بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

في ندوة مركز الدراسات الاشتراكية:

كيف سيكون مستقبل الثورة المصرية؟

تشهد اللحظة السياسية الراهنة الكثير من الارتباك، فالانتخابات الرئاسية على مسافة أيام والدستور ينتظر التوافق على لجنة تأسيسية الأرجح أنها لن تحقق هذا التوافق في المستقبل القريب، كما شهدت البلاد انقساما بين القوى المحسوبة على الثورة في قراءة المذابح والاعتقالات. وفي كل يوم يضرب العمال ويعتصمون في غياب آليات تضامن واضحة بينهم وبين الشباب.

الأمر يحتاج إلى خطة عمل تتفق عليها القوى الثورية لنصرة الثورة والوقوف معا في مواجهة خريطة الطريق التي رسمها العسكر. ويبقى السؤال: كيف تستطيع القوي الثورية استكمال الثورة علي المستوي الديمقراطي الاجتماعي؟ وما هي خطط العمل التي يمكن أن نسلكها لتحقيق أهداف الثورة؟. للإجابة على هذه الأسئلة عقد مركز الدراسات الاشتراكية، الأحد 13 مايو، ندوة بعنوان: "مستقبل الثورة المصرية واستراتيجيات المقاومة" بحضور كمال خليل القيادي بحزب العمال الديمقراطي، محمد واكد مؤسس الجبهة القومية الديمقراطية، رامي صبري عضو حزب التحالف الشعبي الديمقراطي، ومصطفي بسيوني عضو مركز الدراسات الاشتراكية.

في البداية وجد كمال خليل أن ثورة 25 يناير لم تحقق أهدافها من "عيش وحرية وعدالة اجتماعية" لكنها في المقابل حققت ضربة موجعة للنظام السياسي بمصر المتمثل في المؤسسة العسكرية ومكوناتها من رئيس الجمهورية، وهو رئيس الحزب الحاكم والمحتكر لكل من البرلمان والحكومة والمؤسسات القمعية من الداخلية والدفاع. الثورة حطمت الستارة التي تخفت ورائها المؤسسة العسكرية واستطاعت حل البرلمان وإسقاط الحكومة لتزداد محاولات إسدال نفس الستارة من خلال التعاون مع الإصلاحيين (الفلول الجدد) الذين سعوا إلى اقتسام السلطة. الثورة أيضا نجحت في إفراز عشرات الآلاف من الثوار الذين اخرطوا في المعارك الحقيقية وهم الكتلة النقية التي لم تنضم إلى أحزاب بل تعرفت على الثورة من أنقى زواياها دون المصالح الشخصية.

أما عن مطالب الثورة وكيفية تحقيقها بالمستقبل، فقد تسائل خليل: لصالح من تعمل مشاريع النهضة بعد تبنيها طيلة الفترة الماضية بمسميات مختلفة ومنذ محمد علي في مصر الحديثة؟. هناك مطالب ملحة ومباشرة ستكون الخطوة الأولى لتحقيق العدالة الاجتماعية كتوزيع الثروة وإعادة تخطيط الاقتصاد، وهو ما لم يحدث في تلك المشاريع التي حققت الاستفادة لصالح فئات معينة. ومن هنا علينا البحث عن استراتيجية محددة تهدف لاستكمال الثورة بتشكيل جبهة واسعة تعتمد على القواعد الثورية من مختلف التيارات وتمد جسور التعاون معهم وخاصة بعد حالة الفرز التي أثبتت تورط القيادات لأغلب التيارات السياسية بصفقات مع المجلس العسكري والثورة المضادة.

ووجد خليل أن أهمية تكوين جبهة موحدة من القواعد الثورية ستظهر عند امتداد الخط الثوري بسقوط المؤسسة العسكرية ومؤسسات الفساد ووصول الثورة المصرية إلى السلطة، فعندها سنواجه بتدخل عسكري أمريكي صهيوني، لأن انتصار الثورة المصرية على هذا النحو سيعني انتصار ثورات الشعوب بالمنطقة وبالعالم ككل ضد الاستغلال العالمي.

