بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المسألة القبطية.. هل مازالت الورقة الرابحة؟

أعادت ثورة يناير، قضايا كثيرة لدائرة البحث، وتأتي المسألة القبطية بمقدمة تلك القضايا، خاصة بعد بروز التناقض الصارخ في التناول ما بين بداية الثورة ونجاح مرحلتها الأولي بخلع مبارك 11 فبراير، وما حدث بعد ذلك من هجوم على الأقباط وصل لحد توقع البعض حدوث فتنة طائفية واسعة، فخلال أحداث بدايات الثورة 25 يناير وحني خلع مبارك 11 فبراير، عزفت الجماهير المصرية لحنا رائعا يجسد التوافق الواسع بين المسلمين والمسيحيين حول الأهداف، خاصة المطالبة بدولة مدنية، فكادت تختفي الشعارات الدينية، وشهدت ساحات الاعتصام خاصة ميدان التحرير، صورا عديدة للتلاحم لم تشهدها مصر منذ ثورة 1919، فسمعنا خطباء المسلمين بجانب القساوسة، وشاهدنا جموع المسلمين تحمي قداس المسيحيين بالميدان، والمصحف يرتفع معانقا الصليب، ولم تكن تلك المشاهد مجرد حالة عابرة حيث لم يرصد سوي إعتدائين على الكنائس، واحدة بسيناء والأخرى بالمنيا خلال تلك الفترة، لكن الحادثين لم يؤديا إلي صراع طائفي وتم احتواء الوضع سريعا، وقامت اللجان الشعبية وأغلبية أعضائها من المسلمين، بحراسة الكنائس وتوفير الأمن لروادها.

لكن الصورة تبدلت بعد أيام قليلة من نجاح الثوار في خلع مبارك، حيث ارتفع صوت الجماعات الدينية المنظمة، خاصة السلفيين والجماعة الإسلامية، وحازت رموزها على مساحة إعلامية غير مسبوقة، وتعددت الاعتداءات على المسيحيين كان أكبرها، الهجوم على كنيسة أطفيح وحرقها بالكامل، مما أدي لاحتجاجات واسعة بالمناطق ذات الكثافة السكانية العالية من المسيحيين، مثل الدويقة، ومنطقة جامعي القمامة بأرض اللواء، وبعض مناطق محافظات الصعيد خاصة أسيوط والمنيا، وقد أرجع الكثيرون تلك الحالة المناقضة للوضع الذي ساد خلال المرحلة الأولي، إلي فعل الثورة المضادة، خاصة وأن إحداث فتنة واسعة بين المسلمين والمسيحيين، كانت من الأهداف شبه المعلنة، والتي حذر منها الكثير من النشطاء السياسيين، والكتاب، كما توجد دلائل عديدة على مشاركة بعض أعضاء الحزب الوطني وبعض القيادات الأمنية بتلك الإحداث، ومع صعوبة استبعاد تلك الفكرة، فلها ظلال من الحقيقة، إلا أن المؤكد حتى الآن عدم تحول الأمر لفتنة طائفية واسعة، ونجاح المصريين في تقليل الأثر إلي حد كبير، ومن جهة أخري حرصت السلطة الحالية الممثلة في المجلس العسكري، والوزارة الجديدة، على احتواء الوضع قبل تفجره، وأن اعتمدت على نفس الأساليب التقليدية القديمة، عن طرق عقد لقاءات مع القيادات التقليدية للمسلمين، ورجال الدين المسيحيين، وبالطبع بعض شباب الأقباط المشاركين بالتظاهرات، مع وعود بالنظر في المطالب المشروعة للأقباط، وهي الوعود التي ترددت على مدار عقود طويلة ولم تنفذ، والسؤال المطروح هنا هو، هل تشهد المسألة القبطية تغيرا جذريا خلال المرحلة القادمة؟ أم ستظل الكرت الرابح للنظام يستخدمه مع تصاعد حركة الجماهير لتوجيه الغضب في الاتجاه الخاطئ، وهذا ما سنحاول الإجابة عليه بالسطور القادمة.

