بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإخوان بين الاعتقال وإنشاء حزب مدني

يمثل الصراع بين النظام المصري والإخوان ملمحاً أساسياً يميز الحياة السياسية المصرية في الوقت الراهن. وبالرغم من أن هذا الصراع شهد تصاعداً واضحا خلال عام 2005، بسبب المنافسة التي مثلها الإخوان في الانتخابات البرلمانية، إلا أن تطورات الشهرين الماضيين تشير إلى أن العلاقة بين الجانبين بدأت تشهد منعطفاً جديداً يبدو فيه النظام أقل استعدادا للتسامح إزاء وجود الجماعة.

كان طبيعياً أن يكون عام 2005 عاماً فارقاً في علاقة الإخوان المسلمين بالشارع المصري. فقد اتسم ذلك العام، الذي شهد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بصعود حركة الشارع بشكل غير مسبوق منذ نحو ربع قرن هي فترة حكم مبارك. وتزامن ذلك مع توجه دولي، وأمريكي تحديداً، نحو الضغط على النظم الحاكمة في المنطقة العربية لتحقيق إصلاحات ديمقراطية، باعتبار أن فساد واستبداد هذه النظم هو السبب الرئيسي وراء تصاعد ظاهرة الإرهاب. كل ذلك شجع الجماعة على النزول إلى الشارع والانخراط في الحركة المطالبة بالديمقراطية.

وكان أول عمل مؤثر اتخذته الجماعة في هذا الاتجاه، هو تنظيم مظاهرة للمطالبة بالديمقراطية في شهر مارس تضم عشرات الآلاف من الأعضاء في القاهرة والمحافظات، تلتها المشاركة في عدة مظاهرات أخرى أهمها تلك التي أقيمت في يوليو أمام نقابة الصحفيين. وإلى حد كبير، اتسمت سياسة الدولة تجاه صعود الجماعة آنذاك بدرجة من التسامح، حتى وقت الانتخابات البرلمانية في نوفمبر وديسمبر، حينما تم اعتقال الآلاف من أعضاء الجماعة قبيل وأثناء فترة الانتخابات، واستخدمت العديد من وسائل البلطجة والتنكيل في مواجهة مرشحي الجماعة ومؤيديهم. لكن رغم ذلك كانت النتيجة هي فوز 88 عضواً من 140 قامت الجماعة بترشيحهم.

الدولة والضغط الخارجي

أثبتت نتائج انتخابات مجلس الشعب في مصر، ثم فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية التي أجريت في الأراضي الفلسطينية في يناير 2006، أن الديمقراطية هي طريق غير مأمون العواقب بالنسبة للمصالح الأمريكية في المنطقة. فكما هو الحال دائما، تتراجع الدعاوي الديمقراطية أمام أي خطر يبدو مهدداً لتلك المصالح، حيث أنه آنذاك تصبح الأولوية للاستقرار على أية اعتبارات أخرى على حد قول كوندوليزا رايس. ومن هنا كان التواطؤ الواضح من الإدارة الأمريكية إزاء التنكيل الذي يمارسة النظام المصري – وغيره من النظم في المنطقة – ضد المعارضة بشكل عام، والإسلاميين بشكل خاص. وخلال عام 2006، وتحديدأ منذ مارس إلى أكتوبر، قامت أجهزة الأمن بتوجيه ضربات متلاحقة للجماعة اعتقلت خلالها نحو 800 عضو دون أن يترتب عن ذلك أيه ضغوط دولية حقيقية.

منعطف جديد

اتخذ النظام العرض الرياضي الذي قام به نحو 50 طالباً من المنتمين للإخوان في جامعة الأزهر– والذي دأبت أجهزة الأمن والصحف الحكومية على تسميته العرض العسكري– في 10 ديسمبر الماضي ذريعة لتصعيد التنكيل ضد أعضاء الجماعة. فقد قامت أجهزة الأمن في 14 ديسمبر باعتقال 139 عضوا بينهم خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام. ووجهت لهم تهم التجمهر والشغب، فيما وجهت للشاطر تهمة تمويل الجماعة والقيام بعمل تشكيلات شبه عسكرية. وعندما أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكماً في 28 يناير بإلغاء قرار نيابة أمن الدولة بحبسه و15 من قيادات الجماعة، أعادت مباحث أمن الدولة اعتقالهم.

