بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ساحة سياسية

في ندوة الأسبوع الماضي بمركز الدراسات الاشتراكية..

“النهضة” على خطى مبارك

نفس السياسات التي عانينا منها طوال ثلاثين عاما في ظل المخلوع مبارك تتكرر باختلاف القائمين عليها، فما وعدنا به الرئيس مرسي في “مشروع النهضة” من إصلاح سياسي واقتصادي قامت من أجله ثورة الشعب المصري يذهب هباءا أمام قبوله الاقتراض من البنك الدولي بشروطه التي جربناها من قبل والتي ستفرض علينا مزيدا من الفقر والغلاء، فحتى الآن لم يجرؤ مرسي وحكومته علي فرض ضرائب تصاعدية علي رجال الأعمال وتحديد حد أدني وأقصي للأجور وغيرها من الحلول التي من شأنها أن تصب في مصلحة فقراء هذا البلد وكادحيه، بل لجأ لقرض البنك الدولي وشروطه التي تمثل فقط طوق النجاة لأثرياء هذا البلد.
في هذا السياق عقد مركز الدراسات الاشتراكية ندوة مساء الأربعاء 5 سبتمبر بعنوان “النهضة على خطى مبارك” بحضور وائل جمال مدير تحرير جريدة الشروق، وفاطمة رمضان رئيس لجنة الإضرابات والاعتصامات بإتحاد عمال مصر المستقل، وخالد عبد الرحمن عضو حركة الاشتراكيين الثوريين.
 
أشار وائل في بداية كلمته إلى أنه بعد الثورة مباشرة اتجه صندوق النقد الدولي ودول مجموعة الثمانية بحزمة مساعدات لدعم الثورة المصرية، حيث لم يختلف خطاب وزير المالية حينذاك، سمير رضوان، عن خطابات حكومات مبارك من ناحية أهمية المساعدات الاقتصادية وما يترتب على ذلك من تحجيم الإضرابات والاعتصامات المعطلة لعجلة الإنتاج. حكومة شرف الثانية طرحت من خلال وزير المالية الجديد حازم الببلاوي نفس الخطاب باعتبار القرض هو الحل الوحيد للتعافي الاقتصادي، كما تم طرح نفس الخطاب للمرة الثالثة بمارس الماضي مع حكومة الجنزوري حيث أبدت الأغلبية البرلمانية من حزب الحرية والعدالة معارضتها الشديدة تحت دعاوى عدم التعامل مع بدائل محلية للتمويل في ظل اقتراحهم بتعديل هيكل الضرائب وتفعيل الضريبة العقارية وإعادة هيكلة الدعم الموجه للأغنياء وضم الصناديق الخاصة وإسقاط الديون الرديئة التي استعملها النظام السابق دون تحقيق منفعة عامة للمواطنين.
 
الفقراء يدفعون ثمن القرض
 
هذه الإجراءات تبنى بعضها حزب الحرية والعدالة تحت شرط مشاركة المواطن في دفع قيمة تسديد القروض، حدث ذلك دون الرجوع إلى مجالس منتخبة من المواطنين مثل مجلس الشعب أو بنقاش عام يشارك فيه أطياف الشعب المختلفة، كما لم يتضح برنامج اقتصادي يدعم كيفية استخدام الأموال في خدمة المواطنين أو تسديدها لاحقا، كما أعلن حزب الحرية والعدالة تفاوضه مع الصندوق على امتداد ما توصلت إليه حكومة الجنزوري باعتباره أمر مفروغ منه.
 
الخطورة تكمن في أن أموال القرض ليست مجرد أموال مساعدة، فصندوق النقد الدولي ارتبط به عدة مفاهيم كالخصخصة وتحرير الأسواق كذلك تحرير تدفقات رأس المال وهي إحدى الكوارث التي رفعت القيود عن دخول أو خروج الأموال من وإلى مصر بما يزيد فرص تهريب أموال الشعب وفي ظل تخاذل من حكومات المجلس العسكري المتواطئة حول تجميد أموال رجال السلطة والأعمال من النظام السابق، وقبل أن يكون هناك خوفا من تراجع العملة الصعبة علينا أن نبحث عن الأموال المنهوبة خارج البلاد وكذلك النزيف المستمر للأموال التي تخرج حتى الآن.
 
