بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

أحداث الكشح..

الدولة والأقباط والاضطهاد الديني

فجأة وبدون مقدمات امتلأت الصحف المصرية، حكومية ومعارضة، بدءًا من الأسبوع الأخير من أكتوبر الماضي بحديث لا ينقطع – احتل عدد واسعًا من المانشيتات والأعمدة الرئيسية – دفاعًا ضد الحملة “المشبوهة المغرضة” حول اضطهاد المسيحيين في مصر. والتأكيد على أن ما حدث في قرية الكشح – تلك التي أصبحت محط أنظار الجميع – لم يكن إلا جريمة تقل عادية وتجاوزات “طبيعية” من بعض مسئولي الأمن!!

وبالطبع فإن الكثيرين من قراء الصحف تساءلوا عن الجديد في الأمر، طالما أن كل شيء تمامًا والمسيحيين لا يتعرضون للاضطهاد في مصر – كما يعرف الجميع طبعًا! – فما هو مصدر الجلبة؟ لكن ما لبثت هذه الدهشة أن زالت سريعًا بعدما اتضح أن هناك فضيحة تتناولها عددًا من الصحف ومحطات الإذاعة العالمية تتعلق بهذا الموضوع، وتشتمل على هجوم حاد على النظام المصري. أما الأمر الذي كان أشد أثارة للسخرية والحنق، هو اكتشاف أن الواقعة التي دارت حولها الفضيحة جرت أحداثها قبل ذلك بشهرين في تلك القرية البعيدة في الصعيد، وأن أحدًا لم يكتب عنها أو يشير إليها إلى أن قامت الصنداي تلجراف البريطانية بنشر تحقيقها الشهير عن الموضوع.

لكن ماذا حدث في الكشح؟

الكشح قرية في محافظة سوهاج تسكنها أغلبية مسيحية (تزيد عن 70% من عدد سكانها). وفي يوم 15 أغسطس الماضي اكتشف وجود قتيلين من المسيحيين من أبناء القرية. ثم سرت إشاعة بين مسيحي القرية تقول أن المسئول عن الجريمة هي الجماعات الإسلامية، مما دفع مسئولي الأمن هناك إلى تسريع وتيرة التحقيقات والتشدد فيها من أجل إثبات عدم صحة الإشاعة، وحتى لا يصبحوا مضطرين إلى تبرير تقصيرهم في منع العناصر الإسلامية من القيام بأعمال عنف طائفي.

وفي هذا الإطار ضباط المباحث هناك بالقبض على عدد واسع من المسيحيين من أهالي القرية، وتعريضهم لألوان شتى من الضرب والتعذيب انتزاع اعترافات منهم تنهي التحقيق. وقاموا بحسم التحقيقات على أساس أن الذي قام بالجريمة هو أحد المسيحيين من أبناء القرية قريب لأحد القتيلين، وأن دافعه هو أن القتيل رفض تزوج أخته بعد أن أغتصبها. وبسبب رفض المتهم الاعتراف بالجريمة، تم تعريضه هو وعدد كبير من أهله وأهل القتيلين والفتاة المزعوم اغتصابها لتعذيب شديد لإجبارهم على الاعتراف والشهادة الزور. وحسب التقديرات المنشورة من أهالي القرية ضموا عددًا كبيرًا من النساء والأطفال. وأنهم تعرضوا لصور مختلفة للتعذيب منها الاغتصاب والتهديد به، والجلد على ظهورهم وهم معلقين على تصليبة خاصة، وتعريضهم لشحنات كهربائية عن طريق توصيل أسلاك في مناطق مختلفة من أجسامهم.

ومع التوسع الشديد في القبض على أهالي القرية وتعذبيهم، قام الأنبا ويصا أسقف البلينا – المركز التابع له القرية – بالتوسط لدى مسئولي الأمن لوقف هذا الاضطهاد، كما قام بمراسلة بعض الصحف. لكن لم يهتم به أحد، بل تم وضعه في السجن لفترة بتهمة إثارة الفتنة الطائفية. وبعد التقدم بشكوى رسمية أرسلت لجنة الطب الشرعي للتحقيق من حدوث تعذيب جماعي للأهالي، ومما يثير السخرية أن تلك اللجنة نفت في تقريرها بعد المعاينة عدم حدوث أي تعذيب!!

