بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

بين الفساد والتعذيب:

كيف تعمل الشرطة؟!

كلما إزدادت حدة الصراع الطبقي في مجتمع من المجتمعات كلما ازدات حاجة الأنظمة الحاكمة لأداة قمعية قوية تأمن لهم البقاء في السلطة وتضمن مكتسباتها. وهكذا ظهرت الشرطة كأداة قامعة تبطش بها الأنظمة ضد كل من يهدد استقرارها، وهكذا أصبح للشرطة تاريخ طويل وحافل من العنف ضد المواطنين وحتى المسالمين منهم.

وبالرغم من أن الشرطة تروج دائماً إلى أنها تلجأ للعنف في أضيق الحدود وفي مواجهة فئة قليلة جداً، إلا إن هذا الإدعاء غير حقيقي حيث أن عنف الشرطة هو نتيجة حتمية للدور الذي تقوم به في المجتمع. وفيما يخص الشرطة المصرية تحديداً فأن الدور الذي تقوم به لا يختلف عن دور الشرطة في أي نظام قمعي مستبد، بل يزيد عليها أيضاَ الفساد الذي استشرى فيها بشقيها الجنائي والسياسي، والحقيقة أن لهذا الفساد أسباباً عدة، بخلاف أن جهاز الشرطة أو وزارة الداخلية بشكل عام كانت بمثابة كلب الحراسة الوفي لنظام مبارك، إلا إنه أيضاً كان الكلب المدلل الذي لا يبخل عليه راعيه بشيء، خاصة بعد أن استطاعت الداخلية تقويض وكسر شوكة الجماعات الإسلامية منذ تسعنييات القرن الماضي، مما جعلها وزارة ذات وضع خاص وصلاحيات غير محدودة وتزايد شعور العاملين بها من الوزير إلى أصغر فرد أمن بالسلطة والنفوذ، وليس فقط من هم على قوة الداخلية بشكل رسمي بل حتى المتعاونين معها من المخبرين والمسجلين خطر والذين كانت تستخدمهم الشرطة كمرشدين ولا يخفى على أحد أن كان بإمكان مخبر أو مرشد واحد أن يتحكم في منطقة بأكملها لمجرد أته يتعامل مع الداخلية مما يعني قدرته على البطش وإيذاء من تسول له نفسه أن يعاديه.

سبب آخر من أسباب فساد الشرطة هي الطريقة التي يتم بها إختيار من يلتحق للعمل بهذا الجهاز، جرت العادة أن يكون ضابط الشرطة من الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، حيث أن أبناء الطبقات الأعلى يترفعون عن مثل هذه الأعمال، كما أنه من المرفوض تماماً أن ينتمي ضابط الشرطة للطبقات الأدنى أو أن يكون إبن عامل أو أجير فقير، عندئذ سيكون من الصعب ضمان ولاءه للشرائح الأعلى ويكون الخوف من انحيازه للفقراء أو أن تأخذه الرحمة أو الشفقة بالعمال أثناء تنظيمهم للاحتجاجات، وتزاوج الأحساس بالسلطة والنفوذ مع انتماء ضباط الشرطة لشريحة اجتماعية أعلى من السواد الأعظم من الذين يتعاملون معهم من عامة الشعب هو الأمر الذي ظهر في ممارستهم للعمل وهم يشعرون أنهم “أسياد البلد”، ومنذ التسعينيات أيضاً برز عامل آخر مساعد على الألتحاق بالشرطة غير الأنتماء الطبقي، وهو القدرة المادية، فأصبح الألتحاق بكلية الشرطة يعتمد على دفع الرشاوي وبمبالغ كبيرة إلا بعض أبناء كبار الضباط الذين يلتحقون بالكلية بوساطة آبائهم، وبالتالي وبرغم من أن مرتبات ضباط الشرطة من أعلى المرتبات الحكومية وربما أيضاً أعلى من بعض الوظائف في القطاع الخاص، إلا إن هذا الأجر لا يزال غير كافي لهؤلاء الذين التحقوا بالشرطة بأموالهم ولا يحقق لهم سقف طموحاتهم ولا يتماشى مع وضعهم الاجتماعي الأصلي، والحل اللجوء للفساد والرشاوي لتعويض الفارق.

