بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

رشيد ومحتكرو الأسمنت:

لا حرب ولا مؤامرة

في أول تحرك من نوعه فيما يتعلق بالاحتكار في السوق المصرية، حولت الحكومة المصرية جميع الشركات المصرية للنائب العام مطلع أكتوبر للتحقيق معها بتهم الاتفاق على أسعار محددة للبيع، وتقسيم السوق بينها. في اليوم ذاته أعلنت الحكومة تأهل عدد من الشركات للحصول على رخص لخمسة عشر مصنعا جديدا للأسمنت. التحرك استقبل باهتمام بالغ تراوح بين تمجيد لوزير الصناعة والتجارة رشيد محمد رشيد لما أُطلق عليه حربه على الاحتكار، وبين استهانة بالغة بالخطوة، جاءت أساسا من صحف المعارضة وخصوصا اليسارية منها معتبرة ما حدث مجرد تمثيلية بينه وبين أصدقائه من رجال الأعمال. والحقيقة أن الخطوة لا تعني هذا ولا ذاك، وإنما هي الدولة، ممثل المصلحة العليا للرأسمالية المصرية ككل، تتدخل في أحد المرات النادرة بصفتها هذه، لكي تعلي شأن مصالح الطبقة ككل على مصلحة قطاع منها أغلبيته من الأجانب.

القطاع وتطور أهمية الأسمنت
قطاع الأسمنت واحد من القطاعات التي بدأت فيها الخصخصة مبكرا، في عام 1996. وقد نجحت عملية الخصخصة في القطاع في اجتذاب القطاع الخاص وشركات عالمية كبرى، على العكس مما حدث في قطاعات وصناعات أخرى، بسبب ربحيته العالية لأسباب سنفصلها لاحقا. وفي ثماني سنوات فقط صار القطاع الخاص يمتلك إحدى عشرة شركة من بين اثنتي عشرة شركة منتجة للأسمنت في مصر، أغلبها في يد الشركات العابرة للقوميات مثل لافارج-تيتان الفرنسية وسيمكس المكسيكية وايتالسيمنتي الإيطالية وسيمبور البرتغالية والتي باتت تسيطر على حصة الأسد من السوق المحلية بما يقترب من سبعين في المائة من الانتاج (ثلاثة منها فقط تسيطر على خمسين في المائة من الإنتاج بقيادة السويس للأسمنت المملوكة لإيتالسيمنتي).

زاد هذا الوضع من التنافسية في القطاع حتى فبراير 2003 مترجمة نفسها في تراجع الأسعار. لكن الشركات اتفقت بينها على تقسيم حصص السوق وأسقف الأسعار في الشهر التالي مما انعكس في ارتفاعات متوالية في أسعار الأسمنت حتى وصل السعر من 132 جنيه للطن في يناير 2003 إلى 430 جنيها في الأشهر الأخيرة.

لم يكن هذا الارتفاع علامة على ارتفاع في تكاليف الإنتاج مثلا بسبب تعويم الجنيه وانخفاض قيمته أمام الدولار التي تسببت في ذلك في القطاعات التي تعتمد على استيراد بعض مدخلات الإنتاج. فالأسمنت يعتمد تماما على مدخلات إنتاج محلية. إنما كان الارتفاع يعني توسيعا هائلا في هوامش الربحية بحجة الاقتراب من السعر العالمي الذي بات في ارتفاع بسبب تنامي الطلب الصيني. وتعمدت الشركات إغفال عدد من الحقائق التي جاءت بها من الأصل للاستثمار في الأسمنت المصري:

أولا، الدعم الهائل الذي تقدمه الحكومة المصرية لمنتجي الأسمنت عبر دعم أسعار الغاز والكهرباء والذي يقدر ب 57 قرشا للمتر المكعب من الغاز و750 جنيها لطن المازوت. يؤدي هذا الدعم إلى وصول تكلفة إنتاج طن الأسمنت غير المعبأ إلى 161 جنيها مقارنة ب 216 عالميا، وفقا لدراسة أحمد النجار في تقرير الاتجاهات الاقتصادية والإستراتيجية لعام 2007.

ثانيا، التساهل الشديد في الاعتبارات البيئية مقارنة بأوربا في ظل أن الأسمنت صناعة شديدة الإضرار بالبيئة المحلية.

وأخيرا، ارتفاع معدلات استغلال العمال الممكنة مع انخفاض أجور العمال المصريين وغياب النقابات (إلا في حالات محدودة كما حدث في السويس وطرة للأسمنت المملوكتين لإيتالسيمنتي).

