بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإخوان والدستور وعنق الزجاجة

فى مؤتمر صحفى عقد 12 مارس 2011 أعلنت جماعة الاخوان المسلمين تأييدها للتعديلات الدستورية وقالت على لسان متحدثها الاعلامى الدكتور عصام العريان أنهم سيبذلون كل الجهد من أجل أن تأتى نتيجة الاستفتاء بالموافقة على التعديلات واعتبر أن هذا هو الخيار الوحيد للخروج مما أسماه “عنق الزجاجة”.

كما ادعى العريان أن المعارضين للتعديلات لا يمتلكون مشروعا سياسيا بديلا. والواقع أنه لا يمكن قراءة هذه التصريحات بمعزل عن استعراض مواقف هذه الجماعة من الثورة المصرية، فقبل 25 يناير رفضت الجماعة المشاركة فى الحركة الاحتجاجية التى دعي إليها الشباب وأمام ضغوط شبابها وافقت على اعتبار خيار المشاركة خيارا فرديا متروكا لأعضاء الجماعة كل على حدة دون أن تكون هناك دعوة تنظيمية.

وخلال الفعاليات الأولى للثورة وقبل تحقيق انتصارها الأول بازاحة مبارك وافقت الجماعة على المشاركة فيما سمى بالحوار بين عمر سليمان ممثل النظام البائد وبين المعارضة الرسمية الديكورية التى لم يكن لها صلة حقيقية بحركة الثورة.

كيف نرى ما حدث فى مصر فى 25 يناير؟ فى تصورى أن الاجابة عن هذا السؤال تملك مفتاح الموقف المطروح حاليا من الاستفتاء حول التعديلات الدستورية. هناك من ينظر إلى الأمر باعتبار أن ما حدث كان مجرد حركة احتجاجية قامت بها بعض القوى السياسية فى مواجهة نظام متسلط لإزاحة بعض رموزه والحصول على بعض المكاسب السياسية التى تسمح لهذه القوى بقدر أكثر اتساعا للممارسة السياسية والحصول على حقوق الشرعية وربما فى أفضل الأحوال المشاركة بشكل رمزى فى مؤسسات الحكم. هذه النظرة ضيقة الأفق لا تستطيع أن تقيم الموقف الراهن الا باعتباره الانتصار النهائى للحركة الاحتجاجية وعليها أن تطلب من الجماهير التخلى عن توجهها الاحتجاجى وأن يتركوا لهذه القوى الفرصة لممارسة دورها السياسى المنتظر. إن موقف جماعة الإخوان المسلمين لا يخرج عن هذا الطرح، فهى حققت مكاسب سياسية كبيرة حاربت من أجلها لسنوات.

فحين لمحت بوادر الشرعية الممنوحة من نظام مبارك هرولت الى موائد الحوار المزعوم والآن فهى تدافع عن شرعية دستور مبارك بشكله المعدل وتتبنى رؤية انتخابات برلمانية سريعة على نظام الانتخاب الفردى رغم علمها وعلم الجميع أن هذه الرؤية لن تنتج سوى برلمانا على شاكلة برلمان 2005 أو ربما أفضل قليلا، برلمان يفوز بعضويته أصحاب الثروة والعصبيات القبلية والعائلية وأصحاب الشعارات الدينية.

وبهذه المواقف فان الجماعة تؤكد على قبولها العمل السياسى من خلال الشرعيات السابقة شريطة تحقيق القدر الأكبر من المكاسب السياسية، وهى أيضا لا تنسى أن تبعث برسائل طمأنة للنظام السابق بأنها لن تنافس على الانتخابات الرئاسية أو الأغلبية البرلمانية المطلقة.

وعلى الجانب الآخر، هناك من ينظر الى 25 يناير باعتبارها ثورة شعبية بادرت بالدعوة إليها قطاعات شبابية واسعة وتضامنت معها قطاعات كبيرة من الشعب المصرى بمختلف قواه الاجتماعية وشرائحه العمرية. وأن هذه الثورة كانت ضد نظام جائر ومستبد وفاسد مارس سياسة القهر السياسى والاجتماعى والإفقار المنظم تجاه الشعب وخلق منظومة واسعة ومنهجية للفساد والنهب لثروات هذا الوطن. كانت شعارات الثورة واضحة وصريحة “الشعب يريد إسقاط النظام”.