مبادرة قروض الصندوق قد تدخل إذن في ضمان استمرار نفس السياسات الاقتصادية في إطارها العالمي، الأمر ليس متعلقا بمصر فقط فهناك توقيع اتفاقية قروض مع الحكومة الأردنية التي ظهرت نتائجها على الفور برفع أسعار الوقود 10% من قيمتها الحقيقية أعقبتها تدفق سيل من المظاهرات والاحتجاجات طالبت بإلغاء القرار المتعلق بوصاية صندوق النقد. المغرب أيضا اقترضت ما يزيد عن 6 مليار دولار حيث يضعها داخل دائرة الأزمة كذلك تونس التي تعاني الآن من ضغط سياسات الصندوق. لعل ذلك ليس من قبيل المصادفة فرؤية الصندوق حول التطور الذي اجتاح المنطقة كان واضحا ليس فقط بتحجيمه لكن بعدم تصديره إلى المنطقة الأوروبية عند اتخاذ حكومات تلك البلدان مسارات بعيدة عن العدالة الاجتماعية والمساواة في الأجور.
 
فالقرض ليس فقط اقتصادي بقدر ما يتعلق بفرض حزمة من السياسات. هناك العديد من الأحداث ذات الدلالات جرت بالتوازي مع القرض مثل المفاوضات بين الحكومة المصرية ونظيرتها الأمريكية التي أعربت بمجرد أن أبدت الرئاسة المصرية وحكومتها بقبول القرض عن إسقاط مليار دولار لا نعرف حتى الآن إن كانت إسقاط فعلي أم مبادلة ديون، حيث تكمن خطورة الأخيرة في اختيار صندوق النقد لمشروعات بعينها أو احتجاز حصص لمشروعات قائمة بالفعل، كما أن زيارة وفد يضم أكبر خمسين من رؤساء الشركات الأمريكية يحمل ثلاثة شروط خاصة بالتعديلات في الضرائب والجمارك وقوانين العمل.
 
ومع ما يبدو تنحي المجلس العسكري عن اتخاذ القرارات كما سبق تراجعت المعونة الأمريكية في شقها العسكري لتعرب أمريكا عن رغبتها في تحويل جزء منها إلى شكلها الاقتصادي لزيادة ضمانات تنفيذ سياسات لها علاقة بالترتيبات الإقليمية كعلاقة مصر بحماس ومسألة الحدود. 
 
استمرار نفس السياسات يؤكد وجود جناح في السلطة الحالية يجنح لتعزيز مصالح رجال الأعمال وعلاقتهم بالخارج على حساب مصالح الأغلبية الشعبية العريضة، ولن يتم التصدي لتلك السياسات إلا بالضغط من خلال الأصوات على الحكومة واتجاهتها. 
 
هل النهضة.. إرادة شعب ؟
 
أما فاطمة رمضان فقد بدأت كلمتها بضرورة ربط الجوانب السياسية والاقتصادية بقضايا العمال، لعل نجاح الثورة التي نادت بالعدالة الاجتماعية سيتوقف على مدى تحكم العمال في وضع السياسات.
ووجدت فاطمة أن الاقتراض من صندوق النقد الدولي لم يكن مفاجأة على الإطلاق، فبرنامج النهضة رغم محاولات تجميله إلا انه كان واضحا باتباع نفس السياسات القديمة، وحتى الآن لا نعرف ما المقصودة بشعار “النهضة إرادة شعب” هل هي تشجيع الاستثمار بالاقتراض من الصندوق وجعلها بلد منافسة أم تطوير الأيدي العاملة واستيفاء حقوق العمال؟!.
 
على أرض الواقع أكدت فاطمة أن سياسات مرسي امتدت في نفس سياق سياسات مبارك، فعلى سبيل المثال تم حصر عدد العمال المفصولين خلال الخمس سنوات الماضية ليصلوا أكثر من خمسين عاملا في حين تضاعف عددهم أكثر من ثلاث مرات ليصل إلى أكثر من 160 عامل تم فصلهم بعد الثورة وفي خلال عام ونصف فقط. أما البرنامج على الجانب الآخر فقد ربط عجلة الإنتاج بالاقتراض من صندوق النقد الذي يصب مباشرة بأرباحه ومكاسبه في جيوب رجال الأعمال ولا يجني العمال منه سوى مزيد من الخصخصة والتشريد.
 
البرنامج هنا يقارب عمليا برنامج شفيق باتباعه سياسات الخصخصة التي طالما اعتصم ضدها العمال وخاضوا نضالات واسعة لاسترداد شركاتهم وعودتها للقطاع العام بعد هروب المستثمرين، وكان من الحكومات المتعاقبة وصولا إلى اليوم أن وقفت في ظل تلك السياسات التي تراعي المستثمرين أولا في وجه العمال برفض استرداد الشركات ولو حتى تحت الدعاوي المزعومة باحترام أحكام القضاء.
 
