بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المرأة المصرية.. مواطن من الدرجة الثانية، لماذا؟

في 25 يناير 2011 خرجت المرأة المصرية مثلها مثل كل طوائف الشعب المصري لتطالب بالكرامة والعدالة الاجتماعية بعد ظلم طال أمده ونضال أيضاً دام طويلاً. ومثلها مثل جميع طوائف الشعب انتظرت بعد تنحي رأس النظام أن يتحقق ما ناضلت من أجله، ولكنها أيضاً أصيبت بخيبة الأمل بعد تولي المجلس العسكري الحكم، ومن ثم الإخوان. وأثارت بعض التشريعات والنقاشات التي دارت في مجلس الشعب قبل حله جدلاً واسعاً حول قضية اضطهاد المرأة.

وتعالت حدة هذه الاتهامات باضطهاد المرأة بعد سيطرة الإسلاميين على الحكم، خاصة بعد الدستور الكارثي الذي تجاهل حقوق المرأة ومشاركتها تماماً. وتعالت الاتهامات والتحليلات عن أسباب هذا الاضطهاد التي تعود للذكورية والتشدد الديني، ولكن هل هذه هي الأسباب الحقيقة لاضطهاد المرأة من قبل الإسلاميين؟ وماذا عن أوضاع المرأة الحقيقية قبل وبعد الثورة؟ ولماذا تستمر معاناة المرأة حتى الآن؟

 المرأة المصرية قبل الثورة

يوجد ما يقرب من 6 ملايين امرأة عاملة في مصر يمثلن نحو 23% من إجمالي القوى العاملة في مصر، 17% منهن يعِلن أسرهن المكونة من متوسط خمسة أشخاص، وتعمل نحو ثلثي العاملات في الاقتصاد غير المنظم، وأغلبهن يعملن في المزارع والمنازل والشوارع دون أدنى حماية لهم من القانون لضمان أمانهم وحمايتهم من تحرشات العمل ومساواتهم في الأجور والإجازات والرعاية الصحية.

وبالرغم من أن القطاع الزراعي يعتمد العمل فيه على المرأة بنسبة تصل إلى 70% إلا أن قانون العمل يشير إلى استثناء النساء العاملات في قطاع الزراعة من الحماية القانونية؛ فيستثني قانون العمل المصري العاملات في الزراعة من الحماية القانونية رغم أنهن الأولى بالرعاية لتردي أوضاع العمل في الزراعة.

وحتى في العمل الرسمي، تظل النساء أقل حظاً من الذكور في الحصول على أجر متساو أو الصور المختلفة للحماية، وهو ما يبرر تعرض نحو 80% من النساء للتحرش في أماكن عملهن في قطاعي السياحة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وذلك على الرغم من أن معظم التشريعات تحض على المساواة في الأجور وفرص العمل اللائقة. أما على صعيد قوانين الأحوال الشخصية، فعانت المرأة ليس فقط من قوانين ظالمة لها بل وإجراءات طويلة ومعقدة.

كل هذا جاء متزامناً مع شعارات رددتها حرم المخلوع عن تمكين المرأة وإشراكها في الحياة السياسية والاجتماعية وإنشاء جمعيات لحماية حقوق المرأة، بل وحتى إصدار تشريعات “حماية المرأة” مثل قانون الخلع والذي يبدو في ظاهره منصفاً للمرأة ومحرراً لها، إلا أنه في الحقيقة يصب في مصلحة النساء من الشرائح العليا من الطبقة الوسطى دون الطبقات الفقيرة الغير قادرة على التنازل عن نفقتها ومسكنها، وهو في الحقيقة ما يلخص جوهر الأزمة؛ فكل الخطابات الرنانة عن حقوق المرأة دائماً منحصرة في مظاهر شكلية تستفيد منها طبقات بعينها متجاهلة الطبقات الفقيرة والتي تعاني فيها المرأة معاناة حقيقية ترضخ فيها دائماً للقمة العيش لتقبل الإهانة والظلم في العمل والأسرة والشارع.