الأقباط قبل الثورة:
يرجع البعض، المسألة القبطية تاريخيا لما قبل الفتح الإسلامي لمصر، حيث خاض الأقباط صراع طويل من أجل استقلال كنيستهم الأرثوذوكسية عن الكنيسة الكاثوليكية بروما، وهو صراع سياسي أخذ بعد ديني مؤثر، لكن المدلول الحديث للمسألة بدء مع تحول أعداد كبيرة من الأقباط للإسلام بعد الفتح الإسلامي لمصر، حيث تحول الأقباط تدريجيا إلي أقلية من حيث العدد، فمنذ ذلك الوقت وحتى الآن، ظلت المسألة القبطية، من القضايا المركزية في الصراع السياسي بمصر، فكان وضع الأقباط يشهد مد وجزر بحسب التطورات الاقتصادية والوضع السياسي.( 1 ” ” ( مقال/ / أوراق اشتراكية / عدد )

وما يهم هنا، هو التطورات التي حدثت خلال الأعوام القليلة الماضية، فمع وصول نظام مبارك لمرحلة الشيخوخة السياسية، ووصول الأوضاع المعيشية للغالبية الكاسحة من المصريين إلي أدني مستوياتها، تزايدت الاعتداءات الطائفية بشكل كبير جدا، وأخذت بعدا دراميا بالتركيز على مناسبات دينية للمسيحيين، فكان الحادث الشهير بالاعتداء على كنيسة نجع حمادي ليلة عيد الميلاد 2010 وأودي بحياة ثمانية من شباب الأقباط، وهو الحادث الذي تكرر بعد ذلك بشكل أكثر دموية بكنيسة القديسين وأيضا ليلة العيد، وأودي بحياة 21 وإصابة 43 وما بين الاعتداءات، تنامت ظاهرة التظاهرات الطائفية ضد المسيحيين، للتنديد بدور الكنيسة في بعض حالات إسلام مسيحيات، مثل قضية (كاميليا) فقد زادت تلك التظاهرات التي حدثت بعدة محافظات منها القاهرة والإسكندرية، من حدة الاحتقان بين المسيحيين والمسلمين، ولكن الحدثان الملفتين وسط الأحداث الكثيرة، هما كنيسة العذراء بالمنيا، وكنيسة العمرانية، فالفاعل هنا هو نظام مبارك بشكل واضح ودون لبث، فمحاولة هدم الكنيستين بحجة مخالفة الترخيص، كانت هجوما مفضوحا على الأقباط، وقد واكب الحادثين اعتراضات واسعة، كان أعنفها المظاهرات الكبيرة بالعمرانية، حيث دارت معارك بالحجارة بين قوات الشرطة والمتظاهرين، فكان من الواضح أن نظام مبارك يحاول بعد أن شعر بقرب نهايته، اللعب بالكارت الأخير، وتوجيه الغضب الشعبي المتزايد تجاه الفتنة الطائفية بشكل مباشر وأن كان ذلك مصحوبا بقدر كبير من الغباء السياسي، بعد أن أدرك نشطاء الأقباط أن قضيتهم الحقيقية مع هذا النظام وليس مع المسلمين، كما تعاطفت غالبية المسلمين مع ضحايا الاعتداءات على الكنائس.