كما أكد خليل أن الانتخابات الرئاسية لن تحقق شيء إذا كانت الأجهزة القمعية تمارس تدخلها لتحمي السلطة الحاكمة، والرهان في هذه المرحلة سيكون على حملة تربط كل المصالح والأهداف الثورية من محاكمة القتلة والقصاص للشهداء والإفراج عن المعتقلين وفرض حد أدنى للأجور.

أما واكد فقد وجد أن الحركة الثورية بمصر بعد التنحي وطيلة الفترة الماضية شهدت امتداد وانحسار على حد سواء، وانقلبت الثورة إلى العديد من المرادفات التي ساقتها الثورة المضادة من عجلة الإنتاج والإرادة الشعبية والمواطنين الشرفاء، حتى أن كلمة ثوار انقسمت لتشمل جزء منهم يوافق على استفتاء التعديلات الدستورية التي تعيد هيمنة النظام السابق وبسببها تم حظر خيرت الشاطر كمرشح لهم في الانتخابات الرئاسية. فالوضع برغم صعوده أو هبوطه يواجه بصفة عامة معوقات. على الجانب الرئاسي مثلا اعتمد المرشحون على البرامج التنموية فقط دون الاعتماد على برامج ثورية كإلغاء الديون المتراكمة مثلا وهو ما حدث في تجارب ثورية أخرى، ولم يقدم أي منهم مشروع ثوري يعتمد أساسه على العدالة الاجتماعية في تغيير الهيكل الاقتصادي، يحدث هذا في ظل نظام سابق اعتمد على القوانين والأجهزة الاستخباراتية التي تم إعادتها من جديد في شكل جهاز الأمن الوطني بل وزيادة قدرات الأمن المركزي بالشرطة العسكرية. كما أن الحركة الثورية ضمت في كثير من الأحيان اليميني بجانب الثوري وأصبحت أكثر فوضوية، وبناء عليه لم تستطع بلورة رؤية واضحة تجاه الحركة بصفة عامة في تحقيق أهداف الثورة.

الحركة الثورية أيضا لم تسلم من الصراعات الحزبية ومحاولة البعض اجتذاب الزخم الثوري لصالحهم حيث وجد واكد أن ضرورة تكوين طليعة ثورية هي الأهم في تلك المرحلة بالنسبة لمستقبل الثورة بدلا من اللهث وراء صناديق انتخابية في إطار جدول زمني فرضته السلطة الحاكمة.

واستدل واكد على فكرته بجذور الثورة المصرية ودور اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة في استعادة حركة الشارع بعد تراجعها منذ السبعينات حيث انتزعت النزول إلى الشارع بجبهة شعبية اتخذت خطواتها بدءا من الإعلام البديل وتطورت إلى حركة كفاية ثم الحركة العمالية النقابية التي بالفعل سبقت الثورة وأصبح هناك ما يوحدها كمطلب الحد الأدنى للأجور مثلا، كما تطورت في النقابات المستقلة كشكل من أشكال التأطير، وهو ما يؤكد ضرورة تكوين نواة ثورية لتطوير الحركة في مصر.

أما رامي فقد أكد أن الأزمة الحقيقية التي تواجه الثورة المصرية الآن هي الانفصال التام بين القوى السياسية والقوى الاجتماعية، فالمجلس العسكري والإصلاحيين تحالفوا ليمثلوا ثورة مضادة حتى وإن بدت بينهم اختلافات سطحية في ظل امتداد واضح للمثلث أمريكا واسرائيل ودول الخليج في تصفية الثورة. القوى الاجتماعية على الجانب الآخر لم تحدد أفقها بعد في مشروع بديل يشارك بقوة في صنع الثورة، لعل ذلك ما يراهن عليه المجلس العسكري ويطمئن له في حرف مسار الثورة، بل وصياغة فرص لإعادة النظام السابق أيا كانت نتائج الانتخابات المقبلة.

