الديموقراطية المباشرة كبديل

لماذا الديموقراطية المباشرة؟ سؤال يتبادر إلى الذهن حال ذكر الديموقراطية المباشرة كبديل للديموقراطية التمثيلية الحالية التي تدير كل دول العالم تقريبا.
في البداية ينبغي علينا تعريف الديموقراطية المباشرة وأدواتها والأمثلة عليها، الديموقراطية المباشرة هي إحدى أشكال الديموقراطية وفيها يقرر الشعب (الجمعية العمومية) السياسات بشكل مباشر، على عكس الديموقراطية التمثيلية التي يَنتخب فيها أفراد المجتمع أشخاصا يتخذون القرارات ويقرُّون السياسات بالنيابة عنهم.
أشكال الديموقراطية المباشرة متنوعة، أبرزها ديموقراطية المشاركة الشعبية، وأيضا الديموقراطية الاستشارية. الأغلبية من دول العالم تعتمد الديموقراطية التمثيلية كنظام لها، والبعض منها تعتمد بعض الأدوات لممارسة أقرب للديموقراطية المباشرة، مثل:
– الاستفتاء الشعبي: يُعرف أيضا بـ”حق النقض الشعبي”، وهو نوع من الاستفتاءات العامة (بدعوة من الجهات المنتخَبة أو بمبادرة شعبية مباشرة)، ومن خلالها يمكن فرض تصويت الجمهور (الاستفتاء العام) على قانون حالي، أو تعديل دستوري، أو تعديل ميثاق أو مرسوم، أو مجرد إلزام الهيئات التنفيذية أو التشريعية بالنظر في موضوع ما من خلال وضعه على أجندة الاجتماعات على أقل تقدير، وتكون نتيجته ملزمة للجهات المنتخَبة.
– المبادرة الشعبية: وهو فرض لاستفتاء شعبي بمبادرة شعبية مباشرة، وليس بدعوة من السلطات المنتخَبة، على موضوع معين (قانون أو نص دستوري على سبيل المثال)، بعد تقديم عدد محدد من توقيعات الناخبين التي تدعمه إلى السلطات المنتخَبة، وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة للجهات المنتخَبة (حق فيتو للجمعية العمومية).
– الانتخابات المبكرة: وهو فرض لاستفتاء شعبي مباشر على ممثل منتخَب قبل نهاية فترته الانتخابية بمبادرة شعبية مباشرة، بعد جمع عدد معين من العرائض من قِبل الجمعية العمومية لسحب الثقة من هذا الممثل المنتَخب، بغرض إقالته من منصبه من قِبل الجمعية العمومية (أي أن الجمعية العمومية للمجتمع لها الكلمة العليا في إقالة المسئولين المنتخبين).
أمثلة تاريخية وحالية على الديموقراطية المباشرة:
– أثينا القديمة: تُعد الديموقراطية الأثينية إحدى أبرز الأمثلة على الديموقراطية المباشرة، وقد تطورت في محافظة أثينا القديمة، والتي كانت تتكون من مدينة أثينا والمناطق الإغريقية المحيطة بها عام 500 قبل الميلاد. في الديموقراطية المباشرة الأثينية لم يكن المواطنون ينتخبون ممثليهم ثم يصوت هؤلاء على القوانين والقواعد المنظمة للمجتمع بالنيابة عنهم، وإنما كان الجميع يصوت كفرد، كما لم يكن للشريحة الاقتصادية أثر في أحقية الفرد في التصويت، وإن كان التصويت في ذلك الوقت مقتصرا على الرجال الأحرار الأثنيين فقط دون النساء والأجانب والعبيد.
– كومونة باريس: هي حكومة بلدية ثورية أدارت باريس بفرنسا لفترة قصيرة، ابتداءا من منتصف مارس 1871 واستمرت شهورا معدودة.
قامت الثورة في باريس وبعدها الكومونة بعد خسارة نابليون الثالث الحرب مع بروسيا، ودخول الجيش البروسي إلى باريس بعد حصارها ثم خروجه منها بعد ذلك.
وقد اتخذت الحكومة البلدية خلال فترة الكومونة بعض القرارات الاجتماعية الهامة بالإجماع، مثل إلغاء العمل الليلي، وحق العمال في الاستيلاء على الشركات والمصانع التي هجرها أصحابها وإدارتها، وإلغاء الفائدة على الديون، وكان يتم اتخاذ هذه القرارات أثناء اجتماعات كبيرة جدا لمواطني المدينة بشكل مباشر. (بعض علماء الاجتماع يعدون كومونة باريس كأحد أشكال الديموقراطية التشاركية).
