بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأمر بالعبودية والنهي عن الحرية

 في حادث وصفه وزير الداخلية المصري بأنه حادث "عابر"، تواترت الأنباء الأسبوع الماضي عن مقتل شاب مصري في مقتبل العمر بمحافظة السويس على يد ملتحين، وذلك لتواجده مع خطيبته في مكان عام. اختلفت الآراء حول انتماءات الجناة السياسية وهل ينتمون لجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم أنهم إسلاميون متشددون ينتمون للتيار السلفي الوهابي لكن دون انتماءات سياسية. وقبل أن تهدأ التكهنات حول حادث السويس، فاجئنا حادث جديد لا يقل بشاعة عن سابقه وهو إصابة أربعة أشخاص تتراوح أعمارهم من 11 إلى 24 عام بأعيرة نارية أطلقها عليهم سلفيون اقتحموا صالة بلياردو بمنطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن رفض المصابون الاستجابة لتوجيهات الملتحيين الذين طالبوهم بوقف اللعب باعتباره لهو مرفوض في الإسلام. إذاً نحن أمام حادثين ارتكبا بدوافع دينية في أقل من أسبوع واحد، ربما يرى البعض أنها ليست ظاهرة، وربما يراها البعض عابرة، لكنها بالتأكيد ناقوس خطر يهدد مستقبل الحريات في المجتمع المصري.

أمن دولة أم جماعات دينية

انقسم المجتمع المصري – لا سيما النخبة السياسية – بين مؤمن بأن تلك الحوادث هي من صنيعة جهاز أمن الدولة بتاريخه المعروف باستغلال التيارات الدينية لبث الرعب والخوف وتأجيج الفتنة بين أطياف المجتمع، وبين مصدق لوجود ما يعرف بإسم "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وتواترت الأنباء حول بدء مزاولة الهيئة لنشاطها بعد استفتاء مارس 2011 وتسلح أفرادها ببعض الأسلحة مثل العصا الخشبية والصاعق الكهربي. وفيما يخص حادث مقتل شاب السويس تحديداً، تناقلت الصحف رويات أهالي السويس التي تؤكد حدوث عدة وقائع مشابهة، اعتدى فيها ملتحون على المواطنين، وأكدوا أن بعض الملتحين كانوا يقومون بالاعتداء بالصفع والضرب بالأيدي وباستخدام عصي من الخيزران لضرب الشباب والفتيات ومنعهم من السير معاً في المدينة.

لا أحد ينكر علاقة الإسلاميين وخاصة التيار الوهابي السلفي بالسلطة واستغلالها لهم عن طريق الذراع الأمني لها. وعلاقة الجماعات الإسلامية بالسلطة بدأت في أواخر عهد "السادات" حيث أراد السادات ضرب التيار اليساري المتنامي في الجامعات وفي الأوساط العمالية آنذاك، ولم يكن هناك خيراً من الجماعات الإسلامية لإعانته على ذلك. أطلق السادات العنان للجماعات الإسلامية بلا رقيب أو حسيب وبأوامره، وتحت إشرافه الشخصي، ومن خلال رجاله، بدأت عملية إعادة تنشيط الجماعات الإسلامية، وبزغت تنظيمات الجماعة الإسلامية والجهاد والتكفير والهجرة، وجماعة السماوي، والجمعية الشرعية وأنصار السنة المحمدية وجماعات أخرى لا حصر لها، إضافة إلى الجماعة الأقدم وهى الإخوان المسلمين.

كل هذه الجماعات كانت عبارة عن مزيج من الأفكار ما بين الاعتدال حيناً ممثلاً فى الإخوان المسلمين، والغلو أحياناً ممثلاً فى الجماعة الإسلامية والجهاد، والتكفير على طول الخط ممثلاً فى جماعات التكفير والهجرة. وما بين الاعتدال والغلو والتكفير كانت تتأرجح باقي الجماعات. وسرعان ما بدأ يظهر في الجامعات شباب يطلقون اللحى ويتحدثون اللغة العربية الفصحى وتزامن هذا مع تنامي حالة من العدوان الشرس ضد كل ما هو تقدمي. وبلغت الحرية بهذه الجماعات في عهد السادات أن كان منهم من يجوب القرى والنجوع فى جميع المحافظات يطلب البيعة له من الناس بصفته إمام هذه الأمة والحاكم الشرعى للبلاد، وآخر كوّن جيشاً مسلحاً ذهب به إلى الجبال. وانتهت علاقة الإسلاميين بالسادات بمقتله على أيدي أفراد جماعة الجهاد الإسلامية وهنا تكمن المفارقة أن الوحش الذي اقتناه ليرهب به أعدءاه انقض عليه هو.