وإسقاط النظام لا يعنى فقط اسقاط رأسه أو بعض رموزه ولكنه يعنى بالأساس إسقاط شرعياته الدستورية والقانونية وهياكله السياسية وأدواته القمعية وفك ارتباطه بكامل مؤسسات الدولة. هذه النظرة ترى الموقف الراهن بشكل مختلف عن النظرة الإصلاحية، فالثورة عملية تغيير شاملة ومستمرة وطموحاتها واستحقاقاتها كبيرة، وبالتالى فان استكمال المهمة الرئيسية للثورة وهى اسقاط النظام لابد أن يمر بإسقاط دستوره، هذا الدستور الذى يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة تتنافى مع أى طرح ديمقراطى ولا تسمح بآليات ارساء قواعد صياغة مختلفة للحكم. واذا نظرنا الى التعديلات الدستورية بشكل مباشر لاكتشفتا العديد من العورات أهمها أنها لم تتناول أى درجة من درجات التقليص لصلاحيات رئيس الجمهورية وكرست حقه فى تعيين نائب له بدلا من انتخابه كما أنها حددت آليات وضع الدستور الجديد بلجنة منتخبة من البرلمان-وليس من الشعب- الذى نستطيع أن نستقرأ تركيبته اذا ما تمت الانتخابات فى تلك الظروف والتضييق على صلاحيات الطعن على الانتخابات الرئاسية.

إن الحديث عن هذه التعديلات بوصفها انجازات كبيرة كثيرا ما طالبت بها قوى المعارضة فى مصر عبر سنوات هو حديث مضلل، لأننا ببساطة نعيش فى لحظة ثورية تاريخية نصنع فيها تغييرا جذريا ونحدد فيها آفاقا واسعة للمستقبل. ان ما يمكن قبوله على موائد الحوار فى لحظات الجذر لا يشكل بالضرورة انجازا فى لحظات الثورة

الإخوان المسلمون يقولون أن المعارضين لدستور مبارك المعدل لا يملكون مشروعا بديلا، وأقول لهم أن هذا محض افتراء، فأغلب القوى الديمقراطية فى مصر طرحت موقفا موحدا يعبر عن الحد الأدنى المتفق عليه بخصوص خطوات المرحلة الانتقالية وهو الدعوة الى إصدار إعلان مبادئ دستورى مؤقت والدعوة الى انتخابات رئاسية لاستكمال الفترة الانتقالية بحكم مدنى يتم خلالها اطلاق الحريات السياسية مثل حرية تشكيل التنظيمات المستقلة وإصدار الصحف والمطبوعات وتغيير قانون مباشرة الحقوق السياسية والانتخابات وإلغاء ترسانة القوانين القمعية وغيرها من الإجراءات التى تسمح بتطور حالة الجدل السياسى والحوار الوطنى العام. وخلال هذه الفترة يتم الدعوة لانتخاب جمعية تأسيسية بشكل حر وديمقراطى من الشعب لوضع دستور جديد وشكل جديد للحكم.

هذا هو المشروع البديل يا دكتور عصام، المشروع الذى يتبنى الطرح الأكثر ديمقراطية والذي لا يتبنى ممارسة الحياة السياسية فى إطار شرعيات أسقطها الشعب والذى يتوافق مع طموحات واستحقاقات ثورة 25 يناير والذى يشكل خطوة هامة على طريق تحقيق شعارها المركزي وهو إسقاط النظام. ان الخروج من عنق الزجاجة لا يمكن أن يتم عبر شرعيات نظام الفساد والنهب والاستبداد هذه الشرعيات التى وبالضرورة ستدفعنا مرة أحرى إلى داخل الزجاجة.