كما لم يتعامل البرنامج مع وعوده باستيفاء حقوق العمال، فمنذ خمسة سنوات ارتفعت نسبة الإضرابات والاعتصامات المطالبة بالتثبيت إلى 10% من المجمل وذلك برغم إدعاءات تحقيق كل المطالب العمالية، وحتى الآن هناك أكثر من نصف مليون عامل مؤقت يعملون بمختلف مؤسسات الدولة. وحينما اتخذ العمال خطوات فعالة في تأسيس نقاباتهم المستقلة واجهتهم البيروقراطية التي اتبعتها وزارة القوى العاملة لتتوقف على عدد العمال المتقدمين في النقابة الواحدة. ومنذ أن أعلن الوزير التابع للحرية والعدالة ببعض التعديلات في قانون النقابات ثم الانتخابات ثم استصدار الحرية النقابية، أعاد إلينا نفس السيناريو الجدلي حول الدستور أم الانتخابات أولا. فماذا سيكون رد فعله تجاه العمال التابعين للنقابات المستقلة عندما ادعى دخولهم الانتخابات وإمكانية نجاحهم بنزاهة؟
 
ووجدت فاطمة أن الحل يكمن في التضامن، فإذا اعتبرنا أن الثورة في طريقها لتحقيق حدها الأدنى في المطالب السياسية فالقوى السياسية من جانبها عليها التضامن مع العمال في تأسيس نقاباتهم بحرية وخاصة في ظل هجمة شرسة حالية أعلنتها الحكومة على العمال وحقوقهم.
 
الحزب الوطني يعود من جديد
 
أما خالد فقد وجد أن تيار الإخوان المسلمين ملأ الفراغ السياسي عقب الانتخابات، وهو تنظيم إصلاحي تميز بطبيعته الطبقية على مستوى الطبقة العليا من رجال الأعمال وطبقة وسطى من المهنيين أما القواعد فهي طبقة عريضة من الجماهير جمعتهم شبكة تكامل اجتماعي ساهمت في تماسك الجماعة بالإضافة للخطاب الديني في ظل عدم وجود البديل.
 
وتبعا للتقسيمة الطبقية داخل الجماعة استطاعت الطبقة العليا المساهمة بشكل رئيسي في وضع برنامج سياسات الجماعة ككل، في حين تذبذبت القواعد إما بالانسحاب من النضالات الاجتماعية وإما بالضم على جهات أخرى تحمل تلك الشعارات.
 
وأكد خالد أن برنامج الإخوان المسلمين الذي وضعته الطبقة العليا من رجال أعمال جاء مشابها كثيرا لبرنامج الحزب الوطني على عدة مستويات، فعلاقته بالخارج تضمنت اعترافهم بالاتفاقيات الدولية واتباعهم نفس المسار المخلوع في القضية الوطنية، بالإضافة إلى الشعار الذي رفعه مرسي بأننا “لن نصدر الثورة”. وبرغم تصريحاته الداعمة للثورة السورية إلا أنه لم يتخذ مواقف حاسمة باتجاه السفارة السورية. 
 
أما على المستوى الاقتصادي للبرنامج فقد ظهر واضحا بتصريحات خيرت الشاطر حول احترامه لسياسات السوق الحر، وتم وصف سياسات رشيد باعتبارها ممتازة وأشابها بعض الشوائب، كما أعلن أحمد جودة أن القرض لن يكون الأخير. هناك أيضا تصريحات حول خصخصة الخدمات أو الاقتصار على دعم التعليم والصحة من صناديق الزكاة مع اكتفاء الدولة بدور الإشراف فقط، كذلك تحرير سعر الدقيق وخصخصة الكهرباء.في ظل العمل تحت قانون التصالح مع المستثمرين.
 
ووجد خالد أن النقطة الأكثر أهمية التي لم يتعرض لها البرنامج هو تدخل العسكر فيما يزيد عن 30% من الاقتصاد المصري، بل توازى ذلك مع قرارات سياسية موالية للنظام السابق بتكريم رموزه من المجلس العسكري بدلا من محاكمتهم على جرائم الفترة الانتقالية. 
 
وأكد خالد أن تلك السياسات المنحازة هي ما يتفق معها تماما قرض صندوق النقد بما يضع أمامنا معركة قادمة حول فضح برنامج الإخوان وكشف زيف شعاراتهم مع ضرورة التماسك حول مشروع اجتماعي واضح ينحاز للجماهير ضد الأقلية المحتكرة التي مازالت تمرر السياسات الاقتصادية لنظام المخلوع.