بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المسألة القبطية والموقف الاشتراكي

كان عام 2005 هو عام الفتنة الطائفية بلا منازع. تتساءل نور منصور هل الأقباط مضطهدون؟ ومن المستفيد من مشكلات الأقباط؟ ومدى إمكانية وضع مبدأ المواطنة موضع التطبيق.

على مدى نحو عام تفجرت المسألة الطائفية في مصر بشكل غير مسبوق منذ أحداث الكشح المأساوية التي وقعت قبل أيام من من نهاية الألفية الثانية. فابتداء من أزمة وفاء قسطنطين في نهاية عام 2004، حتى أزمة مسرحية الإسكندرية في الربع الأخير من العام المنصرم، نشبت العديد من الأزمات نتيجة ما تردد عن إسلام مسيحيات في حلوان والفيوم والزاوية الحمراء وأسيوط، والنزاع بين قبطي ومسلم في منيا القمح الذي أسفر عن وفاة المسلم وحرق العديد من ممتلكات الأقباط. وتبين خلال هذه الأزمات أنه ما أسهل أن يتحول أي حدث عارض، أو حتى شائعة، إلى صراع طائفي محموم يهدد بحدوث كارثة محققة. ومع نتيجة الانتخابات البرلمانية، وما ترتب عليها من تراجع الوجود القبطي ـ الهزيل من الأساس ـ في مجلس الشعب، وحصول الإخوان المسلمين على عدد مقاعد غير مسبوق في تاريخ الجماعة، أصبحت المسألة القبطية واحدة من أهم القضايا المطروحة على الساحة السياسية المصرية. تحاول السطور القادمة مناقشة مسألة الأقباط انطلاقاً من الرؤية الاشتراكية حول الأقليات والصراع الطبقي.

هل الأقباط مضطهدون؟
رغم أن هذا السؤال يبدو بسيطاً، إلا أن هناك خلافات هائلة في الإجابة عليه ما بين “لا” المطلقة و”نعم” المطلقة. فالإجابة الأولى تتبناها الدولة المصرية بكل أجهزتها ورموزها، بينما يتبني الإجابة الثانية رموز طائفية عديدة تجد تمثيلها الأكثر تعبيراً في أقباط المهجر الذين كثيرا منهم يتحدث عن حدوث مذابح وخطف وأسلمة قسرية للمسيحيين في مصر.

وعند النظر إلى أوضاع الأقباط في مصر، نجد أن الإجابة هي في منطقة ما بين الرأيين السابقين. فلا يمكن مقارنة الأقباط في مصر بأقليات مثل السود في الولايات المتحدة أو الطوائف الفقيرة في الهند أو اليهود في ألمانيا النازية. ففي الولايات المتحدة، يأخذ اضطهاد السود والملونين بعداً طبقيا لا لبس فيه، يربط بين تلك الأقلية وبين الفقر والبطالة والجريمة. وفي ألمانيا النازية، جاء اضطهاد اليهود لأسباب تتعلق بوضعهم الذي يمثل معكوس وضع السود في الولايات المتحدة. فنتيجة للوضع الاقتصادي المهيمن لليهود في المانيا ـ وفي الكثير من بلدان العالم ـ فقد حملتهم الدولة النازية المسئولية عن أزمتها الاقتصادية، بل وعن كل الشرور في العالم، وقامت تحت شعارات عنصرية محمومة بحرق الملايين منهم في أفران الغاز في واحدة من أكبر المذابح الطائفية في التاريخ الحديث. أما في الهند تأخذ الطائفية طبيعة طبقية واضحة تجعل طوائف بعينها في وضع السادة وأخرى في وضع يقترب من وضعية العبيد.

