بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

في ذكرى استشهاد خالد سعيد:

الجلادون في مواجهة الثورة

نستقبل فى هذه الأيام الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد خالد سعيد على يد عدد من مخبري وزارة الداخلية فى أحد شوارع مدينة الإسكندرية، ذلك الحدث الذى كان له بالغ الأثر على ظهور العديد من الحركات الشبابية المطالبة بالتغيير، الأمر الذى مهد لاندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير بعد ستة أشهر من استشهاد خالد. نستقبل الذكرى السنوية الثانية لاستشهاده فى خضم موجة ثورية عارمة جديدة اندلعت عفوياً عقب صدور أحكام القضاء بتبرئة من قتل الآلاف من أبناء الشعب المصري، الأمر الذى بدد أحلام أهالى الشهداء وجموع الشعب المصري فى أن تحكم المحكمة بالقصاص لأبنائهم من القتلة والسفاحين، فخرجت الجماهير مجدداً معلنة عن رفضها لتبرئة أولئك القتلة.

لقد كان – وما زال – القمع الشرس والتعذيب الوحشي الممنهجان، الملاذ الذي يلجأ إليه النظام للمحافظة على مصالح كبار رجال الدولة فى مواجهة الطبقات الفقيرة والمعدمة التي لا سند لها يحميها من بطش الجلادين والسفاحين. وكان أبناء تلك الطبقات إذا عذبوا أو قتلوا داخل الأقسام والسجون لا يعرف أحد بأمرهم.

إلا أن ما أعطى قضية خالد سعيد أهمية كبرى على المستوى الإعلامى وما ساهم فى إنتشارها على مواقع التواصل الإجتماعى، وما ساهم فى كونها محفزاً لظهور العديد من الحركات الجماهيرية المطالبة بالتغيير، هو كون خالد سعيد ينتمى إلى إحدى الشرائح العليا فى الطبقة الوسطى، برغم أن هناك الكثيرين من أبناء الفقراء الذين يتلقون نصيبهم من التعذيب على يد الشرطة وبشكل شبه يومي، ويفقد بعضهم حياته أثناء التعذيب، إلا أننا نادراً ما ندري بهم.

لقد تفشى التعذيب والقمع فى عهد مبارك فى أقسام الشرطة والسجون، ووصل إلى ذروته فى السنوات الأخيرة فأصبح التعذيب والتنكيل مصير كل من يشتبه به أو من هو قيد التحقيق، أو كل من يتجرأ بالرد أو برفض استغلال رجال الداخلية من ضباط أو أمناء شرطة، إلخ. وبعد الضربة الموجعة التى تلقتها الشرطة فى الثامن والعشرين من يناير، واقتحام مقار أمن الدولة فى مارس، ظن الكثيرون بأن هيبة الشرطة قد انكسرت وبأنها – الشرطة – لن تعاود التعذيب مجدداً.

صحيح أن هيبة الشرطة قد انكسرت بشكل كبير إثر هزيمتها فى المعارك الدامية فى الثامن والعشرين من يناير، ولكن نتيجة ذلك الانكسار لم يكن وقف التعذيب، بل كان أن عادت الشرطة بمساندة الجيش للقمع بشكل أكثر وحشية وشراسة من ذي قبل، وكأنها تريد أن تستعيد هيبتها المفقودة بالانتقام من الثورة والتنكيل بالثوار.

وقد تكرر التعذيب داخل الأقسام والسجون على يد الداخلية، وداخل السجون الحربية على يد قوات الجيش، بدرجة تعدت الذروة التي وصلت إليها إبان عهد الديكتاتور مبارك، وقد حدث موقف مشابه لما حدث مع خالد سعيد، مع عصام عطا الذى تم تعذيبه داخل سجن طرة حتى الموت، ثم عاد حديث اللفافة للظهور على الساحة من جديد.

ولم يقتصر التعذيب على الأقسام والسجون فقط، بل وصل الأمر بالمجلس العسكرى إلى ارتكاب مجازر مفجعة مثلما حدث فى ماسبيرو ومحمد محمود وشارع مجلس الوزراء، راح ضحيتها مئات الشهداء وآلاف المصابين. كل ذلك بالإضافة إلى

يرى البعض أنه لكي يتم التخلص من ظاهرة التعذيب والقمع فإنه يجب تطهير وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بشكل عام من القيادات الفاسدة، ويشير البعض أيضاً إلى أن محاكمة المتورطين فى جرائم التعذيب ستضع حداً لتلك الجرائم.

ولكن المشكلة الحقيقية ليست فى الأشخاص وإنما فى العقيدة. فجهاز الشرطة مثله مثل جميع أجهزة الدولة، جهاز له إنحيازه الطبقي الواضح؛ حيث يعمل على كخط دفاع لحماية مصالح كبار رجال الأعمال ورجال السلطة سواء من خلال القمع المباشر للاحتجاجات أو من خلال إهاب الجماهير بتعذيبهم والتنكيل ببعضهم. فالشرطة لا تعمل على حماية المجتمع، وإنما تعمل على حماية من يسيطرون على السلطة والثروة. وبالطبع يكون ذلك عن طريق قمع أولئك الذين لا يملكون شيئا، فيلجأون إلى السرقة والقتل وغيرها من الجرائم هربا من واقعهم المرير.

إذن فالحل لا يكمن فقط في تطهير الداخلية والأجهزة الأمنية من قياداتها الفاسدة، حتى بالرغم من أهمية هذه الخطوة. فآلة الدولة الحالية لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تعمل في مصلحة الشعب وأن ترعى مصالح الطبقات المهمشة. المعضلة ليست فى الأشخاص بل فى آلة الدولة برمتها، تلك التى تنحاز بشكل واضح لأولئك الذين يملكون ويسيطرون.

تلك الآلة يجب التخلي عنها بالكامل، والاستعاضة عنها بدولة أخرى ذات انحياز طبقي مختلف تخرج من رحم الثورة، تعمل لخدمة المواطنين، لا لقمعهم.