بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الخلاف المزعوم بين النظام المصري وإسرائيل

كلما بدا أن هناك توترا ما في العلاقات بين النظام المصري وإسرائيل تبدأ بعض قطاعات اليسار “الوطني” في الحديث عن التهديد الإسرائيلي “للأمن القومي” وعن موقف مبارك “المتشدد” تجاه إسرائيل وعن وجود قطاعات في الحكم تعارض تطبيع العلاقات معها وقطاعات أخرى تتخذ مواقف تتسم “بالوطنية” إلى آخره من المقولات المعروفة. وقد ظهرت مثل هذه المقولات في الفترة الماضية في الحديث حول مسألة تهديد الحكومة المصرية بالانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية إذا لم توقع إسرائيل على المعاهدة. وظهرت مقالات في صحف المعارضة تناشد مبارك بعدم التوقيع وتؤكد على خطورة السلاح النووي الإسرائيلي على مصالح و “أمن” مصر. وبدا الأمر وكأن الحكومة المصرية قد اكتشفت فجأة امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية وأن هذه الأسلحة تهدد الأمن القومي، واكتشف معها، بشكل مفاجئ أيضا، صحفيين من الحكومة والمعارضة، ومن اليمين واليسار، خطورة تلك الأسلحة.

ولكن الجميع يعلم أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية منذ أواخر الستينات، وأنها بدأت التحضير لبرنامجها النووي بعد حرب 56، بمساعدة الحكومة الفرنسية في البداية ثم الحكومة الأمريكية فيما بعد. والجميع يعلم كذلك أن النظام المصري كان من أوائل الدول التي انضمت لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في عام 1968 وذلك على الرغم من عدم انضمام إسرائيل لها. وأن النظام المصري جدد التزامه بهذه المعاهدة في أعوام 75 و 80 و 85 و 90 على الرغم من استمرار رفض إسرائيل التام للانضمام في كل تلك المرات. ويعلم الجميع كذلك أن إسرائيل تمتلك أسلحة تقليدية وكيماوية وبيولوجية تتفوق على كل المستويات على مجموع كل تمتلكه الدول العربية بما فيها مصر. وأن هذا كله لم يمنع الحكومة المصري من المضي قدما في اتفاقات السلام مع إسرائيل منذ منتصف السبعينات، وانه لم يمنعه من أن يصبح الحليف الرئيسي لإسرائيل في المنطقة العربية خلال العقدين الماضيين. وعلى الرغم من الضجة والتصريحات حول منع انتشار السلاح النووي في المنطقة فقد أنهى النظام المصري موقفه بإعلانه بأنه لن ينسحب من المعاهدة مكتفيا بمطالبة إسرائيل بإعطاء ضمانات مستقبلية حول نزع سلاحها النووي. بل وفي نفس الوقت تم دعوة إسرائيل للمشاركة في المعرض الصناعي في القاهرة وتم منع وقمع أي محاولات للاعتراض على تلك المشاركة بشكل وحشي ومبالغ فيه.

والسؤال الذي يتبادر للأذهان هو لماذا أخذ النظام المصري موقفا “دعائيا” معارضا للتوقيع على الاتفاقية بهذا الشكل؟

والإجابة على هذا السؤال تتعلق بعلاقة النظام بالحكومة الأمريكية أكثر مما تتعلق بعلاقته بإسرائيل. فهناك ضغوطا قوية لخفض المعونات الاقتصادية الأمريكية للدول النامية بما فيها مصر، وهذه الضغوط تزايدت في أعقاب أزمة المكسيك والتي كلفت الحكومة الأمريكية اكثر من عشرين مليار دولار. ويريد النظام المصري أن يضمن لنفسه استمرار المعونات من خلال التأكيد على دوره في حماية مصالح الإمبريالية في المنطقة والتأكيد كذلك على قدرته في وقف ذلك الدور إذا توقفت الحكومة الأمريكية عن دفع الثمن. والمتابع لرحلة مبارك الأخيرة لأمريكا يكتشف سريعا العلاقة بين ضجة المعاهدة النووية وبين مسألة المعونات ففي التصريحات المهمة لمبارك نجد الحديث عن أزمة المعاهدة النووية يعقبه مباشرة الحديث عن الفائدة التي تعود على الولايات المتحدة من جراء استمرار معوناتها لمصر. وبمعنى آخر فإن موقف النظام المصري ليس موقف نظام “مستقل” يدافع عن مصالح حقيقية له ولكن موقف حليف للإمبريالية يحاول رفع، أو الحفاظ على، ثمن الخدمات التي يؤديها.