لماذا حدثت المواجهة إذن؟
بلغ إجمالي الإنتاج المحلي المصري حوالي 38 مليون طن في عام ألفين وستة في وقت بلغت فيه احتياجات السوق المحلي الثلاثين مليونا. أي أن هناك فائض للتصدير. لكن الشركات لم تكتف بارتفاع الأسعار المحلية المتفق عليه وإنما سعت للتصدير للاستفادة من فروق الأسعار وتوسيع هوامش ربحيتها أكثر فأكثر (أليست هناك حرية للسوق وللتراكم الرأسمالي؟)، فأدى ذلك إلى تناقص العرض المطروح محليا من الأسمنت في وقت بدأت فيه فورة عقارية جديدة مع هوجة بيع الأراضي وهكذا أصبحت هناك فجوة أوسع وأوسع بين العرض والطلب مما أدى لارتفاعات متوالية في الأسعار.

الذي أقلق الدولة هنا هو أنها هي نفسها اكبر مستهلك لمواد البناء عبر مشروعات البنية الأساسية وبالتالي تتحمل عبئا مزدوجا في ميزانيتها، التي تعاني من عجز سنوي مزمن ودين عام متراكم تعتبره كل الجهات الهم الأول للاقتصاد المصري في المرحلة المقبلة. فمن ناحية، هي تدفع للمنتجين عبر دعم الطاقة ومن ناحية ثانية تدفع مرة ثانية كمستهلك للمنتج النهائي وفي النهاية يصب ذلك في ربحية شركات أجنبية عالمية. ومن ناحية ثانية تؤثر أسعار الأسمنت المرتفعة ونقصه في السوق على تكاليف وربحية قطاعات أخرى عديدة على رأسها قطاع البناء والتشييد وتكاليف الاستثمارات الصناعية الجديدة، وبالتالي فإن فائض الربحية لدى شركات الأسمنت هو على حساب قطاعات اخرى من الرأسمالية المصرية مؤديا إلى تباطؤ نموها في وقت تصارع فيه من أجل الافلات من كساد مقيم منذ مطلع القرن.

ليس هذا فقط، بل إن أسعار الطاقة المدعومة جذبت كثيرين آخرين ووجدت الحكومة نفسها أمام خمسة وسبعين مشروعا جديدا – منها خمسة وأربعون لإنتاج الأسمنت – تتميز بكثافة استهلاكها للطاقة باحتياجات تسعة مليارات متر مكعب سنويا في وقت يبلغ فيه استهلاك الصناعة المصرية برمتها حاليا 8.2 مليار متر مكعب.

وتعقدت المشكلة أكثر حينما اكتشفت حكومة اليمين الليبرالي أن موارد مصر من الطاقة أصبحت غير كافية لتموين توسعاتها المرغوبة في ظل حمى اتفاقات تصدير الغاز المجنونة، وبالتالي أصبحت هناك ضرورة لتحجيم الاستثمارات الأجنبية التي يسيل لعابها بسبب الغاز المدعوم لأن ذلك أصبح يعني نضوب الطاقة الموجهة للصناعة خلال سنوات قليلة رافعة تكلفة الإنتاج بقسوة على الرأسمالية المحلية وذلك كله مجانا وبلا أي ثمن.

من هنا بدأت حكومة الطبقة الحاكمة في عدد من الإجراءات لإعادة هيكلة الموقف. كان أولها قرارات الإلغاء التدريجي لدعم الطاقة للمصانع والوصول بالأسعار لسعر التكلفة خلال خمس سنوات. وتزامن القرار مع رفع الرسوم على صادرات الأسمنت إلى خمسة وثمانين جنيها للطن لاستعادة جزء من أموال الدعم إذا رغبت الشركات في التصدير ومحاولة بذلك زيادة عرض الأسمنت في السوق المحلي.

ثم فاجأ وزير الصناعة الجميع بتحويل تحقيق يجري بشكل شكلي في احتكارات الأسمنت –مع تحقيق آخر في احتكارات الحديد- إلى النائب العام متهما جميع الشركات بما فيها الشركة القومية (المملوكة للدولة) بممارسات احتكارية تتنافى مع قوانين السوق والاتفاق على الأسعار. وصاحب هذا القرار دعوة الشركات الجديدة الراغبة في إنتاج الأسمنت للتنافس على خمس عشرة رخصة عبر مزاد في خطوة تزيد إنتاج الأسمنت المحلي إلى 55 مليون طن سنويا في عام 2011.

