلاف يصفه قنديل بأنه”كفاية” ثانية، بروح كفاية الأولى “جامعة لأشواق المصريين… إجتماعية وسياسية معاً”.

لكن علينا أن نذكر أنه ليس كافياً لائتلاف مثل ذلك المشار إليه أن يمزج الغضب السياسي بالاجتماعي، بمجرد أنه يجمع قادة سياسيين بجانب قادة عماليين وقادة احتجاجات اجتماعية أخرى, بل عليه -لكي يحقق الجماهيرية اللازمة لتحقيق عملية التغيير- أن يتبنى القضايا الاجتماعية المثارة الآن في مصر، مهما بدت فئوية أو ضيقة, وأن يمارس دوره فيها لتطويرها وربطها بالقضايا السياسية العامة.