الأقباط في قلب الثورة:
تشهد المرحلة الحالية، توترات عديدة بالنسبة للمسألة القبطية، فبعد الحوادث التي أعقبت خلع مبارك، تعالت أصوات الجماعات الدينية الإسلامية بدرجة غير مسبوقة، ولمحاولة فهم وضع الأقباط بالمرحلة الحالية، علينا أن نحدد طبيعة الثورة المصرية، والتي نراها، ثورة ديمقراطية ذات بعد يساري، فأي ثورة تنتج عن تضافر عوامل عديدة ومتشابكة، والعامل الاقتصادي الحاسم بالثورة الحالية، هو فشل مشروع الليبرالية الجديدة، ويتشابه الوضع هنا مع الموجة الثورية التي شاهدتها بلاد أمريكا اللاتينية خلال العقد الماضي، فمشروع النيوليبرالية، الذي يقوده الثلاثي الدولي “الصندوق، البنك، منظمة التجارة” والذي يقوم على برنامج التثبيت والتكيف، بمعني توجيه موازنة الدولة لخدمة الدين على حساب الإنفاق الاجتماعي، ويؤدي لخفض الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات من جهة، وإعادة هيكلة الاقتصاد بمعني تحويل ملكية أدوات الإنتاج من ملكية الدولة إلي الملكية الخاصة “الخصخصة” وقد أدي برنامج الخصخصة بمصر، لتأثيرات حادة على الوضع الاقتصادي، فتم تفتيت قسم كبير من الطبقة العاملة، وضم أعداد ضخمة لجيش البطالة بنظام المعاش المبكر، وتم تصفية الكثير من المصانع، وتردي وضع خدمات، الصحة، التعليم، السكن، وغيرها لأقصي درجة، وبالطبع أصابت تلك الأضرار فقراء المسلمين والأقباط معا، وتتشابه مصر هنا مع الكثير من البلاد التي طبقت برنامج الخصخصة، مثل، البرازيل، المكسيك، الأرجنتين، وبلاد شمال إفريقيا، تونس، الجزائر، المغرب، وتواكبت عملية التحول الاقتصادي الحاد مع هيمنة الديكتاتورية السياسية في أقبح صورها، فتم تكبيل النشاط السياسي بشكل شبه تام، وسيطرت الأجهزة الأمنية بشكل كامل على كل مناحي الحياة بمصر، فتحولت كل مؤسسات الدولة إلي هياكل شكلية دون أي مضمون، بما في ذلك السلطتين التشريعية والقضائية، حيث تم تزوير الانتخابات بشكل دائم وفاضح لصالح الحزب الوطني، وتم قمع محاولات إصلاح السلطة القضائية، وفرض قانون يجعلها تحت سيطرة السلطة التنفيذية، بعد الاعتداءات المباشرة على حركة القضاة المطالبة بالإصلاح، وبقلب هذا الوضع الخانق على المستويين الاقتصادي والسياسي، ظلت المسألة القبطية بقلب الأحداث، فالنظام يستخدمها ككرت رابح من حين لأخر لتوجيه الغضب الشعبي بعيدا عنه، وقد تجسدت هوية الثورة بالشعار الأساسي الذي رفعته الجماهير بداية من 25 يناير ( عيش – حرية-عدالة اجتماعية ) فهذا الشعار العبقري، يكشف عن طبيعة هذه الثورة بوضوح، فهي ثورة شعبية اجتماعية، تطالب بالحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، وتبلورت سريعا المطالب الاجتماعية في، حد أدني للأجور، وتوفير الخدمات الأساسية من صحة، تعليم، سكن، وغيرها من خدمات، بشكل يناسب الجميع، والصراح الدائر حاليا بين قوي الثورة المصممة على تحقيق كل المطالب من جهة، وبين قوي الرأسمالية المستفيدة من بقاء النظام والمستعدة في نفس الوقت تحت ضغط قوي الثورة لتقديم تنازلات كبيرة لتحافظ على بقائها، ومستقبل هذا الصراع مرتبط باستمرار القوي الثورية في إبداع أدواتها ووسائلها المختلفة طبقا لمجريات الصراع.

مع البداية المبكرة لدعوات التظاهر التي أفضت لثورة هائلة، حدث انقسام واضح بين القيادة الكنسية الممثلة بالبابا شنودة، من جهة، وبين قطاعات واسعة من الأقباط من جهة أخري، حيث دعي البابا الأقباط بوضوح لعدم المشاركة بالمظاهرات، في حين أصر الطرف الأخر على المشاركة، ومن المؤكد أن مشاركة الأقباط كانت إيجابية وظاهرة للعيان، فقد قدموا عددا من شهداء الثورة، واستمرت أعداد كبيرة منهم بالاعتصام المفتوح حتى خلع مبارك، وتابع العالم التلاحم الثوري المتفرد بين المسلمين والمسيحيين، وقد وصل الأمر لحد وصف “ممدوح رمزي” أحد قيادات الأقباط المشاركة الواسعة للأقباط بالثورة، بأن الثورة أسقطت السلطة السياسية للكنيسة، وتعد هذه المشاركة الواسعة أحد الأسباب الجوهرية التي أدت لغياب الشعارات السياسية الدينية لتيار الإسلام السياسي، وحرص خطباء المسلمين بالميادين المختلفة على توجيه خطاب ليبرالي، يدعو للدولة المدنية ويرفض الدولة الدينية.