وبالرغم من أن النظام السابق أفرد ملايين الجنيهات وخصصها للداخلية وتوسع في أشكالها من جنائية وسياسية وأمن مركزي يفوق عدده عدد الجيش المصري ذاته، إلا إن تلك الأموال لم تنفق في تطوير القدرات البحثية وسائل كشف الجرائم الحديثة ويبدو أن تلك الأموال كان مآلها لجيوب الكبار، وهكذا كان لابد أن تلجأ الشرطة لأساليب أخرى لكشف الجرائم وتعقب السياسيين، وأن تعتمد على على إقامة علاقات وثيقة خاصة بالمجرمين والمسجلين خطر من أجل كشف الجرائم نفسها، وبعمل المسجلين كمرشدين للشرطة أحيانا وكبلطجية أحياناً أخرى للشرطة ذاتها أو لرجال الأعمال ورجال الحزب الحاكم في أحياناً أخرى وبوساطة الضباط كما شاهدنا في الإنتخابات الأخيرة نوفمبر 2011 على سبيل المثال بدا الأمر وأن تماهت الشرطة مع الجريمة، إذا اجتمعت كل العوامل السابقة من فساد مالي وتدني في الكفاءة العملية والإحساس بالسيادة مع توحدهم مع الجريمة ربما يفسر لنا هذا الأسباب التي أدت تفشي التعذيب الوحشي كإستراتيجية وحيدة داخل أقسام الشرطة.

ومما سبق تظهر صعوبة بل وعدم جدوى الدعوات المطالبة بتطهير وإعادة هيكلة الشرطة ففساد هذا الجهاز لم يقتصر على فئة بعينها بل طال الجميع، وأصبحت كلمة شرطي تساوي كلمة مستبد فاسد، وإذا أخذنا ضابطاً ممن ألتحق بالشرطة بأمواله ثم تربح منها باستغلال نفوذه وسلطته وآمن بأن مهمتهه الأولى والوحيدة هي الحفاظ على أمن النظام وتعذيب والتنكيل بكل من يعارض هذا، كيف لنا أن نصدق أن مثل هذا الضابط يمكن أن يعاد تأهيله وإذا كانت أغلبية الضباط منذ التسعينات قد نشأوا على هذه العقيدة كيف إذاً يمكن إصلاحهم أو إعادة تقويمهم مرة أخرى!

ربما يكون الحل هو تفكيك وزارة الداخلية بالكامل وأن تتقلص مهامها وأن يفصل ما بين إداراتها كأن تتبع شرطة السياحة مثلاً وزارة السياحة وشرطة الأموال العامة وزارة المالية، وأن يقبل للعمل بهذه الادارات حملة المؤهلات الأخرى بخلاف خريجي كلية الشرطة كالحقوقيين مثلاً مما يقلص نفوذ وزارة الداخلية، وأن يعاد النظر في شروط الالتحاق بكلية الشرطة بشكل يسمح لفئات إجتماعية مختلفة للالتحاق بها، وأخيراً أن تكون هناك رقابة شعبية على أداء الشرطة بحيث تتمكن بعض المجموعات المدنية في شكل أشبه باللجان الشعبية في كل الأحياء ويكون لها الحق في المراقبة وتفتيش أقسام الشرطة.

إن قضية الشرطة قضية سياسية واجتماعية لا تقل أهميتها عن أية قضية أخرى، وهي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر ومتكرر ويومي، وانتصارنا في تلك المعركة سيتوقف عليه الكثير وسيمكننا من تحقيق أهم المبادئ التي قامت ثورة يناير لانتزاعها وهي الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.