ويرى بعض المحللون اليساريون أن هناك علاقة ما بين “تشدد” الحكومة المصرية حول مسألة السلاح النووي الإسرائيلي وبين رفض قطاعات واسعة من البرجوازية المصرية لمشاريع السوق الشرق أوسطية المطروحة خاليا في المنطقة. والطرح الأساسي لتحليل هذا الرفض المزعوم هو أن الرأسمالية “المنتجة” في مصر لن تجني شيئا من وراء هذه المشاريع وان الاقتصاد المصري سيضار من تنفيذ مخططات السوق الشرق أوسطية. فالبضاعة الإسرائيلية الرخيصة ستغرق الأسواق العربية بما فيها مصر وبالتالي ستعرقل نمو وتطور الرأسمالية المصرية وستؤدي في النهاية إلى المزيد من “التبعية” والتخلف والى هيمنة إسرائيل الاقتصادية على المنطقة بكاملها.

ولكن هذا التناقض بين الرأسمالية المصرية والرأسمالية الإسرائيلية لا أساس له من الصحة. فلو نظرنا إلى الاقتصاد الإسرائيلي نجده قد اصبح يعتمد بشكل أساسي على الصناعة المتطورة كثيفة المهارة ونجد أن نسبة الصناعات الإلكترونية والكهربائية إلى إجمالي الإنتاج قد زادت من 4.3% عام 1965 لتصبح 17.2% عام 1984 (تبلغ هذه النسبة في مصر حوالي 1% -واحد بالمائة-) وبالطبع ارتبط هذا النمو بالتوسع الكبير في الصناعات العسكرية. وكانت الرأسمالية المصرية قد تحولت منذ منتصف السبعينات من اقتصاد رأسمالية دولة، تتحكم في تسييره الدولة، والتنظيم النقابي “الهستدروت”، وتتبنى سياسية إحلال الواردات، إلى اقتصاد يلعب فيه القطاع الخاص الدور المركزي وتتبع الدولة فيه سياسية تشجيع الصناعات التصديرية ومحاولة الاندماج في الاقتصاد العالمي.

تكمن مشكلة الاقتصاد الإسرائيلي الأساسية في نقص العمالة الرخيصة، فالعمالة اليهودية عالية المهارة مرتفعة الأجور وينطبق هذا على المهاجرين الجدد، وتحتاج الرأسمالية الإسرائيلية إلى دفع الأجور العالية للمهاجرين لحفزهم على البقاء في إسرائيل وللحفاظ على هيمنة الإيديولوجية الصهيونية على العمال اليهود. والحل الأمثل لهذه المشكلة في جذب العمالة الرخيصة من ناحية، وتصدير رأس المال إلى المناطق ذات العمالة الأرخص من ناحية أخرى. ويزداد إلحاح هذا الحل كلما أزداد الضغط التنافسي على الرأسمالية الإسرائيلية من جراء التدويل المستمر للاقتصاد العالمي.

إن مشروع السوق أوسطية هو الطريق الأمثل لتنفيذ هذا الحل، فهذا المشروع قائم على تسهيل حركة رأس المال والعمال والبضائع بين دول المنطقة، وبالتالي سيسمح بانتقال رأس المال الإسرائيلي الفائض إلى حيث العمالة الأرخص وسيسمح بانتقال العمالة الرخيصة متوسطة المهارة أو غير الماهرة إلى إسرائيل.

أما بالنسبة لمصر، والتي تحولت كذلك منذ السبعينات من اقتصاد رأسمالية الدولة وإحلال الواردات إلى اقتصاد يلعب فيه القطاع الخاص وتشجيع الصادرات الدور الأساسي، فعلى عكس الاقتصاد الإسرائيلي هناك فائض للعمالة الرخيصة متوسطة المهارة وغير الماهرة في مصر، وفي نفس الوقت هناك احتياج شديد لدى الرأسمالية المصرية إلى استثمارات أجنبية تشاركها في استغلال هذه العمالة الرخيصة وتساعدها على التصدير إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية وتنقل إليها التكنولوجيا المتطورة.

ويتناسب هذا تماما مع احتياجات الرأسمالية الإسرائيلية، ويمثل سوق العمل المصري سوقا مثاليا لجذب العمالة الرخيصة لإسرائيل وفي المجال الزراعي فهناك توافق المصالح بين راس المال الإسرائيلي والمصري، فالأول لديه التكنولوجيا الزراعية العالية وينقصه الأرض الكافية للتوسع الزراعي، والأخير لديه الأراضي الصالحة للاستصلاح وينقصها التكنولوجيا. وهذا يمثل مجالا مثاليا آخر للمشاريع الرأسمالية المشتركة وتكوين شركات زراعية كبرى مصرية-إسرائيلية.

هناك إذا “ألف خيط من الذهب” يربط ما بين مصالح الرأسمالية المصرية والرأسمالية الإسرائيلية، وتمثل السوق الشرق أوسطية فرصة تاريخية للرأسماليتين لتحقيق مصالحهما المشتركة.

