بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا نناضل ضد اضطهاد الأقباط؟

قد تبدو إجابة السؤال بسيطة للبعض، لأن الأقباط مضطهدون ويجب علينا مواجهة هذا الاضطهاد! فالثوري الماركسي يسعى لبناء عالم أكثر حرية وإنسانية لكل البشر، وهذا بالتأكيد لن يحدث دون تحرر كل المضطهدين والمقهورين تحرراً حقيقياً، والقضاء على كل أشكال الاضطهاد. ولكن، هذه الإجابة في بساطتها تغفل المعنى الحقيقي وراء السؤال: لماذا نشتبك في المعركة نفسها؟ فبعض المناضلين يرون أن المعركة لا تخص اليسار بالضرورة وليست مرتبطة بطبيعة نضالهم، والبعض الآخر من المناضلين اليساريين يرى نهاية الاضطهاد نتيجة مباشرة لتغيير شكل المجتمع وتحقيق سلطة الجماهير من الكادحين، وبالتالي لا يجب الانشغال عن المعركة الرئيسية بأية معارك أخرى. لفهم أهمية الالتحام بمثل هذه المعارك لابد من أن يتضح مفهومنا الحقيقي عن طبيعة الاضطهاد ودورنا في معارك المضطهدين.

الصراع الطبقي واضطهاد الأقباط

لا يمكن الفصل بين الاضطهاد الذي يتعرض له الأقباط في مصر وبين المعركة ضد الطبقة الرأسمالية إلا بإهمال طبيعة هذا الاضطهاد؛ ففي الواقع الاضطهاد هو سلاح تستخدمه الطبقة المُستغِلة، عن طريق توجيه الدعاية الطائفية من خلال المؤسسات الدينية واستغلال هذه الدعاية لتسهيل قمع الأقباط وارتكاب مذابح كالقديسين وأطفيح وماسبيرو والخصوص وآخرها الاعتداء على الكتدرائية بالعباسية، من خلال أذرعها الأمنية في الدولة كالجيش والشرطة وبلطجيتهم، أو من خلال الجماعات الدينية المتطرفة والتي أطلقت الدولة يدها منذ الثمانينات، ليكون الناتج النهائي هو حياة يكره فيها المسلمون الأقباط ويرون فيهم سبب مشاكلهم الحياتية والعكس. هذه اللعبة البسيطة هي الطريقة التي يتم بها توجيه غضب المقهورين، الناتج عن الحياة غير الآدمية في المجتمع الرأسمالي، تجاه بعضهم البعض بدلا من توجيهه نحو الطبقة التي تستغِل بشكل يومي، والتي لا تعرف انتماء عقائدي حقيقي سوى الربح الناتج عن الاستغلال.

نشأت التقسيمات الطولية التي تستغلها الطبقة الحاكمة نتيجة للمجتمع الطبقي وليس بمعزل عنه، تلكالنتيجة أدركها المنتمين للتيارات الماركسية الثورية عبر العصور، ويشهد التاريخ بوجود المناضلين الماركسيين في مقدمة النضال من أجل حقوق المضطهدين، من حق المرأة في العمل والاستقلال عن الرجل إلي حقوق الأقليات العرقية في الولايات المتحدة إلى حقوق الأقليات الدينية في كل مكان. الإيهام بأن اضطهاد الأقباط وغيرهم من المضطهدين نابع من طبيعة بشرية ما، وانفصال هذا النضال عن الصراع الطبقي هو جزء من ألعوبة النظام في مواجهة محاولات تحركات هذه الأقليات من أجل تحررها. من مصلحة النظام الحاكم أن تستولي على قيادة معركة الأقباط المؤسسة الكنسية الموالية للسلطة مهما كانت ومنظمات توجه غضب جماهير المسيحيين نحو الجماهير المسلمة، فأين اليسار اليوم من مهمة توجيه الأقباط نحو عدوهم الحقيقي؟

النظرة الميكانيكية والتفكير الجدلي

يرى بعض المناضلين اليساريين، وغيرهم من النشطاء المدافعين عن حقوق الطبقة العاملة، أن معركة كمعركة اضطهاد الأقباط ليست من أولويات نضال الطبقة العاملة، وأن دور الحزب الثوري هو التركيز في توحيد الطليعة العمالية وتجهيزها لقيادة الثورة الاجتماعية، أما معارك الاضطهاد فهي معارك جانبية تخص الليبراليين والأحزاب البرجوازية، فالاضطهاد سينتهي حتميا نهاية حقيقية بمجرد استيلاء الطبقة العاملة على السلطة وقضائها على الدولة التي كانت تقوم بالضطهاد.