في غضون ذلك قامت أجهزة الأمن بعدة حملات لاعتقال قياديي الجماعة وبشكل خاص رجال الإعمال، حيث وُجهت إليهم عدة تهم منها غسيل الأموال. وفي خطوة فريدة من نوعها، قرر النائب العام في 28 يناير منع 29 متهماً من قيادات الإخوان وزوجاتهم وأولادهم القصر من التصرف في أموالهم في خطوة اعتبرها الكثيرون تهدف إلى تدمير البنية التحتية المالية للجماعة.

وحول كيفية تقييم الإجراءات التي تتخذها الدولة مؤخراً تجاه الإخوان، يرى الدكتور محمد السيد سعيد، نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام في حديث للاشتراكي أن “ما يحدث اليوم يتجاوز الضربات التقليدية التي تعود النظام على تسديدها للإخوان، من حيث الوتيرة ومن حيث حجم القبضات. فعادة ما كانت الضربات تستهدف خلخلة وإرباك التنظيم ومعرفة معلومات عنه. أما الاستراتيجية الجديدة فتريد تكميش التنظيم وتعمل بذكاء، باستخدام الآليات الإعلامية وتخويف الناس من الإخوان. الجديد أيضا ضرب اقتصاد الجماعة”.

يختلف الدكتور ضياء رشوان الخبير في الحركات الإسلامية بمركز دراسات الأهرام حول اعتبار ما يحدث حالياً منعطفاً جديداً في سياسة الدولة تجاه الإخوان فيقول في حوار للاشتراكي إنه: “لا يوجد تحول في سياسة الدولة، لكن سياستها ازدادت حدة فقط. فالدولة دائما ما تتبع سياسة الإجهاض المبكر وعدم إعطاء الجماعة فرصة أخذ مبادرة الشرعية. كان هذا دائما هو هدف الدولة الذي تمثل في قبضات على المستوى الوسيط للإخوان وبعض القيادات كل ثلاثة أو أربع أشهر”. أما الجديد في الضربة الأخيرة وفقا لما يراه الدكتور ضياء فهو: “إضافة البعد الاقتصادي الذي يستهدف ضرب اقتصاد الجماعة واتهامها لأول مرة بممارسة العنف، والحملة الإعلامية والسياسية التي تشن ضدها”.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو إلى أي مدى يمكن أن تنجح الحملات الأخيرة في كسر شوكة الإخوان أو تخفيف حدة التهديد الذي تمثله الجماعة التي تضم عشرات الآلاف من الأعضاء ولها على الأقل مئات الآلاف من المتعاطفين؟ يرى محمد السيد سعيد أن الدولة لا تستطيع القضاء على الإخوان، ولكن ما ترغب فيه هو: “تضييق الحيز الإخواني لأقصى حد ممكن…ربما النصف أو الربع”.

ويعتبر الدكتور ضياء رشوان أن حدود ما تسعى الدولة إلى تحقيقه في الوقت الراهن هو: “ترويض الإخوان من أجل تمرير التعديلات الدستورية دون أن يحصلوا على حزب سياسي ضمن التغييرات الجديدة، على أن يبقى للإخوان الوجود الفعلي”.

حزب مدني…كيف؟

تزامن التنكيل الأمني تجاه الجماعة مع تطور آخر مهم هو التصعيد السياسي من جانب النظام، وهو ما عبر عنه اقتراح مبارك ضمن التعديلات الدستورية بشأن إضافة فقرة للمادة الخامسة المتعلقة بدور الأحزاب في النظام السياسي تنص على: “حظر أي نشاط سياسي أو حزبي أو قيام الأحزاب على أساس الدين أو الجنس أو الأصل”. ثم أصدر مبارك تصريحات في 11 يناير قال فيها إن الإخوان يمثلون خطراً على مصر.