فقام الأسقف بتصوير حالات التعذيب، وأرسل الصور إلى عدد من منظمات حقوق الإنسان. التي قامت بدورها – وكعادتها – بكتابة تقارير عن الانتهاكات وإرسالها للصحف الدولية. وعلى إثر ذلك بدأت حملة عالمية ضد الحكومة المصرية متهمة إياها بممارسة عنف طائفي ضد الأقباط المصريين. بدأت الحملة بعدد من البيانات التي أصدرتها المنظمات التابعة للأقباط في المهجر، ثم ألحقت بالتحقيق الشهير الذي نشرته الصنداي تلجراف، وقامت محطة الإذاعة البريطانية بقراءة أكثر من تعليق حول الموضوع، كما أرسل أحد أقطاب المحافظين الإنجليز – اللورد ألتون – المعروف بعلاقاته المشبوهة، بخطاب شديد اللهجة إلى محافظ سوهاج يطالبه فيه بوقف اضطهاد المسيحيين في محافظته.

وفجأة وجد النظام المصري نفسه عاريًا، وضبط متلبسًا أمام حلفائه المقربين فيا لدوائر الصهيونية والامبريالية. وبدأت حملة الهجوم المضاد في الصحافة المصرية، كما طالبت مباحث أمن الدولة البابا شنودة بإصدار بيان ينفي فيه ما نشر في الصحف الدولية. لكن البابا طالب أولاً بإنهاء حالة التعذيب القائمة في الكشح والإفراج عن الأهالي، ونقل الضباط المسئولين عما جرى. وبعد الأخذ والرد تمت الموافقة على طلبات البابا، الذي قام بدوره بإصدار بيان يتشدق فيه بالحديث مجددًا عن الوحدة الوطنية، وينفي فيه حدوث أي اضطهاد للمسيحيين المصريين!! وصدر أيضًا بيان آخر يحمل نفس المعنى والرطانة المعهودة، وقعه عدد كبير من مشاهير الأقباط المصريين من رجال الأعمال والفنانين وكتاب النظام.

تكشف لنا الأحداث التي جرت بقرية الكشح وما دار بصددها، عن بعض المفارقات الهامة. أولها – وهي تثير من السخرية قدر ما تثير من الحنق – هي المضمون الذي استندت إليه حملة الدعاية التي قام بها المصري في مواجهة الهجوم الواقع عليه. أي بالتأكيد على أن ما جرى بالكشح من تعذيب واضطهاد لم يكن أمرًا طبيعيًا يحدث في العادة في أي تحقيق جنائي تجريه أجهزة الأمن وليس له أية أبعاد طائفية!! وكلمة “طبيعي” هذه وردت في جميع ما كتب بالصحف – بما فيها صحف المعارضة – في التعليق على أحداث ما جرى، وعلى ألسنة جميع الكتاب بما فيهم المناونين بدرجة للنظام، بل وفي التعليقات التي ذكرها جميع الكهنة والأساقفة، وأيضًا في المقال المنشور لأمين المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في جريدة الشعب وهو يدافع عن نفسه وعن منظمته!!

والمثير للحنق والغضب هنا، هو أن ما جرى بالكشح هو بالفعل حدث طبيعي يحدث كل يوم في مصر. حيث يزج بالمئات من المواطنين الفقراء إلى السخانات المنصوبة في أسام الشرطة ومديريات الأمن، فيصلبوا ويجلدوا ويغتصبوا وتصل الكهرباء بأجسادهم من أجل التحقق من معلومة أو التأكيد من مشتبه فيه أو إرضاء لبعض ذوي النفوذ، أو حتى من باب التسرية عن النفس التي يمارسها بعض السفاحين السفلة من كلاب حراسة النظام. أما المثير للسخرية، فهو هذا الدفاع الأبله الذي يقدمه النظام وحملة مباخره لنفي تهمة اضطهاد المسيحيين بالتأكيد على حقيقة أن الجميع مضطهدون مسلمون ومسيحيون!!

