بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البرادعي.. وحلم التغيير المفقود

منذ فترة ليست بقصيرة كان اسم محمد البرادعي قد بدأ يرتبط بالمنافسة على مقعد رئاسة الجمهورية على خلفية انتخابات الرئاسة القادمة في 2011. وقد خرجت أصوات في الإعلام، وبالأخص على صفحات الانترنت، تطرح اسمه بجانب آخرين مثل عمرو موسى وأحمد زويل للترشح للرئاسة.

ومع انتهاء عمل البرادعي كمدير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلن بكلمات لا لبس فيها عن نيته واستعداده خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع رهن ذلك ببعض الشروط والمحددات والضمانات، التي كان أهمها “الإشراف القضائي الكامل والرقابة الدولية وإنشاء لجنة مستقلة ومحايدة تشرف على العملية الانتخابية، ووضع دستور جديد يكفل الحريات وحقوق الإنسان”.

ومن ثم ربط الرأي العام بين البرادعي ومنصب الرئاسة بحماس بالغ، فانطلقت دعوات على الانترنت لاستقباله في المطار، ولدعمه في معركة الترشح للرئاسة. وبشكل شديد التعجل، سارع نشطاء لإجراء توكيلات للبرادعي حتى قبل أن يصل مصر، يوكلونه لإنشاء مجلس لصياغة دستور جديد.

إفلاس قوى المعارضة

ولعل حالة الإقبال الواسعة التي تحيط بالبرادعي يمكن الاستدلال عليها بمجرد أن نعلم أنه قد تم استقباله في المطار لدى عودته إلى مصر من قبل نحو ألفي مؤيد، وتم إنشاء أكثر من 50 مجموعة على فيس بوك بمشاركة نحو 100 ألف شخص لتدشين الدعم له في الترشح للانتخابات الرئاسية 2011، كما تخطى تأييده الحدود بعد أن أعلن مصريون في أوروبا مشاركتهم في حملته.

أما في أوساط النخب السياسية المعارضة، فالبرادعي يحظى بتأييد غير مشروط من قبل عدد كبير من القوى السياسية والشخصيات العامة التي ألقت أحمالها وأحلامها تحت قدمي المرشح الجديد باعتباره “أمل مصر” في الانعتاق من ديكتاتورية مبارك، و.. “سعد زغلول القرن الحادي والعشرين”.

إلا أن صورة البرادعي المحاطة بزخم – قد يشتد أو يخفت في الفترة القادمة- هي صورة ترسمها حالة الخواء السياسي التي خلقتها ديكتاتورية مبارك من خلال قمع قوى المعارضة والناشطين السياسيين، وتدجين الأحزاب الرسمية وتحويلها إلى ديكورات ملحقة بالنظام، وقطع الطريق أمام شخصيات عامة معارضة مستقلة في الترشح للرئاسة.

كما أن المعارضة المصرية (كفاية والجبهات النخبوية والقوى السياسية المعارضة على اختلافها) لا يبدو أنها قد تعلمت شيئاً من دروس الخمس سنوات السابقة. نفس الشعارات. نفس الوجوه. نفس الاستراتيجيات. نفس النخبوية والعزلة عن النضالات الجماهيرية. نفس الانقسامات. وكل العوامل التي أدت إلى فشل وتدهور حركة التغيير تُطرح من جديد وبحماس أيضاً. وكل هذا الإفلاس السياسي قد دفع فصائل المعارضة المختلفة للبحث عن نجم جديد والالتفاف حوله، حتى وإن كان بديل ليبرالي معنيّ فقط بإصلاح المواد الدستورية، بغض النظر عن مواقفه بصدد السياسات الاقتصادية أو العلاقات مع الإمبريالية الأمريكية ومع الصهيونية.

هكذا كان الحال في الجولة الرئاسية السابقة، حيث كان أيمن نور هو النجم الليبرالي الذي يطرح نفسه بديلا عن مبارك ونجله، في حين لا يقدم أية سياسات تختلف في جوهرها ومضمونها عن تلك التي يتبناها النظام الحاكم.

في حين أن النخب السياسية، مهما بلغت درجة راديكاليتها، لا تستطيع وحدها انتزاع إصلاحات ديمقراطية جذرية إلا من خلال تبنيها للمطالب الاجتماعية وربطها بمطالب التغيير السياسي وجذب قطاعات من الجماهير المضطهدة التي تناضل من أسفل لمطالبها الاجتماعية وتفرض من أجل ذلك المطالب الديمقراطية فرضاً. والتاريخ المصري يحمل لنا بعض الدروس في ذلك، فعلى سبيل المثال تم وضع أول دستور لمصر عام 1923 إثر حراك جماهيري واسع النطاق في ثورة 1919 والسنين التي تلتها.

وحتى أبسط الإصلاحات الديمقراطية لا يمكن انتزاعها من النظام إلا عن طريق حركة الجماهير ذاتها، وحركة الجماهير وحدها هي التي تستطيع شلّ آلة الدولة الرأسمالية، التي تدعمها ديكتاتورية مبارك، وبالتالي تستطيع أن تنتزع مطالب الإصلاح الديمقراطي.