مثل هذه النظرة الميكانيكية تحيد بشكل كبير عن الرؤية الماركسية الحقيقية في تشكل الوعي، فهي تهمل العامل الأساسي في فهمنا لطبيعة تغير المجتمعات وهو فهمنا للتفاعل الجدلي بين الواقع المادي والأفكار، وبالتالي أهمية الصراع الفكري بجانب الصراع لتغيير شكل المنظومة المادية. دور الحزب الثوري الحقيقي هو محاربة الأفكار العنصرية بكل أنواعها بين صفوف الطبقة العاملة، فالتخلص من أفكار الطبقة الحاكمة الحالية ليس بالأمر الهيّن بينما هي تمتلك كل وسائل الإنتاج الذهنية من إعلام وتعليم وخطاب ديني وخلقها لما يسمى بالـ”طبيعي” أو الأفكار المتعارف عليها.

تحدث الاشتراكي الثوري الإيطالي أنطونيو جرامشي عن الهيمنة الفكرية للطبقة الحاكمة، واستخدامها “المجتمع المدني” لامتصاص الجماهير بتوجيه غضبها بعيداً عن الدولة. إن الحديث عن اختصاص الليبراليين والمنظمات الحقوقية في قضايا الأقليات إن دل على شيء فهو ضعف التيارات الماركسية الثورية في القيام بدورها الحقيقي في اكتساب المضطهدين نحو المعركة ضد دولة الاستغلال ومحاربة الأفكار العنصرية بكل صورها. إن الاعتقاد بالحتمية بشكل عام، سواء في انتهاء الاضطهاد أو انضمام المضطهدين لصفوف الثورة أو نجاح الثورة نفسها، ينم عن عدم فهم لدور الحزب الثوري والدعاية والتحريض المطلوبين منه في مواجهة أجهزة الدولة، في هذه النظرة استهتار بالمنظومة التي نواجهها ورؤية ضيقة للمتغيرات المحتملة وغير المحتملة في الظرفين المادي والذاتي.

واجه الاشتراكي الثوري لينين، أحد أبرز رموز الثورة الاشتراكية في روسيا 1917، مثل هذه الرؤية الميكانيكية في الفترة التي كتب فيها كتابه الشهير “ما العمل؟” في عام  1902، ففي مواجهة الأفكار الاقتصادوية التي انتشرت وقتها في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، تكلم لينين عن الأهمية التنظيمية الشديدة لتوجيه الطبقة العاملة نحو التضامن مع كل حراك سياسي ضد الدولة المستغلة من خارج الطبقة، ورأي في وقوف الطبقة العاملة بجانب الأقليات المضطهدة إدراكها لذاتها كطبقة وإدراكها لدورها التاريخي المنتظر منها في قيادة الصراع ضد الطبقة الحاكمة. وكان تطبيق الحزب البلشفي لهذه الأفكار واضحاً في اجتذاب المجموعات المضطهدة في روسيا كالمرأة واليهود والمسلمين للحزب والاهتمام بالنضال من أجل حقوقهم. فإن أدركنا الآن إجابة السؤال في عنوان المقال، فمن الواجب أن نسأل كما سأل لينين: ما العمل؟

المعركة التي أمامنا

الانخراط بقوة في معركة الأقباط ومعارك المضطهدين عامةً والاقتراب أكثر من قضاياهم مهم للغاية في المرحلة القادمة، فلا يمكن الاكتفاء بمجرد البيانات والمشاركة في المسيرات ضد الاضطهاد. الفئات المضطهدة معا يشكلون الأغلبية الحقيقية من سكان مصر، وأغلبهم ينتمي للطبقة العاملة والشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة. التقسيم الطولي الذي تفرضه الدولة، وما يأتي معه من تناحر فيما بين المضطهدين أنفسهم، لا يظهر ذلك التفوق العددي. علينا كمناضلين ماركسيين أن نتصدر الصفوف في وقت يزداد فيه قمع الأقباط وغيرهم من المضطهدين في ظل تحالف الأخوان والعسكر في السلطة، لابد من سحبهم من تحت عباءة الحلول الاصلاحية أو الآمال في الهجرة، أو الخضوع لسلطة الكنيسة بمواقفها الخاضعة للدولة.

هدفنا هو توحيد طليعة المضطهدين وجذبهم نحو معركة تحررهم الحقيقي، والذي لن يتحقق إلا بخلق بديل أكثر حرية وانسانية للمنظومة الحالية. لن يحدث ذلك بالتأكيد بانتظار قدوم هذه الطليعة إلينا من تلقاء نفسها، أو أن نتخيل إمكانية توحد طليعة الطبقة العاملة وباقي الطبقات الكادحة تحت رايتها بينما الانقسامات الطولية مازالت تلوث أفكارها. المناضل الثوري الماركسي الحقيقي يدرك حجم المهمة الصعبة التي تواجهنا، ويدرك أهمية وتعقيد بناء الحزب الثوري، ولكنه يدرك أيضاً أنه الطريق الوحيد أمامنا لإنجاح هذه الثورة.