المفارقة الثابتة، هي ذلك الدور الذي تمارسه بعض العناصر شديدة الرجعية من بين أقباط المهجر، أولئك المنتظمين في تجمعات وثيقة الصلة بالدوائر الصهيونية والإمبريالية في الغرب. فتحت ستار مواجهة الاضطهاد الديني للمسيحيين المصريين، يتم عقد العديد من التحالفات المشبوهة والصفقات القذرة التي تفتح الباب أمام مضاعفة الضغوط الصهيونية والإمبريالية على النظام المصري، بهدف إجباره على تقديم المزيد من التنازلات. من المؤكد أن المسيحيين المصريين يتعرضون لألوان شتى من الاضطهاد الدينين يبدأ من التفرقة في الوظائف وفي حرية ممارسة الشعائر الدينية وينتهي بالقتل والحرق وتخريب المنازل والممتلكات. ومن المؤكد أيضًا أن المؤسسة الحاكمة في مصر وعلى امتداد تاريخها الحديث، تلعب أدوارًا رئيسية في قهر المسيحيين وإقرار أسس التفرقة الدينية، وذلك في ارتباط وثيق بالمصالح الرأسمالية التي يحميها النظام الحاكم. وتأتي أحداث قرية الكشح لتكشف عن واحدة من صور الاضطهاد هذه التي تمارس بصورة جماعية ضد فلاحين مسيحيين فقراء بهدف الحفاظ على استقرار النظام وخدمة أهدافه.

لكن من المؤكد أخيرًا، أن الإمبريالية والصهيونية هي آخر من يقف ضد اضطهاد المسيحيين المصريين في مواجهة النظام المصري. ذلك النظام الذي يعتبر واحدًا من أهم حلفائها، واحد شركائهما المحوريين والأكثر تعبيرًا عن مصالحها في المنطقة. أما تلك الحملات الدعائية الدولية التي تشن أحيانًا ضد هذا النظام – حدث بصدد أحداث الكشح – فليست إلا نوعًا من الاستخدام القذر لأوراق لعبة التوازنات السياسية بين القوى المختلفة على الساحة ولا يوجد أدنى شك عند أقطاب الإمبريالية من ضرورة الحفاظ على استقرار النظام المصري، حتى لو تم ذلك على أجساد المسيحيين المصريين. وبالطبع من سيدفع الثمن هم الملايين من فقراء المسيحيين، الذين تدفعهم – بسبب التراجع العام في وعي الجماهير الفقيرة – جماعات المرتزقة التي تعيش وسط أقباط المهجر إلى الارتماء في أحضان عدوهم الرئيسي – الإمبريالية – الذي يصور لهم على أنه مخلصهم الوحيد!!

أما المفارقة الثالثة، فهي ذلك التواطؤ الواضح من جانب البرجوازية القبطية وعلى رأسها الكنيسة الرجعية لصالح النظام وضد فقراء المسيحيين. فالكنيسة القبطية – مثلها في ذلك مثل جميع المؤسسات الدينية – تلعب في الواقع الاجتماعي أدوارًا سياسية واجتماعية مختلفة في المضمون عن مجرد دورها كراعي ديني فالدين كعقيدة شخصية يخص المؤمنين به وتخضع لحريتهم الشخصية في الاعتقاد وأيضًا في الدعوة لمعتقداتهم، يختلف تمامًا عن الدور السياسي والاجتماعي الذي اكتسبته المؤسسات الدينية عبر التاريخ والذي ارتبطت من خلاله سواء بالتحالف أو بالصراع مع الأنظمة الحاكمة والقوى ذات النفوذ. وفي زمان عبد الناصر ومع تدشين أسس الدولة المستبدة الساعية لدفع التراكم الرأسمالي إلى الأمام تحررت العلاقة بين الكنيسة القبطية والدولة الناصرية على أساس أن نقوم الكنيسة بالدفاع عن الدولة وحمايتها بين عامة المسيحيين في ذات الوقت الذي تصبح فيه الممثل السياسي لهم والكيان الاجتماعي الذي يحتويهم وينظم حركتهم. وظل هذا هو الإطار العام للعلاقة بين الكنيسة والدولة في مصر حتى يومنًا هذا.