وفي هذا السياق علينا أن نتذكر أن الجماهير العمالية، منذ إضراب المحلة ديسمبر 2006، نجحت في فرض الإضراب عن العمل كحق ديمقراطي أصيل. كما انتزع موظفو الضرائب العقارية ديمقراطية التنظيم النقابي المستقل مع تأسيس أول نقابة مستقلة في مصر منذ 50 سنة بعد نضال طويل خاضه الـ 55 ألف موظف.

هذا هو الدرس الذي يبدو أن حركة التغيير الديمقراطي لم تتعلمه خلال الخمس سنوات السابقة. طالما ظلت النخبة المعارضة معزولة عن الجماهير ستفشل حتى في فرض أبسط المطالب الديمقراطية التي ترفعها وتناضل من أجلها.

ماذا عن البرادعي؟

أما بالنسبة للبرادعي، فهو يعرض نفسه كليبرالي أصيل يطرح تعديل الدستور، وبالأخص تلك المواد الخاصة بالاستحقاق الرئاسي، كحل سحري لكافة مشاكل المجتمع. بالإضافة إلى أنه لم يضع إلى الآن حتى مسودة لتعديل تلك المواد، بل ويرهن ترشيحه للرئاسة بتعديلها، الأمر الذي يجعل ترشيحه للرئاسة موضع شك حتى اليوم.

إلا أن البرادعي يمثل في عيون مؤيديه البديل الرئاسي المحاط بهالة من نور جائزة نوبل وبريق قلادة النيل، وبكونه قد مكث على مدى 12 عاما كواجهة عامة للدبلوماسية المصرية، ترأس خلالها الهيئة الدولية للطاقة الذرية، وتمكن من إبقاء الأسلحة النووية بعيدا عن متناول “الدول المارقة”، على حد تعبير البرادعي نفسه.

علينا أن نتذكر في هذا السياق أن المجهودات “العظيمة” للبرادعي في هيئة الطاقة الذرية، التي لاحق بها الدول “المارقة” التي تحوز أسلحة نووية، تلك المجهودات لم تمس لا من قريب ولا من بعيد لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل. وبذلك فقد ترأس البرادعي هيئة دولية تتلخص وظيفتها في ضمان احتكار الولايات المتحدة وحلفائها للتهديد النووي الدائم للبشرية. وذلك بالطبع يضع العديد من علامات الاستفهام الاستنكارية حول موقف البرادعي من الإمبريالية الأمريكية.

أما ما يثير قدراً من الشكوك حول موقف البرادعي من الصهيونية، وبالتالي من المقاومة، هو موقفه الذي صرح به في الصحف حول الجدار الفولاذي وما يتعلق بالسيادة المصرية وحق الدولة المصرية في الحفاظ على “أمنها القومي”، في تكرار لنفس الخطاب الإعلامي الحكومي المتحالف مع الصهيونية والمعادي للمقاومة الفلسطينية. وعلى سبيل المثال، يقترح البرادعي “إنشاء منطقة حرة في رفح يدخل إليها الفلسطينيون يشترون أغراضهم ويخرجون مرة أخرى” !! (حوار مع أحمد المسلماني- جريدة المصري اليوم- الجمعة 19/2). فبدلاً من الحديث حول دعم أهل غزة بكل ما يحتاجونه بعيداً عن علاقات البيع والشراء النفعية، والمساندة المباشرة للمقاومة في غزة، يطرح البرادعي اقتراحا شديد الشبه بما يطرحه المسئولون الإسرائيليون أنفسهم. الأمر الذي يثير علامات استفهام وشكوك عميقة في رأي “المرشح الجديد” حول كامب ديفيد والسلام مع الكيان الصهيوني!!.

لا يمكن في هذا الصدد أن يدعم الاشتراكيون مرشحاً ذو مواقف ملتبسة، أو على الأقل غير واضحة، سواء فيما يتعلق بالإمبريالية الأمريكية والصهيونية والمقاومة، أو فيما يتعلق بالمطالب الاجتماعية والسياسات الاقتصادية التي تتحكم في مقدرات حياة الجماهير الفقيرة. فنحن نريد رئيساً، وحكومةً ونظاماً، لا يطبقون أو يروّجون للديمقراطية السياسية فقط، بل أيضاً صريحي العداء لسياسات الإفقار والليبرالية الجديدة، ليس من خلال التشريعات والمواد الدستورية ولكن من خلال برامج تتحدى سياسات رجال الأعمال بشكل صريح، كما نريده نظاماً معادي للاستعمار وللصهيونية وداعم مباشر للمقاومة وسنداً قوياً لها.

إلا أنه، بالرغم من كل ذلك، فإن الاشتراكيين لا يعادون البرادعي بأي شكل؛ فالبرادعي أولاً وأخيراً يتحدى ديكتاتورية مبارك ومخططات التوريث. نحن نؤيد حق ترشح البرادعي للرئاسة مثله مثل أي مرشح معارض يجب أن يُتاح له الحق الديمقراطي في الترشح لمنافسة مبارك ونجله وتحديهما، كما نؤيد حق الجماهير في الاختيار بين أكثر من مرشح.

لكننا نؤكد أيضاً أن المعركة القادمة في ذاتها ليست أبداً معركة البرادعي، ذو الميول الليبرالية الصرفة التي تختزل المعركة في إطار صياغة جديدة للدستور، لكنها معركة النضال من أجل الحقوق الديمقراطية باعتبارها مدخل أساسي لانتزاع مطالب وحقوق اقتصادية واجتماعية جذرية.