بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الإعلام المصري وثورة يناير

هناك دائما مشكلة حقيقية تقف أمام نقل المعلومة عبر وسائل الإعلام وهي :
أولا: من يمتلكون المعلومات والوثائق و القدرة علي التحليل الموضوعي للأحداث في الغالب أقلية معزولة وبعيدة عن وسائل الإعلام.

ثانيا: القدرة علي امتلاك وسائل الإعلام تقف أمامها عقبات مادية ضخمة تقصر حقوق الملكية علي طبقة حاكمة من مصلحتها إخفاء مثل هذه الحقائق والمعلومات التي تمس الأسس العملية لهيمنتهم.

بناء علي ذلك تتعامل النخبة الحاكمة صاحبة المصالح المشتركة مع نقل المعلومة وفقا لتركيبة هذه النخبة وطريقتها في الحكم. فحين تكون الطبقة الحاكمة متجانسة في الأفكار والمصالح كما في نظم الحكم الشمولية ( رأسمالية الدولة) والفاشية، كالأنظمة الستالينية والناصرية يتم تركيز كل أدوات القمع الفكري، سواء الأدوات الخشنة من أمن وداخلية وجيش، أو الأدوات الناعمة من إعلام وصحافة في عملية تزييف لوعي الجمهور، بواسطة آلة إعلامية مسيطر عليه بشكل كامل.

ونتيجة لتجانس هذه النخبة والتي تكون في الغالب من الجهاز البيروقراطي للدولة لا يسمح بالملكية الخاصة لوسائل الإعلام ويتحول ما يبثه هذا الإعلام في وعي جماهير المتلقين إلي ثنائية ( الحقيقة / الكذب ) فما يستقبله من وسائل إعلامه حقيقة وما هو خارج عن وسائل الأعلام الأخرى والتي تمثل نخب حاكمة أخري كذب.

وبالتالي تزداد عزلة الأقلية المالكة للوثائق وأدوات التحليل سواء عبر القمع البدني أو الذهني كمثال لذلك ما حدث أثناء النكسة عام 1967 عندما ادعي النظام إسقاط مئات الطائرات الإسرائيلية والوصول إلي تل أبيب وهو ما لم يحدث في الحقيقة.

أما حين تتفاوت النخبة في الوعي والمصالح كما هو الحال في الدول التي تنتهج النظام الرأسمالي ومنها النظام المصري الحالي، حيث التفاوت في الوعي والمصالح مابين الحرس القديم، الذي يمثل الجهاز البيروقراطي للدولة، وبين الرأسماليين الجدد المتحالفين مع جمال مبارك ثم المجلس العسكري، و حتى هؤلاء الرأسماليين متضاربون في المصالح كمثال ما حدث بين محتكري العقارات (هشام طلعت) ومحتكري الحديد والأسمنت (أحمد عز) قبل الثورة.

يحق لهذه النخبة من الرأسماليين مشاركة الدولة في امتلاك أدوات الإعلام الخاصة بهم ليتسع هامش حرية الإعلام قليلا ولكن اتساعها لا يتجاوز حدود مصالح هذه النخبة الرأسمالية المشتركة كحد ادني . ووقتها يقل انعزال الأقلية المالكة للوثائق وأدوات التحليل و ينشأ ما يسمي ( المحتمل ) اي يتم تحويل الحقيقة التي تقدمها هذه الأقلية إلي وجهة نظر محتملة في ذهن المتلقي البعيد عن مركز الأحداث.

وقد لوحظ هذا طوال أيام الثورة و حتى الآن فمن ميدان مصطفي محمود مقابل ميدان التحرير في فبراير وحتى رؤية ثوار التحرير التي تقدم علي نفس الشاشة في مواجهة رؤية من في ميدان العباسية الآن، ساهم في حصار رؤية ثوار التحرير في وخلق مناخ بالشارع المتعطش للاستقرار يكفر بالثورة كجزء من سياسة عزل الثوار والتي تكتمل بحالة الانفلات الأمني المتعمد والتلويح طوال الوقت بورقة الانهيار الاقتصادي والغلاء … وهكذا

وفي هذا الوضع الملتبس للجمهور المتلقي للخطاب الإعلامي من كثرة تدفق المعلومات المتناقضة يتم تمرير وجهة النظر القادرة علي فرض أمر واقع وإيجاد الزخم الجماهيري أو علي الأقل تحييده وتكون في الغالب وجهة نظر الطرف الأقوى (الطبقة الحاكمة ) صاحبة أدوات القمع الفكري والبدني و القانوني.

وهنا يجب علي الأقلية الثورية التي تتجدد محاولات حصارها الانغراس في الشارع وإيجاد الزخم الجماهيري والمؤسسات الجماهيرية والأدوات المبتكرة القادرة علي نقل المعلومة الحقيقية وربطها بالمصالح المباشرة للجماهير وإقرار الحقائق التي يسعي الإعلام الرأسمالي لتمييعها وتحويلها إلي وجهة نظر … فالحق دائما بحاجة إلي قوة لتثبيت دعائمه.