بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

مداخلة مع مقال:

على هامش الصراع الطبقي

تثير مقالة تامر وجيه “ملاحظات على هامش الصراع الطبقي” (أوراق اشتراكية – العدد 17) في الذهن كثير من الملاحظات والأفكار. والمناقشة مع المقالة ستبدأ من حيث العنوان. حيث أن ما قدمه تامر ليس ملاحظات على هامش الصراع الاجتماعي، ولكنها في عمق وجوهر هذا الصراع، وإلا لما أثارت هذا القدر من التفكير. وعلى هذه الأرضية جاءت فكرة الاشتباك مع المقالة، ليس بالمعني الحربي بالطبع، ولكن بمعنى مد بعض الأفكار والتأكيد عليها، والاختلاف مع بعضها الآخر.

ومن حيث البداية، اتفق مع ما جاء في المقال من أن التحولات إلى الليبرالية الجديدة وسحب المكتسبات الاجتماعية الجماهيرية هي أمور تمت بشكل فوقي من قبل دائرة ضيقة للحكم (شأن معظم التحولات الجوهرية التي جرت على البناء الاجتماعي في مصر). ولكن أود التأكيد على أن العلاقة بين الطبقة الحاكمة والطبقات الشعبية، إذا افترضنا إن هناك عقد اجتماعي غير مكتوب يحكمها، فإن هذا العقد يختلف كيفيا عن فكرة العقد الاجتماعي التي عُرفت في سياق تطور كثير من الدول الأوروبية الصناعية. فإذا جاز التعبير فهو عقد إذعان تصادر فيه الطبقة الحاكمة الصراع الاجتماعي، في الوقت الذي توفر فيه بعض المطالب الاجتماعية التي رفعتها الجماهير من قبل، وهو ما جرى في الخمسينات والستينات.

معنى ذلك أن العقد ليس بين قوى سياسية تعبر عن مصالح طبقية مختلفة تنظم العلاقة بينها من خلال المؤسسات الديمقراطية، بحيث تكون هناك إمكانية لحماية بنود العقد إذا ما تم انتهاكها. ولكن يتميز عقد الإذعان بأن الدائرة الضيقة الحاكمة تضع شروطه منفردة وتتراجع عن أي منها عندما يعن لمصالحها ذلك. وإذا أضفنا أن مصادرة الصراع الاجتماعي كانت تعني وأد أو شل بوادر التحركات الشعبية في المهد، إلى جانب أزمة اليسار المستعصية والمزمنة، ينبني على هذا أن المكاسب المتحققة لم تجد من يدافع عنها دفاعا جديا فعالا.

فالقمع المستخدم لكبت الصراع الطبقي أو كتمه في السبعينات وما بعدها لم تقو المعارضة على صده، وقد هيأت الفجوة السياسية مع التحول الليبرالي لأذهانها أن بإمكانها لعب دور في المعادلة السياسية. وإذا ما وصلنا إلى تلك النقطة ندرك هامشية الحراك السياسي الذي مثلت 2005 قمة موجته و2006 قاعها، لأنه لم يخرج عن بنود عقد الإذعان حتى ولو حُسب للعناصر التي شكلته شرف نية المحاولة. ومن ثم لن يكون التراجع مسألة مثيرة للإحباط، إنما تحصيل حاصل، أو أمرا متوقعا.

أما القسم المثير لأكبر قدر من المناقشة وربما الخلاف في المقال، فهو المعنون بالرقم (6). ويلفت هذا الجزء الانتباه إلى إطلاق شائع لتسمية “البديل الثالث” على موقف سياسي هو موقف اليسار. فهل يمكن أن يميز تيار سياسي موقفه بأنه ليس مع هؤلاء أو أولئك، ولا ينطلق من بلورة بديل نابع من توجهه وانحيازه الاجتماعي هو نفسه. بعبارة أخرى لماذا لا يكون منطلق الاشتراكيين هو البديل الاشتراكي مثلا. لماذا يتعين على اليسار تحديد موقعه بالنسبة إلى مواقع آخرين، وكأنه يتعامل مع فقدان الثقة في قدرته على تمثيل بديل كقضية مسلمة أو كقدر محتم إلى الأبد.

في الحقيقة ربما كانت هذه الخلفية هي التي حدت بكاتب المقال إلى أن يحدد الإشكالية في عيون اليسار بأنها كيفية “كسب الجماهير من الإصلاحية أو الراديكالية الاستبدالية إلى الثورية الجماهيرية”، وكأن الطريق للثورية الجماهيرية لن يكون إلا عبر قوة أخرى ذات تأثير على الجماهير، وليس بقطع الطريق على هذا التأثير بطرح قوي ومتبلور لبديل يعبر عن الموقف والانحياز الاجتماعي لليسار. وبناء على هذا كان الجزء الختامي من المقال، والذي يفترض أنه مكرس لسؤال ما العمل، منشغلا بالأساس بتحديد موقف لليسار من القوى الإسلامية، فهل ينحصرعمل اليسار في ذلك؟!

