بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الفتنة الطائفية ومعركة التغيير

إنه بالقطع واحد من أصعب المواقف التي تواجه المناضلين الاشتراكيين، ذلك الذي يضطرون فيه إلى التعاطف مع مؤسسة رجعية كالكنيسة القبطية في مواجهة جمهور من الفقراء، لكن هكذا هو الواقع المركب، كيف نفهم ما حدث في الإسكندرية؟ من هم أطراف الصراع؟ ومن هو المستفيد؟

على جانب سنجد الأقباط، المضطهدون قطعًا.. المسئول الأول عن اضطهادهم هي الدولة المستبدة والرأسمالية. لكن الاضطهاد الديني ليس مجرد واحد من مظاهر الصراع الطبقي، إنما له وجدود مستقل يتجلى في ممارسات ذات طابع طائفي محض، على غرار الهجوم على كنيسة مارجرجس ومحاولة تدميرها وإحراقها، في ذات الوقت تقف الكنيسة القبطية كواحدة من أكثر المؤسسات رجعية في مصر بتواطئها التاريخي مع الدولة، وبدورها الاحتوائي – السياسي/ الاجتماعي – للأقباط في مصر، وبالقيود المتشددة التي تفرضها على حياة الأقباط وحريتهم الدينية والشخصية. لكن الكنيسة – لنفس الأسباب التي جعلت منها مؤسسة رجعية – تصبح هي الملجأ والملاذ أمام الأقباط في مواجهة اضطهادهم، نتيجة للمظاهر الطائفية المحضة للاضطهاد الديني. وهو ما يدفع الكنيسة إلى استثمار الاضطهاد بتعميق دورها الاحتوائي، كما يفرض عليها التصدي للطابع الطائفي له.

تتحول هنا الكنيسة إلى فاعل في الاضطهاد ومفعول به في ذات الوقت، فهي بدورها الرجعي تدعم الاضطهاد وتعمق عزلة الأقباط، وتدفعهم – بشكل أو آخر – إلى أحضان الدولة والطبقة الحاكمة. تفعل ذلك وهي تتصدى بطريقة طائفة لمظاهرة الطائفية (على غرار المسرحية تعيسة الحظ التي عرضتها كنيسة مارجرجس ليومًا واحدًا منذ عامين) فيعرضها ذلك إلى الهجوم عليها ومحاولة إحراقها من قبل جمهور فقير خاضع لأيديولوجية رجعية، ومستلب داخل منظومة من الأفكار الطائفية المنحطة.

وعلى جانب آخر سنجد الإسلاميين، وفي القلب منهم الإخوان، هم أيضًا يتعرضون لألوان من الاضطهاد السياسي. ويحاول الإخوان المسلمون اليوم أن يلعبوا دوراً كقطب سياسي في معركة التغيير، فيظهرون بصورة أكثر حداثية حتى يضمنوا قبول الأطراف الأخرى لهم، وحتى يظهروا كبديل محتمل مقبول في أعين الغرب. لكنهم على الرغم من ذلك لا يستطيعوا التخلي عن شعاراتهم ومواقفهم الدينية الرجعية التي تضمن لهم استمرار نفوذهم وسط الجمهور الفقير المستلب. هكذا تظهر طبيعة الإخوان المتناقضة بصورة فجة، فبينما يملأ قادتهم ورموزهم الدنيا ضجيجًا وهم يطالبون بالديمقراطية وإطلاق الحريات ويدعون إلى تجميع الصفوف من أجل تحقيق هذا الهدف، نجد صحيفتهم في الصباح تلعب دورًا تحريضيًا رخيصًا يؤجج الغضب الطائفي، مما يؤدي إلى شق صفوف الجماهير، صاحبة المصلحة في التغيير، وتحويلها إلى جماعات طائفية متناحرة.

وبينما يراجع قادة الإخوان أنفسهم ألف مرة قبل أن يحشدوا قلة محدودة من جمهورهم للمشاركة في مظاهرات التغيير، نجدهم لا يترددون وهلة في دفع هذا الجمهور إلى أتون المعارك الطائفية. هكذا، وبمجرد ظهور الشائعات عن تلك المسرحية تعيسة الحظ، نجد أنصار المرشح الإسلامي في دائرة محرم بيه يحتشدون بأعداد هائلة، لا هدف لهم إلا إحراق الكنيسة وتدميرها. وهكذا بدلاً من أن يخوض الإخوان معركة الانتخابات بحشد الجماهير على المطالب الديمقراطية، وجدوا أن الطريقة الأنسب، والأسهل، في مواجهة مرشح الحزب الوطني “المسيحي” هي إشعال الفتنة الطائفية.

المستفيد الأول بالطبع هو النظام الحاكم.. المعركة من أجل الديمقراطية والتغيير هي معركة في مواجهة النظام، أما الصراع الطائفي فهو معركة لصالحه حيث يتحول من خصم إلى حكم. هكذا يضرب النظام أكثر من عصفور بحجر واحد، فهو من ناحية يظهر في أعين جمهور المسيحيين أنه الحامي لمصالحهم، وأن الكنيسة بدونه لا تقدر على حمايتهم،÷ وبالتالي يلقن الكنيسة درسًا على محاولات تمردها الأخيرة وعلى صلاتها بأقباط المهجر. ومن ناحية أخرى يعزل جمهور الإخوان وفقراء المسلمين عن معركة التغيير، حيث تصبح المهمة في أعين هؤلاء هي إعلاء شأن الإسلام والمسلمين، وبالتالي الحفاظ على الدولة التي ترفع تلك الشعارات، ومن ناحية ثالثة يرسل إلى الغرب رسالة أن بدونه لا أحد يعرف كيف ستجري الأمور، هذا حتى يخففوا من ضغوطهم عليه. وأخيرًا يشق صفوف المعارضة السياسية له، ويكرس مواطن ضعف الحركة في مواجهته، حيث يتمترس كل فصيل في مواجهة الآخر حول قضايا العلمانية والإسلامية، وتتراجع في المقابل المطالبة بالتغيير والديمقراطية.

ولا أمل بدون يسار جديد مناضل يسعى إلى تعبئة الجماهير على مطالبها الاجتماعية. يسار قادر على توحيد صفوف فقراء المسلمين والمسيحيين في مواجهة الدولة المستبدة وكل المؤسسات الرجعية.