في اليوم التالي لصدور التصريح المذكور، أعلن الإخوان أنهم سوف يشكلون حزباً مدنياً ذو مرجعية دينية ويمكن أن يضم أقباطاً، وأنهم لن يلجأون إلى لجنة الأحزاب للحصول على تصريح بإقامة الحزب. غير أن هذا الإعلان يطرح العديد من التساؤلات، لعل أولها يتعلق بتوقيته. توجه الاشتراكي بهذا السؤال إلى الدكتور عصام العريان عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين الذي قال: “لدينا الرغبة في تأسيس حزب منذ أكثر من 20 سنة، وقد شرعنا في إعداد برامج عديدة وتقدمنا للحكومة بطلبات إنشاء أحزاب، منها تجربة حزب الوسط الذين كانوا ضمن شباب الإخوان في فترة سابقة. لكن فيما يخص التوقيت فهو غير مرتبط بحدث معين وهو بمثابة حلقة في سلسلة المحاولات”. ومن جانبه يعتبر الدكتور ضياء رشوان أن التوقيت هو “بمثابة خطوة متأخرة جاءت في وقت مناسب.. لأننا بصدد تعديلات دستورية تعني إعادة تشكيل النظام السياسي المصري على قواعد جديدة فيما يخص، إنشاء الأحزاب، علاقة رئيس الجمهورية بباقي سلطات الدولة، قانون الإرهاب… “لذلك أدرك الإخوان ضرورة طرح قضيتهم ضمن القضايا السياسية المطروحة لكي تتم مناقشة قضية وجودهم ضمن القواعد التي يتم إعدادها للمستقبل”. وينظر الدكتور محمد السيد السعيد إلى هذه الخطوة في إطار ما يراه أنه المشكلتين التاريخيتين اللتان تواجهان الإخوان، وهما قانونية وجود الجماعة والثقافة السياسية لديها، ومن هنا يعتبر أن: ” الخطوة إيجابية …. لأن القول بوجود حزب أو الشروع في تكوين حزب يعني اعترافاً من قبلهم بأنهم جزء من المجتمع وليس كل المجتمع”.

من ناحية أخرى، فإن مسألة إقامة حزب دون الرجوع إلى لجنة الأحزاب تعني في واقع الأمر، إعلان حزب من جانب واحد، أي رغم أنف الدولة. ومن ثم فإن مدى إمكانية تحقيق ذلك على أرض الواقع تظل محل شك كبير سواء بالنظر إلى تجارب حزبي الوسط والكرامة، أو عند الأخذ في الاعتبار سياسة القبضة الحديدية التي تتمسك بها الدولة في التعامل مع الجماعة. وفي حقيقة الأمر، يبدو أن الإعلان عن تشكيل حزب هو أقرب إلى الإعلان الرمزي، لا الواقعي، وهو ما تؤكده كلمات الدكتور عصام العريان: “الإعلان عن حزب من طرف واحد غير وارد فنحن لا نخترق إطار الشرعية وقد رأيت ما حدث مع تكوين أقل أهمية بكثير كالاتحاد الحر للطلبة….. ما قمنا بالإعلان عنه هو برنامج وليس حزب”. ويتفق الدكتور محمد السيد سعيد مع رأي العريان حول عدم إمكانية إعلان الحزب من جانب واحد، وكذلك الدكتور ضياء رشوان الذي يرى أن الإخوان وحدهم لا يمكن أن يقوموا بذلك، لكن إعلان كافة القوى السياسية نفسها أحزاباً من طرف واحد يمكن أن يؤدي إلى إحداث تحول في النظام السياسي المصري.