ما يجمع هذه القرارات أنها جميعا تؤكد نوايا الدولة. فجميعها يبدأ وينتهي باستخلاص جزء من فوائض أرباح شركات الأسمنت لصالح ميزانية الدولة “المخرومة” وترشيد استخدام هذا القطاع للطاقة لضمان توفيرها للرأسماليين في القطاعات الأخرى. فهذه القرارات تهدف لتخفيض أسعار الأسمنت المحلية لصالح الدولة المستهلك الأول ولصالح المستهلكين في قطاعات البناء والتشييد وقطاعات أخرى. والقرارات تهدف إلى نزح مباشر لجزء من حصيلة القطاع عبر رسم الصادر أو الرخص التي تدفعها المصانع الجديدة سواء لشركات تدخل السوق أو للشركات الموجودة بالفعل والتي ترغب في التوسع، فقد ضخت هذه الرخص، الفريدة من نوعها عالميا، ملياري جنيه للموازنة في ضربة واحدة (قال رشيد إنه سينفقها على البنية الأساسية للمناطق الصناعية أو بمعنى آخر دعم توسع قطاعات أخرى للرأسمالية المصرية). الدولة إذن لم تكتشف فجأة الممارسات الاحتكارية لمنتجي الأسمنت بعد أربع سنوات ولا أصابتها نوبة مفاجأة من الشرف الوطني وبالتأكيد هي في مواجهة مع منتجي هذا القطاع، مصريين وأجانب. مواجهة لا إدعاء فيها وإن كانت في التحليل الأخير أيضا لا تعني قطيعة معهم ولا مع رأس المال الأجنبي الذي يشكل غالبيتهم. فجميع هذه الإجراءات ستخفض هوامش الربحية لكنها لن تلغي حقيقة أنها بعد كل شيء ستظل مغرية وإلا لماذا تنافست جميع الشركات الأجنبية في السوق على رخص التوسع بعد إعلان كل تلك الإجراءات. كما أن عقوبات الممارسات الاحتكارية غير واضحة وحتى في حدودها القصوى المعلنة لن تكون سببا في تخفيض جاذبية القطاع الذي سيظل يتلقى الطاقة لعدة سنوات بسعر التكلفة المنخفض مقارنة بالسوق العالمية والأسعار العالمية.

تناقضات المواجهة
مع تحولات الرأسمالية المصرية المتوسعة في السنوات الثلاث الماضية، بتطبيق أكثر برامج الليبرالية الجديدة طموحا وقسوة، تصاعدت الاحتكارات في قطاعات عدة، صناعية وتجارية وخدمية. وعلى مدى حكم نظيف ورجاله بدا كل شيء في خدمة دعم هذه الاحتكارات وتقويتها. فبرغم التشدق المستمر بحرية الأسواق وشفافيتها وسلطتها المطلقة على الأداء الاقتصادي، غابت آليات السوق حتى بالمعنى الناقص في الرأسماليات المتقدمة وغاب معها أي وجود لآليات تحجم الاحتكارات وتحمي الرأسماليين الصغار (والمستهلكين الفقراء الذين يدفعون الثمن في كل الأحوال) وتقي السوق مما يسميه أنصارها التشوهات السعرية الناتجة عن الاحتكار. هنا فإن مواجهة رشيد ومنتجي الأسمنت هي سابقة لا مثيل لها حتى الآن..لكن هل تعني انتهاء عصر الاحتكارات أو أن الدولة كعقل الطبقة ككل أصبحت عازمة على مواجهة الاحتكار لصالح فعالية السوق؟

عديد من العوامل تؤكد أن مواجهة الأسمنت لا تعدو مواجهة تكتيكية خاصة مدفوعة بالعوامل التي سبق وأشرنا إليها وأن هناك صعوبة شديدة في تحولها لإستراتيجية عامة في الفترة المقبلة.

فمما ساهم في أن معركة الأسمنت كانت أسهل هو أنها كانت في مواجهة الأجانب أكثر من غيرهم مما عني أنها لم تتناقض مع تداخلات السلطة ورجال الأعمال كما يمكن أن يحدث في الحالة الأكثر فجاجة في الاحتكار وفي دعم الدولة التي يمثلها الحديد واحتكاره من قبل رجل الأعمال القيادي في الحزب الوطني أحمد عز. وستكون نتائج التحقيق في احتكارات الحديد والتي ستعلن نهاية العام مؤشرا إضافيا على احتمالات المستقبل. وتبقى مواجهة رشيد في الأسمنت مواجهة بين شرائح مختلفة في الطبقة الحاكمة، مواجهة على الفوائض التي تستخلص على حساب موارد الطاقة الخاصة بأغلبية المصريين الفقراء الذين صاروا يدفعون فيها في بيوتهم أسعارا أعلى من أصحاب المصانع وعلى حساب مدخرات المستهلكين الذين يرغبون المسكن وفي ملء بطونهم وفي الوصول لأعمالهم وقبل كل شيء على حساب استغلال العمال صناع القيمة في هذا المجتمع.