بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المجلس العسكري يقود الثورة المضادة

المعضلة الرئيسية التي تواجه الثورة اليوم هي: إلي جانب من يقف الجيش؟ هل يقف إلي جانب الثورة أم الثورة المضادة؟ بمعنى آخر، هل “الجنرالات” أو القادة العسكريين الذين عينهم الديكتاتور مبارك في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحالي بجانب الشعب المصري أم بجانب النظام القديم؟

منذ عام 1952 استطاعت الانظمة العسكرية والبوليسية التى حكمتنا ابتداءً من عبد الناصر وانتهاءً بمبارك أن ترسخ لدينا فكرة ان المؤسسة العسكرية هي مؤسسة وطنية تحمي تراب الوطن وأن الجيش فوق كل نقد، لا يجوز نقده أو التحدث عن فساد بداخلة، فهو من المحرمات في الصحافة، لدرجة اقتنعنا عندها بأن الجيش مؤسسة مقدسة، لذلك ظلَّ الجيش يعمل وراء ستار مظلم، فتقريبًا كل ما يتعلق به هو صندوق أسود ﻻ تفاصيل فيه وﻻ يمكن الحصول على أي معلومات عنه، بالإضافة إلي أن محاولة الاجتهاد والحصول علي معلومات عنه مُجرَّمة قانونًا، بموجب قانون 313 لسنة 1956، الذي يحظر على أي شخص الكتابة عن أي شئ متعلق بالجيش: فبيانات مثل عدد العمال والموظفين المدنيين الذين يعملون لدى شركات المؤسسة العسكرية ورواتبهم وملكية الجيش للأراضي وميزانية الجيش، أي منها لا يوجد في أي سجلات عامة متاحة. على أي حال، الجيش المصري هو جيش تقليدي ينقسم إلى قادة محترفين وضباط من ناحية ومجندين من ناحية أخرى، ويختلف وضع الضباط في الجيش كثيرًا عن نحو نصف مليون من المجندين يتقاضون أجورًا زهيدة ويعمل الكثير منهم بالسخرة في شركات الجيش المسماه زورًا وبهتانًا بمشروعات الخدمة الوطنية.

شركة تجارية
إن أعضاء المجلس العسكري وكبار الضباط هم جزء من الطبقة الحاكمة، والنظام القديم ليس فقط على أساس أنهم هيئة الأركان المسلحة لحماية مصالح هذه الطبقة ولكن أيضا بوصفهم “ملاك” حيث يمكلون جزءًا كبيرًا من اقتصاد البلاد، فقد سعت المؤسسة العسكرية بعد التوصل لاتفاق سلام مع العدو الصهيوني عام 1979 إلى تبرير حجمها الضخم بالتحول لإنتاج الأسلحة فضلا عن إنتاج مستلزمات الجيش، ومع مرور الوقت، توسعت هذه المصانع والمزارع المعفاة من الضرائب والرسوم، بصورة كبيرة وأصبح الجيش كما تصفه برقية من البرقيات التي سربها موقع ويكيليكس والتي كتبتها السفيرة الأميركية مارجريت سكوبي في سبتمبر 2008: لقد” أصبح الجيش مؤسسة شبه تجارية ،فهو يدير شبكة واسعة من اﻷعمال”.

وأكد جايسون ديتز على موقع “أنتي وور” أن الجيش المصري يمتلك العديد من الأصول الاقتصادية مما سمح لقادته بتكوين ثروات هائلة ربما تفوق ما جمعه الديكتاتور مبارك نفسه الذى تشير بعض التقارير إلي بلوغ ثروتة نحو سبعين مليار دولار. المثير في مقالة ديتز هو أنه يقول “إن الأوضاع التي سمحت لمبارك بجمع هذه الثروة ربما تكون موجودة داخل الجيش، إذ إنه يسيطر على عدد من نواحي الاقتصاد كما أنه يمتلك أصولًا ربما تكون أكبر مما امتلكه الرئيس المخلوع”. فالجيش المصري يدير إمبراطورية اقتصادية مترامية الاطراف تنتج مجموعة واسعة من السلع العسكرية والمدنية والخدمات ويصنع كل شيء من المياه المعدنية المعبأة الشهيرة (صافي)، وزيت الزيتون والأنابيب والكابلات الكهربائية، والكيماويات والأسمنت والانشاءات والفنادق والصناعات البترولية، ناهيك عن المساحات الشاسعة من الأراضي المملوكة له في دلتا النيل أو الوادي الجديد وفي البحر الأحمر.

يقدر جوشوا ستاكر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كينت والذي يدرس الجيش المصري “أن الجيش يتحكم في 33 في المئة الى 45 في المئة من الاقتصاد المصري”، وفي مناخ من الفساد المرعب لا يعرف أحد حقًّا حقيقة حجم أصول المؤسسة العسكرية وممتلكاتها الصناعية حيث إن هذه أمور “خارج الميزانية”! ولكن وفقا لمعظم المحللين والكتابات التي ظهرت مؤخرًا، فإن الجيش المصري يسيطر علي أقل التقديرات علي 25 في المئة من الاقتصاد المصري الذى تعدى حجمه التريليون جنيه وفقا للبيانات الرسمية، أي أن الجيش وفقا لهذا الرقم يسيطر علي الأقل علي أصول اقتصادية تتراواح قيمتها ما بين 250 مليار جنيه و450 مليار جنيه، هذه الأصول تدرُّ أرباح تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات سنويًا، معظم هذه الأرباح تكدست في جيوب مبارك وقادته العسكريين، وهي لا تظهر للمصريين حتى في حدها الأدنى، فضلًا عن حصول كبار القيادات على العديد من العقارات الفخمة والاستيلاء علي الأراضي والمناجم بعد التقاعد.