وهنا لا يمكن مقارنة أوضاع أقباط مصر بهذه الحالات القصوى من الاضطهاد لكن ذلك لا يعني بأي حال أن الأقباط ليسوا مضطهدين في مصر ـ تجدر الإشارة هنا إلى الجدل الذي لا معنى له حول ما إذا كانت المشكلات التي يعانيها الأقباط تمثل اضطهاداً أم تمييزاً. ويتخذ اضطهاد الأقباط أشكالاً عديدة، ظلت خلال المئة عام الأخيرة تبرز أو تخفت مع التطورات السياسية والاجتماعية، ولكننا لن نكون مبالغين لو قلنا أن وضعية الأقباط في الوقت الحالي هي الأسوأ خلال نحو قرن من الزمن. وكما يتفق الكثيرون، تعد التفرقة في بناء دور العبادة وتقلد المناصب الكبرى أهم مظاهر اضطهاد الأقباط. فبناء الكنائس والأديرة لا زال يجري تنظيمة وفقاً لشروط عشرة متعسفة وضعها أحد وزراء الداخلية المجهولين في عام 1934. وبالرغم من القرارات التي يتخذها النظام من وقت لآخر لإرضاء الولايات المتحدة من جهة وتخفيف حدة العنف الطائفي من جهة أخرى، فإن قرار بناء أو ترميم دور العبادة المسيحية لا زال قضية أمنية بالدرجة الأولى، ومن ثم تخضع لعديد من العراقيل والموانع.

أما الشكل الأساسي الثاني من الاضطهاد هو التفرقة في تولي المناصب القيادية بين المسيحيين والمسلمين. ورغم أن هذه الظاهرة ظلت موجودة بدرجة أو أخرى على مدى المئة عام الأخيرة، إلا أن أفضل فترة من المساواة تحققت بين عامي 1919 و1952، تبعها تدني في وضعية الأقباط مع النظام الناصري الذي كان يعتمد على الولاء ـ والدين هنا أحد أهم مصادر الولاء ـ في اختيار النخبة الحاكمة، مرورا بالاضطهاد المضاعف مع نزوع نظام السادات إلى اللعب على الوتر الديني من أجل اكتساب الشرعية ومواجهة المعارضة العلمانية، وصولاً إلى أقصى درجات الاضطهاد وضوحاً في ظل نظام مبارك الذي شهدت مصر خلاله أعلى درجات القمع والديكتاتورية. ولم تعد المشكلة تقتصر عند حدود التفرقة في تولي الوظائف والمناصب القيادية، بل أنه حتى عند التعيين أو التعاقد في الوظائف الحكومية الصغيرة ـ إن وجد ـ أصبح عنصر الدين أساسياً عند الاختيار.

ولكي نعالج الموضوع بأقصى درجة ممكنة من الأمانة والموضوعية، ينبغي الاعتراف بحقيقة مؤسفة، وهي أن التحامل على الأقباط لم يعد قاصراً على النظام، وإنما امتد لقطاعات واسعة من الطبقات الوسطى والفقيرة. والأمثلة على ذلك عديدة، من معايرة المسلمين للمسيحيين عقب إعلان هروب زوجة الكاهن وإسلامها، إلى الإضرار بممتلكات الأقباط وحتى أرواحهم مع بروز أي نزاع بين المسلمين والمسيحيين كما حدث في منيا القمح والإسكندرية هذا العام وفي الكشح عام 1999 وغيرها.

من هم أصحاب المصلحة؟
من المؤكد أن هناك أطرافا عديدة تستفيد من الوضع الحالي، لكن أكبر المستفيدين هو نظام مبارك وأجهزته والطبقة الرأسمالية بأسرها. فرغم اهتمام النظام باحتواء النزاعات الطائفية فور حدوثها، فإن مرد ذلك في الأساس هو الخوف من اتساع نطاق الفتنة وبلوغها مستويات لا تمكن من السيطرة عليها. لكن نفس النظام له مصلحة في زيادة الانقسام الطائفي. فمن جهة، تسعى الدولة إلى اكتساب الشرعية في اللعب على المشاعر الدينية بالنسبة للمسلمين، وهو ما يتبعه بالضرورة تعزيز الكراهية ضد أصحاب الديانات الأخرى. في الوقت نفسه، فإن النزاع الطائفي يمثل بديلاً ممتازاً للصراع الطبقي ـ أي الصراع بين المستغَلين والمستغِلين من أجل التوزيع العادل للثروة ـ خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة كالأزمة التي تشهدها مصر اليوم. فبدلا من أن يتجه المسلم الفقير إلى صب غضبه على الطبقة الحاكمة، التي تحمي رأس المال، وتثرى على حساب الشعب، تاركة له الفقر والبطالة والمرض، فمن الأفضل بالنسبة لهذا النظام والطبقة الرأسمالية أن يتم إفراغ هذا الغضب في الجار المسيحي. ولعل حادثة قيام أحد العاطلين بطعن راهبة خلال أزمة مسرحية الإسكندرية تمثل تجسيداً حياً على ذلك. وثالثاً، وكما تمت الإشارة أعلاه، تجنح النظم الديكتاتورية إلى استبعاد الأقليات، دينية كانت أو عرقية، بسبب سيطرة البعد المتعلق بالولاء. وأخيراً، فإن بروز العنف ضد الأقباط من جانب المسلمين، وتدخل الدولة لوقف الفتنة والتصدي لمثيري العنف الطائفي يظهر الدولة وكأنها حامية الأقباط. ولذلك فإن عددا من الأقباط يشعر ببعض التعاطف مع النظام الحالي، الذي بالرغم من طائفيته وانحيازه ضدهم، إلا أنه يظل أكثر ضماناً من المجهول الذي قد يكون أسوأ.