تم قمع باريس بشدة في ذلك الوقت من قِبل حكومة فرساي، بعد أن نجحت تلك الحكومة في قمع كومونات مرسيليا وليون وبضع مدن أخرى في فرنسا، وتم قتل أكثر من 20 ألف شخص من أهالي وثوار مدينة باريس، وسُجِن أكثر من 38 ألف شخص، ونُفي أكثر من 7 آلاف آخرون.
– السوفيتات الروسية: كلمة سوفييت هي كلمة روسية، وتعني “المجلس”، أُنشئت السوفيتات لأول مرة في روسيا إبان ثورة 1905، وسرعان ما تم القضاء عليها، ولكنها عادت للظهور مرة أخرى خلال ثورة 1917. اقتصرت السوفيتات في البداية على المصانع الكبيرة، لكنها سرعان ما انتشرت وتعاظم دورها وصار أكثر فاعلية.
كانت اجتماعات السوفيتات ضخمة جدا، وانخرط ملايين الروس من خلالها في النقاشات السياسية المختلفة، وخلال تلك الاجتماعات الكبيرة كان يتم انتخاب اللجان المكلفة بالتنظيم، ولم يكن لها أية امتيازات أو صلاحيات زائدة عن المألوف، وكان أعضاء هذه اللجان عرضة لسحب الثقة منهم أو حتى الإقالة من قِبل أعضاء السوفيتات في اجتماع جماهيري.
وكان سوفييت بتروجراد (أكبر المدن الصناعية في روسيا) يجمع تحت مظلته كل السوفييتات الأخرى، وفي المصانع أو الورش الكبيرة كان يتم انتخاب ممثل واحد عن كل ألف عامل، وفي الورش والمصانع التي كان عدد عمالها أقل من ألف عامل كان يتم تمثيلها بمندوب واحد فقط، و بالمثل بالنسبة لوحدات الجيش، وقد تعهدت المصانع ووحدات الجيش بالدفاع عن السوفيتات وتنفيذ قراراتها.
– سويسرا: الديموقراطية المباشرة بشكل كامل موجودة فقط في إقليمي “أبينزيل إينرهودن” و”غلاروس”، أما بالنسبة لباقي الاتحاد السويسري فيعتمد نظام الديموقراطية نصف المباشرة (ديموقراطية تمثيلية مع أدوات تتيح ممارسة ديموقراطية مباشرة).
أغلب الدول الغربية تعتمد الديموقراطية التمثيلية نظاما لها، أما سويسرا فهي مثال نادر على تطبيق ديموقراطية المشاركة الشعبية (الديموقراطية نصف المباشرة) على مستوى المدن، والمقاطعات (الأقاليم)، والمستوى الفيدرالي، لذا فالمواطنون السويسريون لهم قوة أكبر من أى ديموقراطية تمثيلية في العالم، فعلى سبيل المثال على المستوى الفيدرالي يمكن للمواطنين اقتراح تعديل دستوري أو مبادرة باقتراح استفتاء شعبي على أي قانون أقره البرلمان المنتخب، ونتيجة هذا الاستفتاء تكون مُلزمة للبرلمان، أي أن المواطنين يملكون حق “الفيتو” على أي قانون أو نص دستوري أو قرار تنفيذي تصدره أية جهة منتخبة.
في الفترة من يناير 1995 إلى يونيو 2005 شارك المواطنون السويسريون في 31 استفتاء للإجابة على 103 موضوع، في حين صوت الشعب الفرنسي في نفس الفترة في استفتائين فقط. في سويسرا الأغلبية البسيطة هي المُرجِّحة على مستوى القرية والمدينة والمقاطعة، ولكن على المستوى الفيدرالي (القُطري) يَلزم أغلبية مضاعفة لترجيح قانون مُقترح من المواطنين، بمعنى أن توافق الأغلبية من الجمعية العمومية (في القُطر ككل)، بالإضافة للأغلبية من كل مقاطعة، أما بالنسبة للاستفتاء على الأمور العامة فتكفي موافقة الأغلبية من الجمعية العمومية.
* الكاتب عضو جبهة طريق الثورة «ثوار» بالدقهلية