ما العمل:
نتج عن الظهور الكثيف للتيار الديني الإسلامي، حالة من الخوف لدي الكثير من المشاركين بالأحداث، ووصل الخوف لحد التخبط في المواقف، خاصة بعد تأثير التيار الإسلامي على نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية بعد أن حولته إلي صراع ديني على المادة الثانية من الدستور الساقط، فالنتيجة الكبيرة صورت الأمر وكأنه انتصار سياسي لهذا التيار، ثم انتشرت ظواهر هذا التيار في هدم بعض الأضرحة ومحاولات هدم البعض الأخر، وتعددت الإشارات العنصرية ضد الأقباط على أساس أنهم أقلية عليها القبول بالعيش بالدولة ذات الهوية الإسلامية، الحقيقة أن هذا الخوف الذي يسود حاليا مبالغ فيه وأن كان يجد ما يبرره، فحالة السيولة السياسية الحالية، فتحت الطريق لجماعات دينية كانت حتى وقت قريب ممنوعة من الظهور أو حتى التعبير عن مواقفها بأي شكل، لكن هذا الوضع غير المستقر لا يكشف عن الحقيقة كاملة، فمن جهة أولي، فتيار الإسلام السياسي ليس كل متجانس، وهناك تباينات كبيرة بين مكوناته المختلفة، فالسلفيون بينهم من يتبني رؤية رجعية للمنهج السلفي تقوم على رفض الأخر، وبينهم من يتبني رؤية أكثر تنويرا وأقل رجعية ومناهضة للعنف، وهناك الإخوان المسلمون الذين كسبوا كثيرا على المستوي الشعبي نتيجة تعرضهم للعنف الطويل من نظام مبارك، وبالطبع هناك الجماعة الإسلامية التي تحاول إعادة صياغة مشروعها السياسي بعد التغيرات الهائلة التي لم تتوقعها ولا تجيد التعامل معها، هذه التباينات بين مكونات هذا التيار تصل أحيانا لحد الصراع الذي شاهدنا مؤشرات له بين شباب الأخون وبين السلفيين بعد الأيام الأولي للثورة وبداية مشاركة أعدد قليلة من السلفيين، وهو ما نلمسه حاليا من صراع بين الصوفية وبين من يحاولوا هدم الأضرحة، أما ما يتم تصويره بالنسبة لنتيجة الاستفتاء على أنه نجاح للتيار الديني، فليس صحيحا بقدر كبير، فالمشاركين بتلك المعركة، يدركوا أن الغالبية التي صوتت بنعم، كانت خاضعة لتأثير، دعوي الاستقرار وعودة الجيش لسكناته أكثر من خضوعها لفكرة هوية الدولة الإسلامية، يضاف لذلك تأثير غياب نسبة كبيرة من المصوتين اعتقادا منهم بعدم أهمية التصويت أو اعتراضهم على توقيته.

ولا يعني ذلك أن نقلل من أهمية تأثير التيار الديني، خاصة أثر ذلك على وضع الأقباط، والذي يشهد تناقض في المرحلة الحالية، ما بين أغلبية ثورية تؤيد حقوقهم كمواطنين متساوين بدولة مدنية تقوم على المواطنة، وبين قوي رجعية ترفض ذلك وتراهم كأقلية لها بعض الحقوق وممنوع عليها البعض الأخر خاصة تولي المناصب العليا، فهذه التخوفات يجب أن تكون أحد مكونات الحركة الثورية خلال المرحلة الصعبة الحالية، فمدنية الدولة، والمساواة الكاملة، يجب أن تكون من أولويات المطالب السياسية التي علي الثوريين الضغط المنظم لتحقيقها، خصوصا وأن السلطة الحالية أوضحت عدم نيتها التعاطي مع ملف الأقباط، فأصدرت الإعلان الدستوري الذي نسخ المادة الثانية، والهوية الإسلامية للدولة، ولم تلتفت لمطالب الأقباط الأساسية التي يؤكدون عليها منذ1911 وهي: حرية بناء دور العبادة، والمساواة في تولي الوظائف والمناصب القيادية، والتمثيل البرلماني، إن المسألة القبطية ستظل موجودة طالما ظل النظام الطبقي قائما، ولم تصل الثورة لمرحلة الهجوم الطبقي لحسم العلاقة بأدوات الإنتاج، فهذا يرتبط بقدرتها على الاستمرار الذي يفتقد حاليا وجود حزب عمالي قوي، كما أن الحركة العمالية مشغولة بإعادة تنظيم نفسها وخلق منظماتها البديلة، فالهدف المرحلي يجب أن يتمسك بالدولة المدنية القائمة على المواطنة الكاملة، ليس كهدف نهائي بل كخطوة ضرورية تمهد للفرز الاجتماعي على أساس المصالح الطبقية، وصولا للثورة الجذرية التي تزيح الرأسمالية تماما، فاستمرار النظام الرأسمالي يعني بالضرورة استمرار كل صور الاستغلال، الذي يخفي وجهه القبيح في صراعات طائفية.