إضافة إلى الدولة والطبقة الرأسمالية، فإن هناك أطرافاً أخرى تجد مصلحة لها في استمرار هذا الوضع. لعل أهم تلك الأطراف هي الكنيسة القبطية. فليس مصادفة أن الكنيسة تحظى اليوم بأكبر نفوذ لها منذ عقود طويلة، وهو ما يعود أساساً إلى سبب تصاعد التفرقة ضد الأقباط. فقد أتاح لها هذا الوضع في ظل الديكتاتورية وغياب القوى السياسية القادرة على جذب الجماهير، إلى البروز بصفتها الممثل الأساسي للمسيحيين والمدافع عنهم. وقد نجحت الكنيسة بالفعل في لعب هذا الدور بدليل أن الاحتجاج على نشر جريدة النبأ لصور الراهب المشلوح عام 2001 وحادث هروب زوجة الكاهن المشار إليه، كان مركزه الكنيسة. ويعني ذلك بالتأكيد نفوذاً هائلاً للكنيسة ويتيح لقياداتها استخدام الغضب المسيحي للضغط على النظام من أجل الحصول على التنازلات، كما يتيح توسع المؤسسة الكنسية عبر التبرعات الكبيرة من أقباط الداخل والخارج. ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل أنه يتعداه لإبرام الصفقات المشينة مع الدولة، كما حدث عند إعلان البابا شنودة تأييده لمبارك قبيل الانتخابات الرئاسية، ودعوة القسس للأقباط في عديد من الدوائر إلى انتخاب مرشحي الحزب الوطني في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة.

الإمبريالية، من جانبها، يسمح لها اضطهاد الأقباط ـ وغيرهم من الأقليات في العالم ـ باستخدام هذه الورقة عند اللزوم من أجل الضغط على النظم الحليفة، وغير الحليفة، لإجبارها على اتخاذ مواقف بعينها. ويتم تناسي هذا الملف تماماً في حالات أخرى، كما حدث عندما تجاهلت الولايات المتحدة تحديد السادات إقامة البابا شنودة في وادي النطرون عام 1981. وأخيراً فإن الرأسمالية القبطية رغم أنها تعاني من الاضطهاد باعتبارها جزء من الأقلية القبطية، فإن هذا الوضع يتيح لها علاقات عمل تمكنها من ممارسة المزيد من الاستغلال لعمال وفقراء الأقباط، مستغلة ضيق أبواب الرزق بالنسبة لهؤلاء.

وفي هذه السياق لا يمكن تصور أن اضطهاد الأقباط يحقق أدنى قدر من الفائدة لفقراء المسلمين، بل أنه في الواقع يسهم في تعزيز التعصب والنزعات الطائفية، بما يعوق وحدة الفقراء والمستغَلين في مواجهة مستغليهم.

