بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لماذا يريد البعض عودة الحكم العسكري؟

بدايةً، عزيزي القارئ، دعنا نتفق أنه بالنسبة للمواطن العادي غير المطلع وغير المهتم بالشأن السياسي، فإن القوات المسلحة لم تضع الشعب في مواجهات مباشرة مع الجنود، مع تقديري التام لأحداث العباسية، أحداث مجلس الوزراء، ماسبيرو،اللائي أعتقلت فيهما، محمد محمود، وكلية الإعلام. ولكن هكذا، صديقي، يفكر سائق التاكسي، محصل تذاكر الأوتوبيس، عامل نظافة الكلية، إلخ.

رغم إني وإياك نتفق أن المجلس العسكري دفع بالبلد لأحضان الإخوان المسلمين، إرتكب ثلاث مجازر تشيب لهم ما تبقى من شعر الرأس، إنتقم من الثوار إنتقاماً يقشعر له الأبدان. إلا أن عموم الشعب لا يتفق معنا في ذاك. بل إن عموم الشعب يكفر بالثورة، والتي على حد وصف الكثيرون تسببت في قطع الأرزاق.

وإن أردننا أن نجيب على السؤال المطروح أعلاه علينا أن نحلل الدولة ومفهومها ونظامها.

فقد قال فردريك إنجلز في أشهر كتاباته “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة “:

“الدولة ليست بحال قوة مفروضة على المجتمع من خارجه. والدولة ليست كذلك « واقع الفكرة الأخلاقية »، « صورة وواقع العقل » كما يدعي هيغل. الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد وقع في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، عن واقع أن هذا المجتمع قد انقسم إلى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها، ولكيلا تقوم هذه المتضادات، هذه الطبقات ذات المصالح الطبقية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضا والمجتمع في نضال عقيم، لهذا اقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود « النظام ». إن هذه القوة المنبثقة عن المجتمع والتي تضع نفسها، مع ذلك، فوقه وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة.”

و كما يعرف أغلبنا، ومما لا شك فيه، أن تاريخ أي مجتمع ما هو إلا مجموعة من الصراعات الطبقية. فقد قال ماركس في أحد أهم كتاباته “البيان الشيوعي”:

“حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حربا متواصلة، تارة معلنة وطورا مستترة، حربا كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين.”

فالدولة، صديقي، هي هيئة للتفرقة الطبقية، هيئة لظلم فئة على حساب أخرى. هكذا صديقي حال كل الدول التي قامت على أسس البرجوازية.

نطرح سؤالاً هنا، كيف نشأت الدولة؟

عندما تطور بنو البشر البدائيون، وصار بينهم القوي والضعيف، ومما هو معروف أن بنو البشر يعيشون في جماعات منذ أن ظهر جنسهم على الأرض تكونت مجتمعات صغيرة. بتغير الظروف وظهور فكرة الإمتلاك وفكرة العمل ومبدأ السيادة، والهيمنة وبالتالي، طبعاً، التقسيمات الطبقية والصراعات الطبقية المترتبة عليها. كان من الضروري أن ينشئ بنو البشر هيئات تنظم العلاقة بين أرباب العمل وأصحاب الأملاك من ناحية والعمال والتابعين من ناحية أخرى. وكانت تلك الهيئات هي تجمعات لمجتمعات صغيرة عدة، متشابهة في العادات والتقاليد والصفات الجينية والوراثية، تنصهر لتكوّن معاً مجتمعاً كبيراً واحدة تنظمه هيئة تدعى “الدولة”.

وعندما نمى وتنامى ذلك المجتمع، وزادت فيه حدة الصراع الطبقي، كان لابد للدولة التي أسسها المهيمنين الأغنياء أن يؤسسوا جهازاً يحميهم من إنتفاضات الفقراء. على أن يكون ذلك الجهاز مستتراً بتحقيق العدالة، عن طريق قوانين يضعها من تنصبهم الدولة لكتابة وصياغة قوانين تحمي أملاك الأغنياء من الفقراء وتحرص عليها من غضب الفقراء والعمال. وكان هذا الجهاز هو الشرطة والجيش والقوات النظامية التابعة للدولة.

لذا، نستشف عدد من الملحوظات، غير مقبول إغفالها:

1. أن الدولة قائمة على الطبقية منذ نشأتها.

2. تكوين القوات النظامية جاء أصلاً لمواجهة وقمع الحراك الشعبي الناتج عن الصراع الطبقي المستفحل.

3. المجتمع البرجوازي لا يحدث تغييراً راديكالياً في الدولة، ولا يقضي على التناحر الإجتماعي، بل يخلق كل فترة قواعد جديدة للعبة مستبدلاً القواعد القديمة، مدعياً بذلك المرونة وتقبل فكرة التغيير.

وعودةً إلى الحالة المصرية، في 2011، عندما قامت الموجة الأولى من الثورة، ما أسقط مبارك، من وجهة نظري،هو أنه إستعد لحراك شعبي من الفقراء وليس من الطبقة البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة. وهذا ليس تقليلاً من الفقراء بل هو مجرد توضيح لأخطاء مبارك.

فقد إستعد للحراك بالإنتقال العشوائي ولغاز المسيل للدموع وإطلاق النار.. إلخ، وإن كان هذا قد يرهب تحرك للفقراء غير المنظم، فهو لن يرهب شباب إنتفض للكرامة و العدالة. و لن يرهب الفقراء والعمال إن تحركوا بشكل منظم للإنقضاض على السلطة.