وأعود إلى توصيف المقال للقوى الإسلامية بأنها قوى يتسع نطاق اشتباكها في النضالات والمعارك يوما وراء يوم. وأرى في هذا تعميما يستدعي التوقف عنده. فلم يُلحظ أن القوى الاسلامية توسع اشتباكها مع النضالات على اختلاف أنواعها. فمن الواضح مساهمة القوى الإسلامية في النضال الديمقراطي (رغم الحرص البادي على تمييز هذا الإسهام وجعله منفصلا عن باقي الاسهامات المختلفة)، وهذا منطقي كشأن قوة تسعى إلى السلطة. أما طول باعهم في النضال النقابي المهني فيمكن فهمه في إطار سعيهم للسيطرة على النقابات المهنية كمجال للتعبئة السياسية التي تخدم السعي ذاته إلى السلطة. ويتضح ذلك من حيث أن تجربتهم الطويلة في العمل النقابي الذي يقودونه لم تسفر عن تحقيق أهداف تتصل بتطوير مهنة ما أو تحسين أوضاع أصحابها كفئة اجتماعية أو تطويرا لدور النقابة في المجتمع. أما النضال العمالي فمن الواضح إنه ليس على قمة أولوياتهم، إلا في حالة تحقيق انتصارات يمكن الركوب عليها واستخدام الموقف لصالح الحسابات السياسية الدائرة بينهم وبين الحكم. ويمكن سحب موقفهم من النضال العمالي على مختلف المعارك بشأن المطالب الاجتماعية الاقتصادية الأخرى.

أما تحديد الموقع الاجتماعي للإخوان المسلمين، ومن ثم موقفهم في المعركة ضد الليبرالية الجديدة، بأنهم تيار برجوازي صغير، فأعتقد أنها مسألة في حاجة إلى مراجعة. فمن وجهة نظري أن المحدد الأهم في تحليل هذا الموقع والموقف إنما هو المضمون الاجتماعي للطرح والبرنامج السياسي والوقوف على المصالح الاجتماعية الدافعة له، واعتقد أن في ذلك إعمالا للتحليل الطبقي. وفي هذه الحالة لن يطول بنا الجدل حول موقف الإخوان المنحاز لسياسات الليبرالية الجديدة، سواء بالنسبة للخصخصة أو تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر وتقليص دور الدولة الاقتصادي والاعتماد أساسا على علاقات السوق. وانطلاقا من ذلك يمكن فهم موقفهم في المعركة ضد الليبرالية الجديدة والحركات النضالية المقاومة لها.

وتطرح علينا فكرة أن مهمة المناضلين الثوريين تتمثل في “خوض تجربة كفاحية مشتركة مع جماهير القوى الإصلاحية” (التي هي الإخوان هنا) نقطتين للتساؤل. تتعلق الأولى بأنه في حالة خوض الإخوان المسلمون لمعارك تشارك فيها كتلا جماهيرية (أو تُستخدم)، فهل يشترط العمل في وسط هذه الكتل تنسيق عمل مشترك مع قادة هذا التيار. بمعنى هل لا يمكن العمل في نقابة مهنية مثلا يهمين عليها الإخوان إلا بالعمل المشترك وتنسيق ذلك مع العناصر القائدة للعمل؟ وإذا كان تواجد اليساريين في هذه المواقع سيجذب كتلة جماهيرية إليهم، فهل سيرحب هؤلاء القادة بهذا العمل أو ينسقون مع من سيسحب البساط من تحت أقدامهم؟ وبالطبع فإن كانت الإجابة بالنفي على هذه التساؤلات كما أعتقد، فإن ذلك لا يلغي أي أهمية للعمل المشترك أو التنسيق، ولكنه يضعه في حجمه المناسب من الأهمية.

أما النقطة الثانية فهي التساؤل حول نوع جمهور الإخوان المسلمين وهل هو الجمهور الأساسي الذي ينبغي على اليسار وضع العمل معه على رأس قائمة أولوياته وتكريس ما يملك من وقت وجهد وطاقة محدوده له؟ بحكم وجهة النظر التي تتضح في المقال والتي اتفق معها تماما سنعرف أن جمهور الإخوان يتمثل في المهنين ومختلف فئات الطبقات الوسطى والطلاب والبرجوازية الصغيرة. فهل الأولوية الأولى لليسار العمل وسط هذه الفئات، أم مع الجماهير التي تخوض النضالات العمالية والاجتماعية التي يحدد المقال أنها القادرة على خلق أشكال العمل ذات الجذور المتينة حيث أنها منغرسة في صلب ماكينة المجتمع؟ ونؤكد هنا أيضا أن ذلك يلا ينفي أهمية العمل مع تلك الفئات (التي يأتي منها جمهور الإخوان المسلمين) ولكن يضعه في مكانه من الأولويات.

هذه كانت بعض النقاط ضمن أخرى كثيرة يثير المقال التفكير فيها. وفي النهاية إذا ما مثل هذا نجاحا يحسب للمقال فإننا نتمنى مع كاتبه تحفيز المناقشة الجماعية على طريق الوصول إلى مزيد من الرؤى الغنية والمتماسكة حول طبيعة الصراع الاجتماعي الدائر ومهام ودور وأولويات اليسارين أو الاشتراكيين فيه.