بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الباعة الجائلون في دمياط: الفقر يحاصرهم والشرطة تطاردهم

قد تدور في رأسك تساؤلات عدة أثناء وقوفك في أحد شوارع محافظة دمياط لتجد جنود الأمن المركزي يدهسون أكشاك الفاكهة والخضر والحلوى وأخرى لبيع التبغ والجرائد، وقد تزيد دهشتك حين تراهم يقتحمون محلاً لبيع الكتب ويلقون ما به في الشارع لتدوسها أرجل المارة فهل هذا هو الحق والعدالة في دولة تسمي نفسها دولة الحرية والعدالة.

فأية همجية يعيشها اليوم شباب الفقراء الذين صنعوا ثورة ضحوا فيها بأرواحهم حتى ننتقل من ظلام الليل إلى فجر العدل والكرامة والحرية. وأية كرامة نتحدث عنها في دولة يحكمها الإخوان المسلمين، هذه الكرامة تهدر يومياً في الشارع تماماً كما كان الأمر في عهد المخلوع؛ فنحن نعيش امتداداً لدولة مبارك وأعوانه.

بوعزيزي “المصري”

المشهد يستدعي ما حدث في تونس قبل أكثر من عام ونصف، شرطية تضرب مواطناً بسيطاً حاصل على شهادة البكالوريوس من إحدى الجامعات التونسية وهو المواطن محمد بوعزيزي الذي حرق نفسه أمام مقر ولايته سيدي بوزيد، فكان هذا الشاب مفجراً لثورة تونس التي ألهمت ثورات الربيع العربي.. وكانت المفارقة أنه كان أرزقي يعمل على عربية لبيع الجرجير والخضراوات.

وفي مصر هناك الكثير من الشباب الحاصلين على مؤهلات عليا تقطعت بهم سبل العدل يعملون كباعة جائلين ينظرون بعيون بوعزيزي في نظرته الأخيرة لأهله ولولايته.

“الأرزقية”

ولم يلجأ هذا الشاب أو ذاك بعد حصوله على الشهادات العليا إلى العمل كأرزقي على عربية خضار أو ما شابه إلا مضطراً ليجد قوت يومه ويسد جوع وفقر عائلته؛ فهو أحد المواطنين الذي أنهكته حكومة نظيف فقراً، وهنا يتسائل البعض: هل هبطت علينا حكومة قنديل لتستكمل خطط التقشف التي بدأها نظيف ومن سبقه من رجال مبارك؟

فهؤلاء ينظرون إلى العمال والمهمشين من أبراجهم العالية كالنمل الذي يبحث عن الفتات كي يعيش وليس من حقه أن يبحث عن عدل أو كرامة. وهل كل من هدمت لهم أكشاكهم من العمال سيوفر لهم مكان آمن في السوق المعلن عنه دون أن يدفع رشاوي لفلان أو علان حتى يحصل علي مربع صغير ليفترش بضاعته ويستطيع الحصول علي قوت يومه؟

وهل بعد أن كان هذا العامل يعمل طيلة أيام الأسبوع لينفق علي أهله ومن يعولهم يستطيع أن يعيش بأمان بعد أن أصبح بائع اليوم الواحد في سوق اليوم الواحد؟ وباقي أيام الأسبوع مما سيطعم أولاده؟ وهل سيحظى في سوقه الجديد بنفس المكانة والإقبال على شراء سلعته كما كان في سوقه القديم؟