ووجد رامي أن عدم تنظيم الطبقة الوسطى التي ساهمت بقوة في الثورة هو جزء أيضا من الأزمة، في ظل فرص يتم تضييعها وعدم استغلالها من قبل القوى الثورية كعدم المشاركة في تصويت الانتخابات الرئاسية مثلا، وهي فرصة هامة لإحداث فرز بين القوى المختلفة في تحقيق أهداف الثورة. وخاصة أن مستقبل استمرار الثورة سيعتمد على إيجاد فرص لتكوين جبهة تعتمد على الديمقراطية الشعبية أو ديمقراطية القواعد كاللجان الشعبية للدفاع عن الثورة التي تأسست منذ بداية الثورة بداخل الأحياء المختلفة وهي جزء من فرص لابد من استغلالها وتطويرها لطرح الخطاب الثوري البديل.

أما مصطفى بسيوني فتحدث عن دور الطبقة العاملة في صنع مستقبل الثورة، ففي الخمس سنوات الأخيرة خاضت الطبقة العاملة في تونس انتفاضة قوية بقفصة أشبه بانتفاضة عمال غزل المحلة، كما اقتحمت الإضرابات العمالية الثورة التونسية وأجبرت الاتحاد التونسي للشغل أن يخضع للقواعد العمالية والبدء في دعوة لإضراب عام يوم 14 يناير، وهو اليوم الذي أجبر المخلوع على الهروب. وعلى الرغم من درجة تنظيم الحركة العمالية في تونس واختلافها عن مصر لكن صعود الحركة العمالية قبل الثورة عام 2008 شهد ارتفاع المطالب منذ فبراير 2008 كالحد الأدنى للأجور ثم بناء النقابات المستقلة حتى تطورت في الأسبوع الأخير للثورة ببدء سلسلة من الإضرابات العمالية لتنتشر في مصر ولتجبر النظام على التنحى فورا.

بعد الثورة حدث على ما يشبه الانقلاب على الحركة العمالية ووصفها بالفئوية المعطلة لعجلة الإنتاج بما في ذلك إعاقة الحلول السياسية ليصبح الشعار الناظم لكل القوى السياسية هو تسليم السلطة، في حين رفعت الحركة العمالية على الجانب الآخر مطلب تسليم الثروة.

تسليم السلطة كان يعني غنائم للقوى السياسية التي دفع ثمنها الشعب وفي القلب منه الحركة العمالية، وهو اقتسام الكراسي مع القوى الإصلاحية المختلفة التي قرر النظام السابق، ممثلا في المجلس العسكري، اللجوء إليها بعدما أصبح غير قادر وحده على احتكار كل المناصب السياسية، تم ذلك وفقا لقوانيين وضعها النظام السابق ولم يتم تغييرها حتى الآن.

تسليم الثروة على الجانب الآخر هو استكمال هدم نظام مبارك والقضاء على تراكم الثروة في أيدي المحتكرين وتسليم كل الأموال المنهوبة بما في ذلك تأميم الشركات ووضع حد أدني للأجور، وعلى الرغم من الهجوم الشديد الذي تتعرض له الطبقة العاملة من قوانين ومحاكمات عسكرية كذلك من القوى السياسية التي لم تتكمن من الظهور والحصول على مقاعد إلا بنضال عمالي، إلا أن الثورة لم تتحق للفئات الشعبية المختلفة على نحو تمكنهم من قهر الاستغلال وهو ما ساعد على صعود الحركة العمالية لتصبح أكثر اتساعا ولتصل قطاعات لم تكن تشهد الإضرابات من قبل، بل وأصبحت أكثر تنظيما لتتم على مستوى المحافظات كما في إضرابات المعلمين وعمال البريد وشركات السكر. ملامح التطور تقدمت بشكل يؤهلها لقيادة الثورة ضد الرأسمالية والمجلس العسكري والقوى السياسية التي تحاول وقف الثورة عند حدود مصالحها.

وأكد بسيوني أن الاشتراكيين الثوريين يراهنون على الطبقة العاملة في الفترة القادمة لإحداث أهداف الثورة في التغيير الاجتماعي من خلال معاركهم التي تفرز معسكرات الثورة المضادة، ومن أجل ذلك لابد من بذل أكبر جهد للانخراط في تنظيم صفوف العمال حتى يتم القضاء بالكامل على نظام مبارك وهو النظام الرأسمالي.