حديث المواطنة
برزت خلال الأعوام الأخيرة فكرة المواطنة باعتبارها تمثل جوهر الحل لمشكلة الأقباط. وتقوم هذه الفكرة على أن ينظر للمصريين جميعاً، بغض النظر عن الدين أو الجنس، باعتبارهم مواطنين، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. وقد وصل رواج هذه الفكرة إلى الحد الذي أصبح استخدامها لا يقتصر على المثقفين الأقباط واليساريين والليبراليين، بل أن قيادات الإخوان المسلمين باتوا يلجأون إلى هذا الطرح في إطار تطميناتهم للأقباط عقب النجاح الملفت الذي حققوه في الانتخابات.

وبداية لا يمكن إنكار مدى رقي مسألة أن تتم معاملة الجميع على قدم المساواة باعتبارهم مواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دون النظر إلى أي اعتبار آخر. لكن هل يمكن تحقيق هذه الفكرة على أرض الواقع في ظل الأوضاع الراهنة من القهر والاستغلال. وحتى لا تبدو المسألة مجرد تقييم نظري لإمكانية تطبيق مبدأ المواطنة، دعونا ننظر إلى الوضع الحالي للأقليات في الدول “العريقة في الديمقراطية”. فقد عصفت الأزمة الرأسمالية المتصاعدة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، بفكرة المواطنة في هذه المجتمعات كلية. ففي فرنسا، بلد الحرية والإخاء والمساواة، أصبحنا نسمع عن منع ارتداء الحجاب في المدارس وصياغة قوانين للإرهاب تزيد من سلطة الدولة ضد الأقلية المسلمة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد أسفرت الأزمة الاقتصادية خلال نحو عقدين مع الزمن، إلى نشأة مشكلة سكان الضواحي من الأصول العربية والأفريقية المحرومين من أبسط حقوق المواطنة المتعلقة بالتعليم والعمل والخدمات، والذين يعانون من قهر المؤسسات الأمنية فاشية النزعة. وبينما كان المجتمع يستطيع استيعاب هؤلاء المهاجرين خلال رواج السيتينيات والسبعينيات، في ظل الحاجة إلى الأيدي العاملة الأجنبية، أدت أزمة الكساد في الثمانينيات والتسعينيات إلى أن أصبحت الأجيال الجديدة من العائلات المهاجرة، في نظر الدولة، بمثابة عالة لا يحق لها التمتع بأي حقوق للمواطنة.

أما في الولايات المتحدة فحدث ولا حرج. فقد كشف إعصار كاترينا أن هناك عالماً ثالثاً في الولايات المتحدة يتمثل في الولايات الجنوبية الفقيرة التي يمثل السود والملونون غالبية سكانها. ومن قبل ذلك، جاءت أحداث لوس أنجلوس في عام 1992 لتعبر عن مدى العنصرية التي يعانيها السود في المجتمع الأمريكي. أما الطامة الكبرى فقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فبدعوى حماية الأمن القومي الأمريكي، أصبح التنصت وانتهاك الحريات الشخصية والتعذيب واضطهاد السكان من أصول عربية وشرق أوسطية ـ مسلمين كانوا أم مسيحيين ـ سياسة منهجية للإدارة الأمريكية. ويكفي هنا أن نشير إلى الأزمة الأخيرة بين إدارة جورج بوش والكونجرس حول إقرار مبدأ التعذيب في التعامل مع المشتبه بهم.

فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للدولة الصناعية الكبرى ذات التراث الديمقراطي، هل يمكن تصور أن يتم إقرار وصيانة حقوق المواطنة في بلدان فقيرة، تتمتع بتراث عريق في الفساد والديكتاتورية؟

المشكلة والحل
قدم الفكر الاشتراكي رؤية مختلفة لتفسير الأزمة وتصور الحلول. ووفقاً لهذه الرؤية تمثل مشكلة اضطهاد الأقباط تعبيراً عن مشكلات الأقليات في العالم الرأسمالي المعاصر. ويعتبر الفكر الاشتراكي أنه من غير الممكن أن تجد مشكلة الأقليات حلاً جذرياً لها في ظل الرأسمالية. لأنه في ظل نظام يرتكز على الاستغلال والقهر لغالبية السكان من العمال والفقراء، يصبح من المستحيل أن تتحقق المساواة الكاملة بين الأقلية والأغلبية. بل أن ما يحدث في واقع الأمر أن تظل مشكلات الأقليات، عرقية كانت أو دينية، تخفت وتعلو تبعا للتطورات السياسية والاقتصادية. ففي ظل الديمقراطية والانتعاش الاقتصادي عادة ما تجد الأقليات مساحة أكبر من الحرية وقدراً أكبر من المساواة. وعلى العكس في ظل الأزمات السياسية والكساد، تبرز مشكلات الأقليات باعتبارهم الطرف الأضعف الذي يقع عليهم عبء مزدوج. فهم يعانون من الأزمة كما تعاني الأغلبية، لكن وضعهم كأقلية يجعلهم يدفعون ثمناً أفدح، خاصة عندما تتمكن الطبقة الحاكمة من استخدام المشاعر الدينية أو القومية من أجل التغطية على الأسباب الحقيقية للأزمة عبر تعبئة الأغلبية ضد الأقلية.