وبعد الثورة ..

وتأتي الثورة وتشارك المرأة المصرية أملاً في نيل حقوقها، إلا أنها لم ولن تكون مهمة سهلة؛ فمثلما جاء المجلس العسكري ومن بعده الإسلاميين للحفاظ على إرث النظام من مصالح اقتصادية كان يجب أيضاً أن يحافظ على إرثه من الأفكار الرجعية، فيأتي الاسلاميين ليستمر اضطهاد المرأة ولكنهم كفوا عن ترديد شعارات “تمكين المرأة” ليستبدلوها بشعارات دينية أخرى تتناسب مع الصورة التي يريدون تقديمها لقواعدهم ومؤيديهم واسترضائهم بتشريعات صورية، بل وحرصوا على تقنين الاضطهاد في محاولة منهم لكبح زمام الثورة والقضاء على الصدارة النسبية التي أحرزتها المرأة من مشاركتها في الاعتصامات والإضرابات والمعارك.

إذاً فكلا النظامين اضطهد المرأة فهل كان النظام السابق أيضاً نظاماً ذكورياً مثلما يمكن أن نطلق على النظام الحالي تحت رعاية الإسلاميين؟ أم أن المصدر الحقيقي وراء هذه الأفكار الرجعية والذكورية التي تضطهد المرأة هو المجتمع الطبقي الذي يعتمد على الأسرة كالوحدة الأساسية للإنتاج وبالتالي فالسيطرة عليه بكافة الأفكار الرجعية ضرورة لاستمرار الاستغلال وسيطرة الطبقة الحاكمة، وهذا بالتحديد ما يؤدي لانتشار مثل هذه الأفكار عن دور المرأة واعتبارها كائن أقل شأناً ومواطناً من الدرجة الثانية ينحصر دوره في المنزل وتربية الأبناء لتأهيلهم لسوق العمل الذي لا يرحم. الاختلاف إذن فقط في الشعارات ويبقى الجوهر واحد: طبقة مستغلة مستفيدة من نشر أفكار رجعية تميز ليس فقط بين رجل وامرأة لضمان استفادة عظمى من قهر وحاجة ملايين النساء العاملات في العمل بأجر زهيد ودون أي ضمانات وكأن مساواتهم بالذكور من العمال المُستغَلين أيضاً غير كافية.

كما أن السياسات الاقتصادية للتيارات السلفية الأكثر يمينية والتي تهدف إلى القضاء على دور الدولة في الخدمات العامة لا يمكن أن تتحقق دون ترسيخ مبادئ مثل عدم خروج المرأة للعمل، فعلى الأسرة أن تتحمل عبء استقطاعات حكومة الإخوان من الخدمات العامة كالصحة والتعليم، وهنا يأتي دور المرأة كعمالة مجانية داخل الأسرة.

وطالما استمرت الطبقة المسيطرة المستغلة، سيستمر الاضطهاد، فتتوالى النظم الحاكمة لتقوم بتسيير نفس السياسات وتبث أفكارها الرجعية بين طبقات الشعب لتتصدى بها لأي بذرة لتوحيد طبقات الشعب الكادحة، يغلفون اضطهادهم واستغلالهم مرة بشعارات مفرغة عن تحرر المرأة ومرة بشعارات دينية عن “صون المرأة وحمايتها”. ويظل دائماً البديل في القضاء على استغلالهم وكشف زيف شعاراتهم بالمشاركة الفعالة في كافة مظاهر تحدي الاستغلال والاضطهاد، ويبقى دائماً أمل المرأة مستمد مما أحرزته من مكاسب بين من ناضلت بجانبهم في جميع المعارك في مصنع كانت أو ميدان. هذا لا يعني فقط السعي الدؤوب لتوحيد الشعب رجالاً ونساءاً ضد الطبقة الحاكمة وسياساتها، بل أيضاً النضال بالدعاية والتصدي المباشر لكافة الأفكار الرجعية ضد حقوق المرأة ومساوتها بالرجل.