بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

حوار مع الناشطة جاكلين إسكندر:

المرأة القبطية.. ضعف الاضطهاد.. ضعف المعاناة

كلما ازداد تجاهل الدولة للطبقات الفقيرة والملايين من المستغلين، وسيطرت المصالح الاقتصادية لطبقة مستفيدة من إفقار الملايين، كلما لجأت الدولة إلى قمع من يحتج للحصول على حقوقه. وكلما ازداد تحدي الجماهير للسلطة، كلما أيقظت الدولة الأفكار الرجعية والطائفية التي أخذت في ترسيخها لعقود في أذهان الجماهير لتفتت وحدتهم وتشتيت نضالهم.

ومنذ أن سقط المخلوع وتولى حكم البلاد المجلس العسكري وإلى الآن في عهد مرسي، والنظام يستخدم كل أسلحته للقضاء على الثورة وبالطبع على رأس هذه الأسلحة: الطائفية والعنصرية؛ فيُجري كشوف عذرية على المعتصمات ويسحل ست البنات ويدهس المتظاهرين الأقباط بالمدرعات في ماسبيرو، ثم يتسائل “ايه اللي وداهم هناك”، ويحرض بمنتهى الوقاحة “انزلوا احموا جيش مصر من المسيحيين”. يغتصب الفتيات في ميدان التحرير فيحملهم ذنب الاغتصاب ثم يستشهد 6 مسيحيين ويتم تهجير آخرين من الخصوص فيهاجم الكاتدرائية التي يشيع منها شهداء طائفيته. اضطهاد سافر ومعاناة حقيقة يتحملها الأقباط وتتحملها المرأة المصرية بصبر وتحدي لا كلل فيه.

ولكن ماذا عن من يتحمل الاضطهادين معاً؟ ماذا عن امرأة تعاني الأمرّين من تحرش وقوانين دولة ظالمة لها ومن هجوم حاد من الطبقة الحاكمة لإخافتها، ومن أفكار رجعية ينشرها المتلاعبين بالدين لتكبيلها، وأيضاًً قبطية تعاني من خطاب طائفي تحريضي تتبناه الدولة وتجاهل لقضاياها ومشكلاتها ليس فقط لكونها امرأة بل وأيضاًً لكونها قبطية. عن المرأة القبطية وما تعانيه من المنظومة الدينية والمجتمع والدولة أجرينا الحوار التالي مع الناشطة جاكلين إسكندر.

أحد أهم المطالب التي طالب بها أقباط مصر والمرأة خصيصاً، هو السماح بالزواج المدني في ظل معاناة شديدة تقع على المرأة من عنف أو معاملة سيئة أو حتى عدم تفاهم دون أي حق للانفصال أو الطلاق كيف ترين أهمية المطلب وخلفياته؟

الآلاف من القضايا مقدمة للكنيسة من زوجات يعانين من عدم توافق مع أزواجهن في أبسط الأحوال أو معاملة سيئة تصل للعنف الأسري. وفي وسط منع الكنيسة الأرثوذكسية من الطلاق إلا في حالة الزنا، نجد الكنيسة تعقد العديد من الجلسات للتوافق ومناقشة القضايا فتستمر القضايا لسنوات داخل جدران الكنيسة دون أي حل. وإن حصلت المرأة على شهادة لبطلان الزواج فعليها أن تخوض نفس المعركة مرة أخرى في المحاكم لتأخذ سنوات أخرى لتنال أي من حقوقها القانونية كرعاية الطفل ونفقاتها، بل وأيضاًً حتى حقها في الزواج مرة أخرى. وبالتالي فالمرأة القبطية لا تعاني فقط ما يعد معتاداً لأي مرأة مصرية في محاكم الأحوال الشخصية، بل يضاف إليه عنائها وانتظارها بالسنوات لتحصل على البطلان من الكنيسة إن حصلت عليه.

