بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحزب الوطني يعود للحياة فى الصعيد

” الناس بتقول إنى فلول.. أحب أقولهم أنا زعيم الفلول.. وفخور إنى فلول.. وسنؤيد الفريق البطل أحمد شفيق، والصعيد بقبائله وعائلاته يؤيده، ولن نسمح لشوية دقون يمشونا على كيفهم”.

بهذه الجملة الوقحة بدأ البرلمانى السابق عبد الرحيم الغول المؤتمر الانتخابى الداعم لأحمد شفيق بمركز شباب مدينة العمال بوسط قنا. هذا المؤتمر الذى شهد تمثيلاً قوياً لقيادات الحزب الوطني المنحل وممثلين عن كبار العائلات والقبائل بالصعيد وضباط شرطة سابقين على رأسهم اللواء السابق بأمن الدولة خالد خلف الله ابن قبيلة الهوارة.

لفهم طبيعة ذلك المؤتمر والحاضرين وخصوصية توقيته يجب أن نتطلع إلى الصعيد بنظرة أكثر شمولاً من حيث طبيعته الاجتماعية؛ فالصعيد مجتمع يتميز بنمط الإنتاج الزراعي ذلك النمط للإنتاج الاجتماعى الذى أفرز ثقافته وعاداته المستمدة من الحفاظ على ملكية الأرض والذى ميز عادات أهل الصعيد وخاصة العائلات المالكة للأراضي من حيث الحفاظ على زواج الأقارب من العائلة الواحدة والنهي عن زواج الإناث من خارج العائلة والنعرة القبلية والتباهي العائلي.

تتركز ملكية الأراضى فى الصعيد بين مجموعة محدودة من العائلات التى استمدت نفوذها الاجتماعى والسياسي من ملكيتها لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، فنجد من قبائل الهوارة المنتشرة فى قنا وسوهاج وأسيوط، مروراً بآل حزين والأشراف فى قنا إلى آل حمادي وأولاد طوق وأولاد إسماعيل وأبوستيت بسوهاج… إلخ.

ظلت تلك العائلات على مر التاريخ تستخدم كل الوسائل للحفاظ على سلطتها الاجتماعية المستمدة من ملكيتها للأراضي الزراعية، ولم يكن من بد إلا امتلاك النفوذ السياسي من قاعدة النفوذ الاقتصادى، فظل لتلك العائلات ممثلين لها تحت قبة البرلمان، فكان لأبناء تلك العائلات نواب برلمانيين ممثلين لحزب الوفد القديم، حزب البرجوازية المصرية قبل عام 1952، وظلوا على صلاتهم بالدولة المصرية من خلال الاتحاد الاشتراكى في الدولة الناصرية، ثم رجال مخلصين للسادات وخلفه مبارك فى الحزب الوطنى.

أيقنت تلك العائلات أن ازدياد نفوذها بتقوية صلاتها بأجهزة الدولة السيادية يكرس ويحمي وجاهتها الاجتماعية، فتميزت تلك العائلات بأبنائها المتبوئين للمناصب الرفيعة فى الدولة المصرية، فأصبح لكل عائلة من تلك العائلات المالكة للأراضي عدد وافر من أبنائها معينون فى مناصب القضاة والضباط، الشرطة تحديداً، ووكلاء النيابة بالإضافة للمثليهم الدائمين تحت القبة البرلمانية.

أصبح الحزب الوطنى هو النافذة السياسية لتلك العائلات، فالانتماء للحزب يسمح لهم بتقديم الخدمات لأهالي دوائرهم ومن ثم اكتساب المزيد من الشعبية والعزوة، ومن ناحية أخرى المحيط المثالي لتوطيد وتكامل العلاقات مع صناع القرار وأصحاب السطوة من وجهاء السلطة التنفيذية بالعاصمة، فتتكامل لكبار عائلات الصعيد السلطة الاقتصادية مدعمة بدرع النفوذ السياسي.

جاء حراك الجماهير فى 25 يناير وما تبعه من حل الحزب الوطني وزج بعضاً من رموزه بالسجن، وهروب واختفاء البعض الآخر، أدى إلى حالة ارتباك فى أوساط تلك العائلات، فآثرت السكون والانزواء السياسي تتحسس فيه شكل السلطة القادمة وكيفية التعامل معها بطريقة تحتفظ بها بنفوذها وأملاكها التاريخية.

بلا شك ظهر نفوذ تلك العائلات فى الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، فبالرغم من تقدم مرشح الإخوان في دوائر سوهاج وأسوط وقنا، إلا أن شفيق مرشح الثورة المضادة جاء ثانياً ومنافساً بقوة فى تلك الدوائر.

نجاح شفيق المدعوم بسفور من قبل أجهزة الدولة ومؤسساتها فى دخول جولة الإعادة، أعطى لعائلات كبار ملاك الأراضي بالصعيد قبلة الحياة، وأملاً قوياً فى نجاح مرشح دولة المؤسسات الأمنية السيادية التى طالما تفاهموا معها وحمت مصالحهم وأملاكهم، فظهرت مؤتمراتهم للنور ولم يعد إخفاء رفع راية الثورة المضادة ودعم شفيق والافتخار بالانتساب للفلول مبرراً، فظهرت الوجوه المعادية للثورة وبقوة معلنة حرباً سافرة على قوى التغيير السياسى والاجتماعى.

إن إزدياد نفوذ تلك العائلات السياسي وتراكم ثرواتها لا يأتي إلا عن طريق استنزاف آلاف الأسر الفقيرة من أهل الصعيد الذين يعملون كأجراء، يرزحون تحت نير فقر وجهل مدقع بعيدون كل البعد عن أعين الدولة المصرية التى تؤمن فقط الوجاهة السياسية والاجتماعية لكبار العائلات.

لن يتم كسر النفوذ السياسي لتلك العائلات فقط عن طريق العمل على سقوط مرشح الثورة المضادة، أو فقط عن طريق قانون للعزل السياسي، بل سوف يتم تحطيم تلك السطوة السياسية عندما تنكسر قوة السيطرة الاقتصادية لتلك العائلات.

فعلى الجماهير الثائرة فى المدن إيجاد نقط ارتكاز وتأييد لها فى الريف والصعيد بتبنى مطالب جذرية تُعيد توزيع ثروة المجتمع وأراضيه بطريقة عادلة تكسب من خلالها تأييد أغلبية الفلاحين الأجراء فى معركة ضغط من أسفل ضد سطوة كبار ملاك الأراضى المدعومين من أجهزة دولة مبارك.