بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لن ترهبنا سجونكم

كانت المجموعات الثورية التي دعت ونظمت وشاركت في القلب من جماهير الشعب المصري في ثورة 25 يناير تتحرك باستمرار محافظةً على شعارات الثورة، ومنادية بتحقيق أهدافها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وخاضت المعارك في مواجهة نظام مبارك والمجلس العسكري حتى جعلت كل شهور السنة تحمل ذكرى معارك ثورية وانتفاضات جماهيرية.

كان آخر تلك الانتفاضات في 30 يونيو التي أتت، وكان لابد لها أن تأتي سواء شاركت فيها القوى الثورية أم لم تشارك، حيث شهدت فترة رئاسة الديكتاتور محمد مرسي أكبر احتجاجات جماهيرية في العالم. وعلى سبيل المثال، شهد مارس وأبريل ومايو من العام الجاري أكبر احتجاجات سجلتها مصر بواقع احتجاجين كل ساعة، وهو ما وضع مصر في الترتيب رقم “1” في معدلات الاحتجاج عالمياً. كان اغلبها احتجاجات عمالية واجتماعية ضد السياسات المتشابهة مع سياسات نظام مبارك

الإخوان ينظرون إلى هذه الاحتجاجات باعتبارها “مؤامرة إسقاط مرسي”، وردوا عليها بمنطق “الاستنفار”، الحشد بالحشد المضاد، ولم يفهموا على الإطلاق تغيير المزاج الجماهيري وتحوله من تأييد نسبي في الانتخابات التي كانت مصحوبة بآمال وطموحات التغيير التي وعد بها الإخوان، والتي كانت سراباً، فتحولت هذه الآمال وتلك الطموحات إلى حالة غضب عارمة تجتاح البلاد في 30 يونيو. حركة تحمل الكثير من التناقضات فيما بين مشاركة القوى الاجتماعية من العمال والفقراء الذين يريدون تحسين أوضاعهم الاجتماعية ويرفضون استمرار سياسات الظلم الاجتماعي لنظام مرسي مبارك، وبين مشاركة شباب القوى الثورية التي كانت في موقف لا تحسد عليه؛ حيث وجدت نفسها بين حركة جماهيرية جبارة وهائلة وبين جهاز دولة وفلول مبارك الذين وجدوا ضالتهم أخيراً واندفعوا بقيادة معسكر اليمين (الجيش والشرطة ورجال الأعمال) لركوب الموجة الجماهيرية لتوجيه غضب الجماهير تجاه الإخوان فقط.

وبسبب غياب الحزب الثوري والجبهة الثورية الجماهيرية، نجحت أجهزة الدولة في تولي “القيادة السياسية” للجماهير. وفي 3 يوليو، أعلن العسكر رسمياً توليهم مقاليد الأمور.

بعد هذه الحركة، وبعد بعض مشاهدها المحبطة من ظهور ضباط الشرطة أعداء الثورة مرفوعين على أكتاف فلول مبارك وبعض ممن خُدعوا في “توبتهم” وانحيازهم للشعب.. أصابت القوى الثورية موجة من الإحباط والارتباك زادت منها مشاهد المذابح التي ارتكبتها السلطة العسكرية في ميادين رابعة والنهضة ورمسيس والحرس الجمهوري.

بدأت الشعارات تتبدل أمام أعيننا من قبل السلطة العسكرية، فمن “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” أصبح الشعار “الحرب على الإرهاب”، ومن “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى “الجيش والشرطة والشعب إيد واحدة”، ومن “ثوار، أحرار، هنكمل المشوار” إلى “فوّضني شكراً”.

لقد بدأت المجموعات الثورية تنفض الإحباط عن نفسها، وتخرج من ركودها، وتعلن عن تصديها لمخطط الثورة المضادة بقيادة عبد الفتاح السيسي، وأعلنت هدفها المرحلي في رفع شعارات ورايات الثورة في مواجهة صور الفريق وبوسترات “شرطة الشعب”، والعمل على تحرير شوارع وميادين الثورة من قبضة السلطة العسكرية التي احتلتها بالدبابات وفرضت عليها الصمت ولم تسمح بأن يُرفع فيها صوت إلا إذا كان يهتف بحياة الزعيم أو يفوّضه للقتل.

وبالفعل بدأت القوى الثورية تتلمس طريق الثورة ونزلت إلى الشارع، فاستطاعت التظاهر أمام دار القضاء العالي رفضاً لإخلاء سبيل مبارك، وانطلقت في مسيرة إلى ماسبيرو لإحياء ذكرى مذبحة العسكر ضد الأقباط، وتعالت الهتافات للمرة الأولى بعد 3 يوليو بإسقاط حكم العسكر في هذه المناطق.

وبعد هذه الفعاليات الأولى، بدأت المجموعات الشبابية تشعر بحالة من الانتعاش وعودة الثقة، فانطلقت لإحياء ذكرى انتفاضة “محمد محمود”. وعلى مدار يومين، استطاعت رفع صوت الثورة وراياتها في ميدان عابدين وشارع محمد محمود وميدان الثورة، ميدان التحرير، للمرة الأولى وطردت منه حَمَلة صور السيسي ورفعت رايات الشهداء.

كان لهذا كله أبلغ الأثر في رفع المعنويات، وبدأت تخفت في المقابل الحملة المسعورة التي أعلنتها الدولة، كما تسببت تلك التحركات في حالة ارتباك، ولو بسيطة، في صفوف الحلف العسكري الليبرالي الحاكم. ولكنه سرعان ما توحد مرة أخرى، ليعلن أنه قُضيَ الأمر، وأنه لا مفر من إعلان حرب صريحة وواضحة على كل ما يمثل الثورة ويرفع شعاراتها أو يتحرك في الشارع أو الجامعة أو المصنع، فأصدروا قانون “منع التظاهر”، وأعطوا الضوء الأخضر لوزير الداخلية ليمارس القمع والتنكيل بجماهير الشعب المصري، بالفض الهمجي لمسيرات ووقفات الثوار ومظاهرات الطلاب وإضرابات واعتصامات العمال، تحت غطاء هذا القانون ظناً منهم أنهم بذلك يستطيعون إنهاء ووقف الحركة الجماهيرية التي تتصاعد يوماً بعد يوم بمزيد من القوة والإصرار في مواجهة بطش وغطرسة السلطة الحاكمة.

إذا كنتم تريدون إنهاء الثورة، فإننا نعدكم باستمرارها ونخبركم أن سجونكم أضيق بكثير من أن تحبس أو تسجن جماهير الثورة المصرية.. ثورة 25 يناير المستمرة.