ولا يعني هذا أن يستنتج البعض من هذه التحولات الاقتصادية أن إسرائيل لم يعد لها دورا كرأس حربة للإمبريالية في المنطقة، وأنها أصبحت دولة رأسمالية عادية يتم إدماجها في المنطقة، وان حتى جماهير المخيمات الفلسطينية سيتم إدماجها في مشاريع السوق الشرق أوسطية وبالتالي أن القضية الفلسطينية قد انتهت. فهذه الاستنتاجات خاطئة وخطيرة ولا تستند إلا على خلط بين الواقع السياسي-الاقتصادي وبين الأحلام الطوباوية لبرجوازيات المنطقة. فهي قائمة على تصور وهمي بأنه بمجرد إتاحة الفرصة من خلال تحرير التجارة في المنطقة ستنهال علينا الاستثمارات الأوروبية والأمريكية واليابانية، وسيحول أمراء الخليج استثماراتهم من ألمانيا إلى مصر ومن هونج كونج إلى غزة. ويتناسون في هذا التصور أن هناك حربا تنافسية شرسة على الاستثمارات الأجنبية والخليجية، وان هذه الحرب قد زادت ضراوة عقب انهيار اقتصاد المكسيك والآثار المترتبة على ذلك. إن هذه التصورات الرأسمالية الطوباوية تتناسى ايضا النظام الرأسمالي العالمي مأزوم وأن فرص صعود لاعبين جدد كمراكز للتراكم الرأسمالي قد اصبحت محدودة للغاية.

فلا يمكن فصل أهمية إسرائيل بالنسبة للإمبريالية الأمريكية عن الدور الهام الذي لا يزال يلعبه البترول في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، فالمنطقة العربية لديها 55% من المخزون العالمي للبترول في مقابل 4% في أمريكا، والبترول ما يزال المصدر الأساسي للطاقة في الصناعة والاستهلاك في الدول الرأسمالية المتقدمة. وبالتالي أن هناك أهمية قصوى للحماية السياسية والعسكرية لعملية استخراج وبيع البترول في المنطقة، وقد رأينا مدى تلك الأهمية في الحرب الشرسة التي شنتها الإمبريالية الأمريكية ضد العراق عام 1991.

وفي هذا الإطار فإن أهمية إسرائيل العسكرية والسياسية تأتي في هذا الإطار، فالتهديد الأساسي على البترول لا يأتي من أنظمة برجوازية مثل نظام صدام حسين والذي سرعان ما سيتم هزيمته. فالقلق الأساسي للإمبريالية يأتي من حدوث ثورات شعبية تطيح بالأنظمة “الصديقة” وتهدد الهيمنة الأمريكية على بترول الخليج. وإسرائيل بطبيعتها الاستيطانية وبترسانتها العسكرية الضخمة خير من يحمي المنطقة من مثل هذه الثورات.

فطالما ظل البترول المصدر الأساسي للطاقة في الاقتصاد العالمي، وطالما ظل مخزونه الأساسي في منطقة الخليج العربي، ستظل إسرائيل رأس حربة للإمبريالية الأمريكية في المنطقة وسيظل الدعم الأمريكي الاقتصادي والعسكري مختلف كما وكيفا عن دعمها لأي نظام آخر.

وإسرائيل، في أدائها لهذا الدور، تخدم كذلك النظم البرجوازية العربية، فهي حليف عسكري وسياسي قوي، وقريب جغرافيا بحيث يستطيع التدخل لحماية تلك الأنظمة من أي خطر يهددها من الداخل.

أن الفهم الاشتراكي الثوري لمسالة إسرائيل يقوم على الافتراضات التالية:

– ليس بين البرجوازية المصرية ودولتها أي تناقضات جوهرية مع المصالح الإسرائيلية، بل يمكن اعتبار إسرائيل من أهم حلفاء النظام المصري في المنطقة.

– أن إسرائيل هي العدو اللدود للطبقة العاملة المصرية، لا لأنها عدو تاريخي للشعب المصري والعربي، بل لكونها رأس حربة الإمبريالية في المنطقة، وهي تحمي الأنظمة العربية من هبّات جماهيرها، وتقوم يوميا بقهر جماهير المخيمات الفلسطينية.

– يجب على الاشتراكيين الثوريين رفض ومقاومة أي محاولات برجوازية صغيرة لتحويل الصراع إلى صراع قومي أو ديني يحاول تغييب وعي الجماهير وإبعادهم عن معركتهم الأساسية.

إن الطريق الوحيد لمواجهة الصهيونية وإسرائيل من منطلق ثوري هي في الربط بين معركة الطبقة العاملة المصرية ضد البرجوازية المصرية ودولتها، وبين معركة جماهير المخيمات الفلسطينية ضد الجيش الإسرائيلي وضد سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني الذي لا يعبر سوى عن مصالح البرجوازية الفلسطينية.