وينبغي في هذا الصدد الإشارة إلى مسألة أساسية، وهي ضرورة التفرقة بين أغنياء وفقراء الأقليات. فإذا نظرنا إلى الأقباط في مصر، لا يمكن المقارنة بين معاناة الفقراء والأغنياء منهم. فرغم أن الرأسمالي القبطي يعاني نوعاً من الاضطهاد لمجرد كونه جزءاً من الأقلية ـ على سبيل المثال تجد الرأسمالية القبطية تهديداً إزاء إمكانية وصول الإسلاميين إلى الحكم أكبر بكثير مما تشعر به الرأسمالية المسلمة ـ إلا أنه لا يمكن بأي حال اعتبار الأقباط كتلة واحدة. فالقبطي الغني لديه طوال الوقت العديد من الخيارات للتعامل مع الاضطهاد، وفي النهاية يمكنه الهجرة عندما تتطور الأوضاع إلى حد معين، وذلك بعكس القبطي الفقير.

وفي ظل الرؤية الاشتراكية الجذرية لمشكلة الأقليات، فإن تلك المشكلة لا يمكن أن تحل نهائياً بالصيغ القانونية التي تساوي بين المواطنين، أو بالضغوط الخارجية أو الداخلية لزيادة المساحة المتاحة للأقلية. بل أن السبيل الوحيد الحقيقي لحل مشكلات الأقليات هو القضاء على المجتمع الرأسمالي القائم على الاستغلال، وإقامة نظام بديل ينتفي فيه الاستغلال. ولا يتحقق ذلك إلا بالتضافر بين الفقراء في الجانبين في مواجهة الدولة الرأسمالية ومؤسساتها. وبالرغم من أن تحقيق هذا الهدف يبدو في نظر الكثيرين غير واقعي، فإن الخبرات التاريخية والمعاصرة ـ التي أشرنا إلى البعض منها أعلاه ـ أثبتت ولا تزال تثبت عدم قدرة النظام الرأسمالي على وضع حلول جذرية لمشكلات الأقليات.

ولكن إذا كان الحل الحقيقي الوحيد للمشكلة هو القضاء على نظام الاستغلال الرأسمالي بأكمله، فما العمل من الآن وحتى يصبح هذا الحل حقيقة واقعة؟ لا يمكن أن يكتفي اليسار المناضل بانتظار الحل البعيد. بل أنه قد أصبحت هناك حاجة ملحة إلى جعل قضية الأقباط واحدة من الأولويات الأساسية لهذا التيار. ولا يكون ذلك فقط عبر الأهتمام بها في الأدبيات، بل باتخاذ المواقف المبدئية ضد تزايد النزعات العنصرية والطائفية عند هذا الجانب أو ذاك، والتفاعل الإيجابي مع الأنشطة والطروحات الرامية إلى تحسين وضعية الأقباط، حتى بالرغم من إدراك أنها لن تسفر عن حل جذري للمشكلة. وفوق كل ذلك، يبدو مصيرياً أن يتم السعي للاهتمام بمشكلات فقراء الأقباط، والعمل الدءوب لجذب قطاعات واسعة منهم على أرضية مختلفة تؤدي إلى خروجهم من حالة العزلة أو الارتماء في أحضان مؤسسة الكنيسة الرجعية، وإدراكهم أن تحررهم هو رهن بتحرر نظرائهم من الفقراء والمستغَلين المسلمين.