وفي حديث مع أحد الشباب من الباعة الجائلين بتفتيش كفر سعد بمحافظة دمياط، صرح لنا أنه لايمتلك وظيفة ولا يمتلك أي مصدر يستطيع منه توفير قوت يومه سوى عربية يعمل عليها كغيره من الباعة الجائلين، وقال أيضاً أن من أصدر قرار إزالة إشغالات الطريق لا يريد توفير مكان بديل حتى يتسنى له مزاولة عمله ولا يريد أن يتركه في مكانه ليحصل علي المال لينفقه علي مأكل زوجته وأبناءه، وأضاف أن كل المسؤلين بتفتيش كفر سعد يوافقون هذا القرار، وبحسب قوله، فإن مجلس المدينة لا يساعد على توفير مكان ليقف فيه الباعة ويعرضون سلعهم ولا أحد يساعدهم علي طلب حقهم، كما قال أنه لا يجد حتى من يسمعه من المحليات، وكأي مواطن مصري فهو ينادي من تفتيش كفر سعد بمن يساعده للحصول على حقوقه ويسأل متجهماً و”تيجي إزاي حقوقي؟”

وبعبارات واضحة قال لنا: “لا هم عاوزينا نقف في الشارع ونجيب رزقنا ولا هم عاوزين يوفرولنا مكان عشان نقف فيه ونبيع ونجيب رزقنا ورزق عيالنا”.

وبالحوار مع بائع آخر، يعمل على عربية كشري، قال: “أنا واقف وقافل عربيتي بقالنا ثلاثة أيام على الحال ده لأننا بنسمع “فيه حملة.. فيه حملة”. وقال: “إحنا من عشرين لتلاتين واحد واقف بيبيع في الشارع وطبعاً كل واحد بيعول أسرة مكونة من 5 إلى 6 أفراد وهو لا يمتلك ما يكفي لسد جوع أبناءه وعلي حسب قوله “أنا ثانوية عامة سنة 97، يا إما توفرلي وظيفة أو توفرلي مكان أقف اشتغل فيه وأدور على رزقي”.

وفي كلامنا مع ثالث قال: “كلنا معرضين للقهر من جهاز الشرطة هنا”، وصرح لنا أن “كلاً منهم له 200 محضر إشغال طريق وكل محضر بـ 100 جنيه، يعني 20 ألف جنيه فهل يمتلك هذا الرجل الفقير الأرزقي 20 ألف جنيه ليدفعها غرامات لمحاضر الشرطة فقط”.

وصرح لنا المواطن أن مسئولي المجلس عند مرورهم بالشارع لتنفيذ الأحكام الموجودة بمحاضر الشرطة يطلبون منه تسديد المحاضر، وعلى حد قوله: “أحياناً بديله فلوس عشان مايعملش محضر وأحياناً مش بديله فلوس فبيعمل محضر وطبعاً الكلام ده من 10 سنين قبل الثورة حتى تراكمت المحاضر”، وأضاف في حسرة متعجباً: “عاوز مني 20 ألف جنيه.. منين أجيبهم وأنا أرزقي علي باب الله”.

وفي الحديث مع شاب آخر، يقول أنه طالب بالجامعة وأنه يعمل علي عربية في الشارع حتى يستطيع أن يوفي متطلبات دراسته من مال، تسائل: “يعني أنا مش فاهم !! يعني أسرق!! مش عاوزين يجيبولنا وظيفة ولا عاوزين يوفرولنا مكان نقف نبيع فيه ولا هم سايبينا في حالنا طيب أيه الحل؟”.

ما البديل أمام الشباب لتوفير قوت اليوم؟

وطلب مني هذا الشاب توجيه رسالة لكبار المسؤلين بأن شباب دمياط ضاع وليس أمامنا طريق الآن سوى دولة البلطجة التي كنا نعيشها في السابق مع حكومة نظيف وهي أن يحصل الشباب على قوت يومهم بالبلطجة وحمل السلاح الأبيض، فهل يمثل ذلك حلاً من وجهة نظر حكومة قنديل؟

إن صياح الشباب وصراخ العمال بسبب قلة حيلتهم يشير بقوة إلى أن انتفاضة المصريين الاجتماعية قادمة من حناجر العمال والفقراء والمهمشين لتزلزل الأرض من تحت أقدام سلطة الاستبداد والفقر والقهر.