مبارك والإسلاميون

ارتبطت سنوات حكم مبارك بحالة من المد والجذر فيما يخص عنف الإسلاميين، هذا رغم إحكام الدولة سيطرتها عليهم وإلقائها القبض على أعداد غفيرة منهم والزج بهم في السجون. ولعل أبرز هذه الحوادث محاولات اغتيال العديد من رموز السلطة وقتها، وبعض رموز الأدب والتنوير، بعضها نجح مثل عملية اغتيال الكاتب "فرج فودة" عام 1992، وقبلها اغتيال رئيس مجلس الشعب "رفعت المحجوب" عام 1990، والبعض الآخر فشل مثل محاولة اغتيال "نجيب محفوظ" 1995. وتوالت العمليات الإرهابية ولعل أشرسها تفجير أتوبيس سياحي بالأقصر عام 1997، ليشهد الصراع الإسلامي مع السلطة فترة هدوء في أعقاب قضية "جماعة الجهاد الإسلامي" عام 1998 حتى عام 2006 الذي شهد ثلاث انفجارات متتالية في مدينة دهب السياحية وراح ضحيتها الكثير من المصريين والأجانب، وصولاً إلى عام 2010 آخر أعوام مبارك في الحكم والذي شهدت بدايته حادث تفجير سيارة مفخخة أمام كنيسة "القديسين" بالأسكندرية والذي كانت حصيلته 22 قتيل و 80 مصاب معظمهم من الأقباط.

كل هذه الحوادث جاءت بالتزامن مع انتشار الثقافة الإسلامية الوهابية في الشارع المصري. خاصة بعد عودة المصريين العاملين في الدول الخليجية بعد اقتنائهم لثروات لا بأس بها، طمعاً في استثمارها في مصر في ظل مناخ الانفتاح الاقتصادي الذي واصله مبارك ومع استقرارالأحوال السياسية، خاصة بعد التزام مبارك باتفاقية كامب ديفيد وابتعاد شبهة الحرب مع العدو الصهيوني. هكذا عاد المصريون بالثروة والأفكار الجديدة التي تحد من الحريات العامة وتحط من قدر المرأة وتقصي الآخر وتستبعده. ومع انكماش الطبقة الوسطى بفعل انتشار ثقافة المال وإعلاء القيمة المادية على قيم الثقافة والتعليم والتنوير، كان من الطبيعي أن يلاقي الفكر المتشدد هوى الشارع المصري المهيمن عليه الفكر الذكوري الإقصائي.

وفي نفس الوقت تعامل النظام السياسي مع العنف الممارس ضد المرأة والأقباط وتقييد الحريات بشكل عام، كونها أدوات للإلهاء عن الصراع الطبقي ولإحكام سيطرتهم واستبدادهم، وبذلك عملوا طيلة الثلاثين عاماً الماضية على تهيئة المناخ لمثل هذه الممارسات وتأجيجها. تجلت تلك الممارسات المقيدة للحريات في صعيد مصر، وتنوعت بين ملاحقة للشباب والفتيات في الأماكن العامة، إلى الفصل بينهم في المدرجات الجامعية، كما منع الأحتفال بعيد رأس السنة الميلادية والاحتفالات الغنائية والمسرحية في معظم محافظات الصعيد. وأجبر بعض المهنين من أصحاب المحلات المتخصصة في تصفيف شعر السيدات أو بيع شرائط الكاسيت والفيديو على تغيير نشاطهم بحجة مخالفته للتعاليم الإسلامية.

الإسلاميون في السلطة

هذا السرد السريع لتاريخ الإسلاميين يؤكد أمرين هامين، أن قضية الحريات قضية ذات شقين أحدهما مجتمعي والآخر سياسي. وبالتالي فإن الجزم بعدم وجود ما يسمى "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أمر مستحيل في ظل هذا التاريخ الحافل بالانتهاكات، ولكن يبقى أمر عملها تحت إمرة جهاز أمن الدولة أم لا هو أمر ستثبته أو تنفيه الأيام القادمة. كما يؤكد هذا السرد أيضاً على رؤيتنا الواضحة للتيارات الإسلامية وأننا نعلم جيداً الاختلافات الجوهرية فيما بينهم. وأن جماعة مثل جماعة "الإخوان المسلمين" قد نبذت العنف والعمل به كما أنها تشير دائماً إلى أن أفكارهم ومعتقداتهم لا تتعارض مع فكرة مدنية الدولة وحقوق المرأة والأقليات الدينية. ولكن حقيقة الأمر أن وجود وجه ينتمي لتيار الإسلام السياسي في سدة الحكم – أياً كانت انتماءاته – سوف يشجع الخلايا الإسلامية النائمة على العمل دون توجيهات مسبقة، كما يشجع الاجتهادات الفردية التقويمية التي لا يجد الإسلاميين غضاضة في فعلها.

إن معركة الحريات لن تكون معركة سهلة كما يظن البعض. لن نتنازل عن حقوقنا ولا عن حريتنا، سنواجه كل المحاولات الرجعية الهادفة إلى تقييد الحريات أو الرجوع بنا قروناً إلى الوراء بكل ما أوتينا من قوة وعزم وإصرار. لقد خرجنا في يناير 2011 وكانت مطالبنا هي "عيش، حرية، عدالة إجتماعية" ولن نتراجع أو نستكين دون تحقيقها جميعا معاً دون انتقاص؛ فالنضال من أجل الحرية لا يقل أهمية عن النضال من أجل العيش والعدالة الاجتماعية، وانتزاع الحريات السياسية العامة لا يستقيم دون فرض وحماية الحريات الفردية والشخصية.