على هذه الأرضية فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم يمكن وصفه إلي حد كبير بمجلس إدارة لمجموعة من الشركات الكبرى “هي الشركات التي تمتلكها المؤسسة العسكرية”، والمشير محمد طنطاوي، الحاكم العسكري هو الرئيس التنفيذي للمجموعة هذه الشركات، كما يمكن أن نطلق على سامي عنان العضو المنتدب هذه الشركة. والشركات المملوكة للجيش تدار من قبل جنرالات ولواءات جيش متقاعدين لكن الجيش لم يسيطرة فقط علي المجال الاقتصاد بل يسيطر أيضًا على الجزء الأكبر من المناصب العليا في الخدمة المدنية، فواحد وعشرين من حكام محافظات مصر البالغ عددها 29 محافظة هم أعضاء سابقين في الجيش واﻷمن، وكذلك رؤساء المؤسسات مثل هيئة قناة السويس والعديد من الوزارات الحكومية وشركات القطاع العام. وكذلك يمكن رؤية ضباط الجيش المتقاعدين في جميع أنحاء مستويات الإدارة الوسطى من شركات القطاع الخاص الكبرى.

لكل ذلك، فإن المجلس العسكري لديه مصلحة هائلة وراسخة في الحفاظ علي البنية الأساسية للنظام القديم، ومن الطبيعي أنه سيقاتل ككتيبة متقدمة وأكثر شراسة من أجل حماية تلك المصالح، فالثورة ستحد من قدرتهم علي نهب وجمع الثروات، والأكثر من ذلك أنهم يدركون أن ساعة الحساب ستطالهم عندها فإن الثروات التي نهبوها بالفعل في ظل النظام القديم ستكون مهددة وذلك في حال تحقيق أي حرية حقيقية أو إصلاحات اجتماعية جذرية.

لهذا يحاول المجلس العسكري الحاكم اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين وخصوصا العمال الذين يضربون من أجل تحقيق مطالبهم لرفع أجورهم وتحسين مستوى معيشتهم ، فقادة الجيش تتزايد مخاوفهم يوما بعد يوم من انتقال هذه الموجة العارمة من الاحتجاجات والاضرابات إلي امبراطوريتهم الاقتصادية التي يعاني في ظلها العمال من أسوأ شروط للعمل فهم محرمون من تكوين نقابات، كما يعد الاحتجاج والإضراب في هذه الشركات عملًا مجرمًا باعتبار أن هذه الشركات مؤسسات تابعة للجيش.

محاولات الثورة المضادة
خلال كل محطات الثورة الرئيسية حاول قادة الجيش إجهاض الثورة، فمع اشتداد قوة الحركة الجماهيرية فكر قادة الجيش بالتأكيد في سيناريو إطلاق النار على المتظاهرين، لكن لطبيعة الجيش المصري فإن الأوامر المعطاة من قبل الضباط الكبار لإطلاق النار كانت ستواجهه -بعد سقوط ربما عشرات من القتلي- بتمرد، ليس فقط في صفوف الجنود العاديين ولكن أيضًا في صفوف الضباط من ذوي الرتب الصغيرة والمتوسطة وحتى بعض الرتب الكبيرة، وهو الأمر الذي كان يعني انقسامًا حادًا في الجيش على أساس طبقي، وبالتالي فإن الثورة كانت ستتجذر بشكل أبعد بكثير مما حدث حتى الآن. وكما أكدت صحيفة نيويورك تايمز نقلًا عن سامر شحاتة، أستاذ السياسة العربية في جامعة جورجتاون، فإنه “إذا فتح الجيش النار على المدنيين فهذا سيهدد سمعة الجيش ونزاهته. وهذه المرة سيكون مستقبل المؤسسة العسكرية في خطر”.

لذلك حاول قادة الجيش اتباع سيناريو آخر هو كما يشير روبرت سبرنجبورج، أستاذ شؤون الأمن القومي في مدرسة البحرية الأمريكية: “تأخير حل الأزمة “لاستنزاف” الانتفاضة التي اندلعت قبل 12 يومًا”. وأضاف سبرنجبورج في مقابلتة مع وكالة رويترز في الخامس من فبراير: “أنها لعبة مصارعة من جانب الجيش لإثارة الحشود ودفعهم للتركيز على مبارك ثم يتم تقديمه كأضحية بطريقة ما، وفي نفس الوقت يبدو الجيش كمنقذ للبلاد.” واستدرك قائلًا: “وسيؤدي هذا الأسلوب أيضًا إلى تركيز غضب الانتفاضة على مبارك وليس على النظام المعتمد على الجيش. لضمان استمرار دور مهيمن للجيش في المجتمع والسياسة والاقتصاد”.

ولكن رهان الجيش علي ذلك السنياريو فشل، فرحيل مبارك لم يعن بالنسبة للجماهير الثائرة تحقيق مطلب الثورة الرئيسي وهو “الشعب يريد اسقاط النظام”، علي الرغم من خروج الصحف الحكومية في اليوم التالي لرحيل مبارك بمانشيت موحد هو: “الشعب أسقط النظام”؛ فالشعب لا يزال يريد إسقاط النظام.. كل النظام.. والثورة مازالت مستمرة.