وهذا يثبت وجهة النظر المعروضة سلفاً، أن القوات النظامية تهدف لحماية مصالح الطبقة الحاكمة من بطش غضب الفقراء.

استرسالاً، فإنه عندما نزل الجيش إلى شوارع مدن وقرى مصر، فإنه كان واضحاً جداً أنه نزل ليحمي مصالح النظام البرجوازي، وقد قام بذلك بحنكة شديدة ومهارة عظيمة. إستغل العسكريون العاطفة الشعبية للقوات المسلحة وقاموا بـ”إحتضان”، حرفياً، المتظاهرين الذين كانوا يرتعدون خوفا من تكرار سيناريو 77 و81 عندما أباد الجيش المصري المتظاهرين بالمدافع الثقيلة. و راحوا يرددون الهتاف الرديء “الجيش و الشعب إيد واحدة”.

و بعد ذلك أصدروا بيانات كثيرة، مستعطفين فيها الشعب بجملة “رصيدنا لديكم يسمح” بأنهم يساندون الشعب ويقفون إلى جواره، في طريقة إستقطاب “ماسخة” لعدم الإنحياز ضد الجيش وفي محاولة واضحة لتضليل الناس عن تاريخهم الأسود الملئ بالكذب والعُهر والنهب.

نسي الناس، أو تناسوا، أن الجيش قال إبان نكسة الخامس من يونيو عام 1967 أنه أسقط 60 طائرة وأنه وصل إلى مشارف تل أبيب، بينما كان لحم الجنود الفقراء مبعثر في رمال سيناء. و نسوا، أو تناسوا، الهزيمة السياسية النكراء التي فرضت علينا معاهدة كامب دايفيد، والتي بموجبها لا نستطيع، إلى الآن، تأمين أراضينا السيناوية. و نسوا أو تناسوا أن الجيش أطلق النار على متظاهروا التحرير عام 77. ونسوا، أو تناسوا، أن الجيش أطلق النار على متمردو 81.

فالجيش، أيها السادة المحترمون، ليس جيشاً وطنياً، ولا يختص، أو بالأحرى لا يهتم، بتأمين الوطن، بل يهتم بتأمين مصالح رؤوس الأموال. والدليل على ذلك، من سمع منكم بقضية جزيرة القرصاية من أهل الجزيرة تلك، سيعرف أن الحادثة التي وقعت منذ بضعة شهور قليلة ما هي إلا تكرار لحادثة، أو عملية كما يحلوا لي أن أصفها، حدثت منذ سنوات عديدة للإستيلاء على الجزيرة لإقامة عليها مشاريع سياحية إستثمارية.

ولكن بسبب نسيان أو تناسي الناس لتلك الأحداث المهمة، و لإغفالهم مراحل تطور الدولة على مر التاريخ، خرجت مظاهرات مرددة ذلك الهتاف القمئ الكاذب “الجيش و الشعب إيد واحدة”. و يُصدر من يُدعون بـ”النخبة” بيانات قائلين فيها أن أفراد الجيش يختلفون في وطنيتهم عن القيادات، مداعبين بذلك الضباط بإضفاء شرعية لإنقلاب عسكري!

ولكن العسكريين غير مختصين بالإدارة السياسية والإقتصادية، ببساطة، لا يملكون تلك المهارة.

وإن كنا قد ذكرنا أعلاه أن الأغنياء والمهيمنين احتاجوا إلى إنشاء قوات نظامية تحمي أملاكهم و أرواحهم من بطش الفقراء، تتبع القوة المنظمة تلك الطبقة الغنية، فإن في الحالة المصرية كانت تلك الطبقة الغنية هي نفسها القوة النظامية. فرجال الأعمال تربطهم صلات نسب وقرابة بينهم وبين كبار رجال الجيش. و تكونت صلات النسب تلك لتسهل وتيسر حماية القوات النظامية لأملاك وأشخاص الأغنياء. ألم يقل ماركس أن الزواج البرجوازي هو غطاء للبغاء؟ في حالتنا، هو البغاء نفسه، غير مستتراً !

وأتّبع رجال النظام في الحالة المصرية نظرية هتلر التي عرضها قائلاً:

 “إذا أردت السيطرة علي الناس فأخبرهم أنهم معرضون للخطر وحذرهم من أن أمنهم تحت التهديد، ثم شكك في وطنية معارضيك.”

 وهذا بالضبط، عزيزي، ما فعله النظام. فقد فتح أبواب السجون، وأطلق بلطجيته، سحب أفراد الشرطة، لسبب نجهله، جميعاً؛ فلم يتبقى فرد مرور حتى في الشارع… ولم؟ كي يشعر الناس بالخطر ويقلل الحشد على ميدان لتحرير. وعمل التلفزيون جاهداً على تشويه صورة المعارضين وإبرازهم على أنهم ممولين، أيدي خفية، طرف ثالث، لهو خفي، أجندات خارجية، مخططات صهيوأمريكية، علاقات جنسية كاملة، مخدرين.. إلخ.

ولهذا السبب تحديداً وبسبب إعتقاد الناس أن البديل غير موجود، غافلين أنهم هم البديل، وبسبب أن أمنهم الشخصي معرض للخطر، و بسبب أنهم إستجابوا لتشكيك السلطة في المعارضة، وأيضاً حالة النخبوية التي أصابت المعارضة، فإن الناس يرغبون بعودة العسكر للحكم.