ومن هنا جاءت المطالبات بالزواج المدني أو حتى تطوير الكنيسة من نفسها بإقرار لائحة 38 والتي تسمح بالطلاق لثمانية أسباب قد تحدث شيئاً من التوازن على الأقل، تلك المطالب يطالب بها نساء ورجال أقباط وخاصة بعد الثورة ونظموا وقفات احتجاجية من أجل ذلك، إلا أنه يتم التعتيم عليها في ظل اهتمام إعلامي غير كاف.

أقيمت في الفترة الأخيرة احتجاجات من نساء قبطيات ضد تصريحات الأنبا بيشوي ومطالبتهم بارتداء ملابس شبيهة بملابس السيدة مريم، ماذا عن تيار التشدد داخل الكنيسة وكيف يعصف بحقوق المرأة؟

مثله مثل أي فكر متشدد رجعي، يقضي أول شيء على حقوق المرأة فنجد اختياره للنصوص من العهد القديم تنقل نصاً دون تحليل أو تطوير تحض على مناداة المرأة لزوجها بـ “سيدي” وتبسم المرأة الدائم لزوجها مهما كان عليها من أعباء، وهو ما يقال في مراسم الزواج، أو تمنع المرأة من الوصول لأي مناصب بداخل الكنيسة، أو تتجاهل معاناة المرأة في الحياة تحت عنف وضغط أسري دون إعطاءها الحق من التخلص من هذه المعاناة. 

وللأسف التيار الواضح داخل الكنيسة هو التيار الأكثر تشدداً وكلما تزايدت نبرة العداء من الدولة ونبرة الطائفية كلما ازداد الأقباط عزلة عن المجتمع وازدادت سيطرة الكنيسة. إلا أن الأمل دائماً يبقى في الشباب الذين خرجوا في الأيام الأولى من الثورة متحدين أي قرار من المؤسسات الدينية مؤمنين بحلمهم ومتمسكين في حقهم في عيش كريم في وطنهم أياً كانت ديانتهم، هم من سيكسرون هذه العزلة ويقدمون أفكاراً أكثر تقدمية موجودة بالفعل ويمكن تطويرها وتبنيها.

تصريحات عدة خرجت من قساوسة على رأسهم البابا شنودة تقول بأن لا مجال لتولي المرأة أي مناصب داخل الكنيسة، ماذا عن أوضاع المرأة في الكنيسة وقدرتها على توصيل صوت المرأة وقضاياها ومطالبها.

بالرغم من أن أول من بشر بقدوم المسيح كانت امرأة (السامرية)، إلا أن الرجل محتكر تماماً كل المناصب الكنسية؛ فلا تستطيع المرأة أن تكون مسؤلة عن كنيسة أو تقيم أي شعائر دينية بالرغم من حدوث ذلك في بعض الدول الأجنبية، وهو معتمد مرة أخرى على العهد القديم فالمرأة ممنوعة تماماً من دخول الهيكل منذ بلوغها وكأن شيئاً أصابها أصبحت غير نقية.

بعد مجزرة ماسبيرو تكونت العديد من الحركات من الشباب الذين شاركوا في الثورة بشكل فردي إلا أن مأساة ماسبيرو دعتهم إلى تنظيم أنفسهم بصورة أفضل، مثل حركات شباب ماسبيرو ومينا دانيال، ولكن الغالب على هذه الحركات أنها تشارك في الفاعليات والمسيرات التي تفرضها الأحداث السياسية. هل هناك جانب آخر لهذه المشاركة يتضمن مساندة حقوق الأقباط والسعي لحقوق أفضل للمرأة خصيصاً؟

الهدف الأساسي من هذه الحركات هو كسر عزلة الأقباط وإدماجهم بشكل حقيقي في الحراك الثوري، وهو أمر في غاية الأهمية. إلا أنه من الصعب جداً دخول هذه المجموعات أيضاً في نضالات داخل الكنيسة لحرية أو حقوق أكثر، ففي وسط الحدة والعنف ضد الأقباط يصعب على أي من كان أن يفتح جبهه أخرى بالداخل بالرغم من عدم انفصال النضالين.