هموم الأقباط

أما الأمر الثالث المهم في فكرة إنشاء الحزب المدني فهو قضية الأقباط، الذين لديهم مخاوف مشروعة تجاه الإسلاميين بشكل عام والإخوان بشكل خاص باعتبارهم أهم القوى السياسة والمنافس الحقيقي الوحيد للنظام الحالي. وخلال الفترة الماضية، لم يبد واضحاً أن الجماعة تبذل جهدا حقيقياً على صعيد السعي لاكتساب ثقة الأقباط وإقناعهم بصدقية تبنيهم للدولة المدنية. وفي الحقيقية، فإن الممارسات الانتخابية للإخوان في الدوائر التي كان يوجد بها مرشحون أقباط، والتصريحات المتواترة التي تدلي بها قيادات الإخوان حول عدم وجود مشكلة قبطية، كلها تعزز مخاوف الإقباط وعدم ثقتهم فيما يطرحه الإخوان حول الديمقراطية.

ويبدو أنه إذا نحينا جانباً الشعار التقليدي “لهم ما لنا وعليهم ما علينا” فإن هذه القضية في بعض جوانبها ليست محسومة لدى قيادات الجماعة، وهو ما عبر عنه الخلاف الأخير بين القياديين محمود عزت والسيد عبد الستار المليجي على صفحات صحيفة الكرامة حول مدى جواز تولي قبطي رئاسة الجمهورية. ويرى الدكتور عصام العريان أن: الإخوان لا يوجد لديهم ما يقدموه (للأقباط) سوى العمل على الحصول على قدر أكبر من الحرية… جميعنا مواطنون، لنا حقوق متساوية وواجبات متقابلة… الآن، لا حق لا لمسلم ولا لمسيحي في الترشيح لرئاسة الجمهورية… عمليا نحن مع حق ترشيح الأقباط، لكن من حقي أن اختار أو لا أختار، أن أنتخب أو لا أنتخب”.

العصيان والمهادنة

لا يختلف اثنان على أن الإخوان هم أكبر القوى السياسية في مصر، وأكثرها قدرة على الحشد والتعبئة. وعندما قرر الإخوان النزول إلى الشارع في مارس 2005، ثم قاموا بإعلان تأسيس التحالف الوطني من أجل الإصلاح والتغيير، تصور كثيرون أن الجماعة سوف تلقي بثقلها في الحركة المطالبة بالديمقراطية عبر حشد الآلاف في الشوارع. غير أن أداء الجماعة كان دون مستوى التوقعات. ونفس الشئ حدث أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان. والآن، مع تصاعد القمع الذي تمارسة الدولة ضد الجماعة، يبرز التساؤل حول لماذا الإصرار على سياسة الدفاع في مواجهة هجوم النظام؟

في تصريحات أدلى بها الدكتور محمد حبيب نائب المرشد العام لصحيفة الدستور، ذكر أن نهج المهادنة يرجع إلى الرغبة في عدم تكرار حملات الاعتقال الواسعة التي تعرض أعضاء وقيادات الجماعة خلال العامين الماضيين. ومع إنه لا يمكن إنكار أهمية هذا العامل، إلا أنه يمكن القول أن علاقة حركة الإخوان بالشارع ترتبط بأسباب أكثر تعقيداً من الاعتبارات الأمنية. فالجماعة، بحكم طابعها الإصلاحي، الذي يقوم على اعتبار البرلمان هو طريق التغيير، تتعامل بحذر مع الشارع، وتستخدمه في أضيق الحدود، وتخشى خروج الأمور عن السيطرة، أي تطور الحركة إلى انتفاضة – أو فوضى بلغة الإصلاحيين. وفي ظل الأوضاع الدولية الراهنة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول على دعم مصر والدول المعتدلة في المنطقة في حصار إيران والحركات الإسلامية، وعلى رأسها حزب الله وحماس، تصبح الاعتبارات التي تمنع من اللجوء إلى الشارع أكثر قوة.