والكنيسة القبطية في هذا الإطار، تدين بالولاء تمامًا للنظام الحاكم وتلعب دورًا واضحًا في دعم استقراره واستتباب الأمور لصالحه باستقرار النظام هو أساس استقرار الكنيسة، وهو في أساس قدرتها على الوصاية والهيمنة وسط جموع المسيحيين المصريين. أن السلطة الأخلاقية للكنيسة – مثل السلطة الأخلاقية للأزهر والمؤسسات الإسلامية – تنطلق من فكرة أن العالم ينقسم على أساس الاعتقاد الديني إلى مؤمنين منتميين إلى عقائد دينية مختلفة، وليس على أساس الفروق الطبقية ما بين المستغلين والمستغلين. وهذه السلطة تكتسب هيمنة ونفوذ واسع في ظروف تراجع الصراع الطبقي، حيث تفتقد جموع الفقراء إلى القدرة على اكتساب وعي جذري في مواجهة العالم الرأسمالي. لذا فأن استقرار النظام الحاكم والرأسمالية، هو شرط رئيسي لاستمرار السلطة الأخلاقية للكنيسة. بل الأسوأ. هو أن يصبح استمرار الاضطهاد والتفرقة الدينية القائمة – التي يمارسها النظام في سفور – هي السند الرئيسي للكنيسة وكهنتها، في استمرار وصايتهم الرجعية على عامة المسيحيين.

وفي إطار هذا الوضع أصبحت الكنيسة القبطية واحدة من أهم بؤر الرجعية والفساد في المجتمع المصري. وأصبح العنصر الحاكم في علاقاتها بالمسيحيين الفقراء هو في مساحة النفوذ المسموح لها به9 من الدولة في أوساطهم. وبالطبع تحدث أحيانًا تناقضات ما في التوازن القائم بينهما – الكنيسة والدولة – بأن يتعدى أحدهما على حقوق الأخر، كما حدث في الكشح. فالكنيسة هي الطرف الذي يجب اللجوء له والاقتياد بنصائحه فيما يتعلق بشئون المسيحيين. وفي حالة الاهتداء برأيها والاعتناء بها، سيمر كل شيء في هدوء. أما عندما يقوم أحد المسئولين المحليين بإهمال الوساطة الكنسية والتعدي على أحد الكهنة، فإن الأمر سيتفاقم. لكن إلى حدود لا يمكن تجاوزها، فلابد في نهاية الأمر من الدفاع عن النظام وحمايته بصرف النظر عن دماء فقراء المسيحيين. وطالما أن الأمور قد عادت لنصابها وأعادت الدولة الكنيسة هيبتها التي انتزعها منها أحد صغار الضباط فليهنأ الجميع إذن ببركات البابا، وببياناته المتشدقة بالحديث عن الوحدة الوطنية والنسيج الواحد، وبنفيه لحدوث أي اضطهاد للمسيحيين في مصر حتى لو كانت دماء فقرائهم لا زالت على جدران الكشح!!

أما عناصر البرجوازية القبطية من رجال الأعمال وعليه القوم، فالروابط بينهم وبين النظام ومصالح الحكم أشد وأوثق كثيرًا من أي روابط تجمعهم مع فقراء المسيحيين أو حتى مع الكنيسة – إذا ما تناحرت أحيانًا لبعض الوقت مع نظام – فهم يعرفون تمامًا أن مصالحهم المباشرة وطويلة المدى بين يدي مؤسسة الحكم، وليذهب الجميع إلى الجحيم طالما ظلت الأرباح تتدفق على خزائن ساويرس ولكح وبباوي وغبور. وهذا ما يفسر تهافت هؤلاء السريع في تأييد النظام ودعم استقراره وإصداره وإصدارهم لذلك البيان المزري الذي يؤكدون فيه أنه لا اضطهاد للمسيحيين في مصر!!

لا مفر إذن أمام فقراء المسيحيين للتخلص من اضطهادهم إلا بالتحالف مع فقراء المسلمين ضد البرجوازية والإمبريالية معًا. ولا مفر أمامهم إلا بالوعي بأسس اضطهادهم التي تكمن في جوهر النظام الرأسمالي العفن. ولا مفر إلا عبر اختيار البديل الاشتراكي الثوري، عبر التحالف مع الحركة العمالية الثورية القادرة وحدها على تفويض هذا النظام وتخليص جميع المضطهدين من اضطهادهم.