ماذا عن وضع المرأة اقتصادياً.. هل هو مؤثر في درجة اضطهادها؟

بالطبع المرأة القبطية الفقيرة الأكثر اضطهاداً؛ فهي أولاً تعاني مع ملايين المصريين من ظروف معيشية مستحيلة في توفير الغذاء والدواء وتلبية الاحتياجات الأساسية، بالإضافة إلى كونها امرأة تعاني من تحرشات في الشارع والعمل و من قهر أسري وعدم قدرة على الانفصال، ليس فقط لأنها قبطية ولكن لعدم اسقلاليتها المادية ونظرة المجتمع الدونية لها وعدم الاهتمام بتعليمها خاصةً إن كان عملها سيوفر قدراً من المال. ثم هي أيضاً قبطية؛ فأي طائفية تطالها وأي “تضييق على الرزق” يطال الأقباط تضار به هي الأخرى. لذا فهي الأكثر اضطهاداً؛ فالمرأة القبطية من الطبقى الوسطى تعاني في الشارع وفي عملها وأيضاً من الاضطهاد والطائفية، إلا أن استقلالها المادي النسبي قد يحسن من الوضع قليلاً بالرغم من أنه – مع الأسف – هناك تجاهل لبعض العائلات لأهمية استقلالية المرأة الاقتصادية.

في وسط نسب التحرش المتزايدة والأحداث الطائفية الأخيرة والفيديو الكارثي الأخير لاغتصاب امرأة مسيحية – بالرغم من قدمه – هل هناك نوع من التضييق على النساء القبطيات؟

هناك حالة التخوف من نزول الشارع من معظم الأهالي بسبب الكثير من الحوادث والإشاعات، وهو شيء عام. ولكن عند الأقباط، البعض يشعر بالاستهداف خاصة عند سماع بعض الشيوخ، الشيخ أبو إسلام على سبيل المثال، يتحدث عن المرأة المسيحية على أنها أساس التحرش و سببه (وبالمناسبة لقد تقدمت ببلاغ ضده بعد سماعي لحلقة دون أي تجاوب من الدولة) وهو ما يخيف ويقلق البعض ويجعلهم  يعتقدون أن إبقاء بناتهم في المنزل أكثر أماناً وهو ما يقلّص فرص النساء وخاصة الفتيات الأصغر سناً من الاشتباك بالكثير من الأحداث والانفتاح على العالم.

في رأيك هل ازدادت الأوضاع سوءاً بعد الثورة وتولي مرسي بالتحديد؟

لقد أدى نظام مبارك إلى إفقار الملايين من المصريين وانسحاب دور الدولة تماماً من تقديم الخدمات، وهو ما أدى إلى تضخيم دور المؤسسات الدينية وقيامها بدور الدولة في تقديم الخدمات. كما سمح لكل الأمراض الطائفية بالتفشي بل وغذاها، فقد كنا نسمع بأذاننا أبشع العبارات تقال علينا في المساجد في المناطق الفقيرة التي أعمل بها، وهو أيضاً من دفع الكثير من الأقباط للاحتماء بالكنيسة. ولكن مبارك كان دائماً يحاول تجميل الصورة بعبارات لطيفة لتهدئة الأوضاع.

الآن كل الأمراض المكبوتة ظهرت على السطح والدولة هي الأخرى غائبة عن كل الأحداث، بل وتشارك وتدفع بعضها لإعادة المسيحيين للاحتماء بالكنيسة. الوضع لا يمكن أن يكون أفضل أو أسوأ حالاً؛ فهو تطور طبيعي لانفجار نظام أخرج علينا من يتحدثون باسم الدين وتجاره وطبقة مستغلة رأسمالية جميعهم تحالفوا معاً، ونحن الآن علينا أن نتصدى لهم بتشكيل روابط قوية بين كل من يناضلون. لقد كشفت لنا الثورة أننا لا نناضل وحدنا وأن هناك الكثيرون يناضلون من أجل التغيير، ولكنهم مبعثرين ومشتتين.. والآن يجب توحيد نضالهم.